على الضفة اليمنى لنهر الخابور، حيث تتقاطع الجغرافيا مع عبق التاريخ، تقف بلدة مركدة شاهدة على تحولات كبرى عصفت بمنطقة الجزيرة السورية.
هذه البلدة التي يلفها السكون اليوم، ليست مجرد محطة عابرة على الطريق الدولي بين الحسكة ودير الزور، بل هي كتاب مفتوح يروي حكاية مدينة اندثرت، واسم وُلد من رحم المأساة.
“ماكسين”.. الحاضرة المنسية تحت الرمادقبل أن يُعرف هذا الموقع باسمه الحالي، كان يضج بالحياة تحت مسمى “ماكسين” (أو مكسين).
تعود جذور هذا الاسم إلى عصور قديمة، حيث كانت “ماكسين” مدينة مهمة في العصر العباسي وما تلاه، ويذكرها الجغرافيون العرب القدامى، مثل ياقوت الحموي في معجم “البلدان”، كبلدة عامرة تقع على نهر الخابور، تشتهر ببساتينها وخضرتها، وكانت تُعد محطة رئيسة للقوافل والجيوش المسافرة بين الموصل والرحبة (الميادين حاليًا).
تؤكد التنقيبات الأثرية في “تل ماكسين” القريب من البلدة الحالية، أن المنطقة كانت مركزًا حضاريًا متقدمًا، إذ كانت تضم أسواقًا وجسورًا تربط ضفتي النهر. ومع مرور القرون والحروب والموجات المغولية، تراجعت أهمية “ماكسين” حتى اندثرت معالمها العمرانية، تاركة خلفها تلًا أثريًا يحفظ أسرار تلك الحقبة الذهبية.
كيف أصبحت “مركدة”؟انتقلت التسمية من “ماكسين” إلى “مركدة” في تحول يختصر قسوة التاريخ، وتبرز هنا روايتان أساسيتان:
رواية “الرقود” والمأساة الأرمنية: وهي الأكثر شيوعًا وتوثيقًا في الذاكرة الحديثة، ففي عام 1915، تحول جبل مركدة الصخري إلى مسرح لواحدة من كبرى المآسي الإنسانية خلال الحرب العالمية الأولى.
سُميت بـ”مركدة” لأنها غدت “مرقدًا” لآلاف الضحايا من الأرمن الذين قضوا في تلك الفيافي.
الجبل الذي كان يطل على “ماكسين” القديمة، صار يُعرف بجبل “المراقد”، ومنه اشتق اسم البلدة الحالية “مركدة”، تخليدًا لذكرى الراقدين في ثراها.
رواية الهجرة العربية: تشير بعض المصادر المحلية إلى أن قبائل عربية هاجرت من الجزيرة العربية، واستوطنت أطلال “ماكسين”، فأطلقت عليها اسم “مركدة” تيمنًا بمناطقهم الأصلية في الحجاز، وهو ما يفسر التشابه في الأسماء بين البلدة السورية ومواقع في المملكة العربية السعودية.
الجغرافيا والاقتصادتقع بلدة مركدة على بعد 105 كيلومترات جنوب مدينة الحسكة، وتتميز بطبيعة تضاريسية فريدة، فمن جهة ينساب نهر الخابور، ومن جهة أخرى يبرز جبلها البركاني ذو الصخور السوداء، الذي يمنح المسيطر عليه ميزة استراتيجية لكشف مساحات شاسعة تصل إلى حدود البادية.
اقتصاديًا، يعتمد السكان اليوم بشكل أساسي على الزراعة المروية من النهر، رغم تراجع منسوبه في السنوات الأخيرة، بالإضافة إلى تربية المواشي. وتعتبر البلدة سوقًا حيويًا للقرى والبادية المحيطة بها، وممرًا لا غنى عنه للتجارة البرية بين منطقتي الجزيرة والفرات.
رمزية المكاناليوم، تمثل مركدة لوحة معقدة، فبينما يزور الأرمن كنيستهم ومزارهم على الجبل لاستذكار مآسي الأجداد، تعيش القبائل العربية في سهولها، متمسكة بأرض شهدت يومًا ازدهار “ماكسين”.
إنها بلدة تعيش على رفات الماضي وتتطلع إلى مستقبل يعيد للخابور هيبته، وللضفاف حيويتها.
Related


