“أوراق برلين”.. سيرة منفى بين مدينتين وذاكرتين
عنب بلدي -

في رواية “أوراق برلين”، يقدم الكاتب السوري نهاد سيريس نصًا يسافر بين مكانين متباعدين جغرافيًا، لكنهما متقاربان في الذاكرة والتجربة بين حلب وبرلين.

تدور الأحداث حول بطل سوري قادم من حلب، يصل إلى برلين بعد تجربة قاسية، حاملًا معه ذاكرة مدينة مدمرة.

يتنقل السرد بين أزقة حلب القديمة، بما تحمله من ذاكرة وخراب، وبين شوارع برلين الحديثة، حيث يكتشف البطل مدينة أخرى تحمل بدورها تاريخًا من الانقسام والحروب.

النص يفتح الباب أمام تنقل دائم بين الأزمنة والأمكنة، فالراوي يجلس في برلين، يتأمل تفاصيلها، لكن السرد سرعان ما يعود إلى حلب المنقسمة، حيث الحرب حاضرة في الشوارع والحواجز والقناصة، وهذا الانتقال يجعل الماضي جزءًا من كل لحظة يعيشها في الحاضر.

هذا التوازي بين المدينتين يشكل العمود الفقري للرواية، إذ لا تبدو برلين مكانًا للنجاة فقط، بل مرآة تعكس ما حدث في حلب، وكأن التاريخ يعيد نفسه بأشكال مختلفة، فحلب التي انقسمت شرقًا وغربًا في سنوات الحرب، كانت برلين نفسها ضمن معادلة الانقسام.

من خلال هذا التداخل، يتحول البطل إلى شاهد على تجربتين، يعيشهما في آن واحد، دون أن يتمكن من الانفصال عن أي منهما.

هذا التداخل بين زمنين يظهر بوضوح، حين تنتقل الرواية من برلين الحديثة إلى لحظات القصف خلال الحرب العالمية الثانية، حيث يعيش القارئ تجربة المدينة وهي تتداعى تحت النار، في موازاة ما حدث في حلب لاحقًا.

هروب الراوي من ماضيه لا يقوده إلى النسيان، بل إلى الغوص أكثر، إذ ينشغل بتاريخ ألمانيا، ويتتبع خرائط الحروب، ويتأمل اللوحات التي توثق قسوة الحرب، في محاولة غير مباشرة لفهم ما عاشه هو نفسه.

في الرواية، لا يظهر البطل كناجٍ بالمعنى الكامل، وإنما كشخص لا يزال يعيش آثار ما تركه خلفه، ويحاول التكيف مع واقع لا يشبهه.

إلى جانب ذلك، تظهر شخصيات سورية في المنفى تكشف وجوهًا مختلفة للتجربة، إذ يتحول “صبري”، الضابط السابق، إلى شاب تائه في النوادي الليلية، ويحاول عبر المخدرات الهروب من تجربة لا يمكن تفسيرها.

بينما تقدم “هنادي” سردًا آخر، يربط بين سوريا وألمانيا عبر تاريخ عائلي يمتد إلى عقود سابقة، ليذكر بأن الهجرة جزء من مسار طويل.

مَن نهاد سيريس؟

الكاتب والروائي السوري نهاد سيريس، مواليد 1950 من مدينة حلب، درس الهندسة المدنية في بلغاريا قبل أن ينال درجة الماجستير عام 1976.

بدأ نشاطه الأدبي الفعلي مطلع ثمانينيات القرن الماضي، حيث قدم مجموعة من الروايات والمسرحيات والكتابات الدرامية، وتميزت أعماله بارتباطها الوثيق بمدينة حلب، من حيث المكان والتاريخ والبنية الاجتماعية التي تحكم تفاصيل الحياة فيها.

من أبرز أعماله رواية “السرطان” و”رياح الشمال”، إضافة إلى رواية “خان الحرير” التي شكلت النص الأصلي للمسلسل التلفزيوني السوري المعروف بالاسم نفسه، والصادر عام 2004.

Related

اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا

إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى



إقرأ المزيد