نازحو رأس العين بالحسكة.. معاناة مستمرة وتحديات تعوق العودة
عنب بلدي -

يعيش آلاف النازحين من مدينة رأس العين وريفها، منذ سنوات، داخل مخيمي “الطلائع” و”توينة” إضافة إلى مراكز الإيواء داخل مدينة الحسكة، في ظروف إنسانية ومعيشية صعبة لا تزال تلقي بظلالها على تفاصيل حياتهم اليومية، في ظل نقص الخدمات الأساسية وتراجع الاستجابة الإنسانية، مقابل تمسكهم بحق العودة إلى مناطقهم الأصلية، ولكن وفق شروط يعتبرونها “أساسية” لضمان الكرامة والأمان.

وبين مطالب الأهالي بالعودة، والتعقيدات الأمنية والخدمية في مناطقهم الأصلية، إضافة إلى تحديات إعادة الإعمار وملف الألغام، يبقى ملف نازحي رأس العين واحدًا من أكثر الملفات الإنسانية تعقيدًا في شمال شرقي سوريا، خصوصًا مع تقديرات تتحدث عن عشرات آلاف النازحين الذين توزعوا بين المخيمات ومراكز الإيواء في محافظة الحسكة.

معاناة ممتدة داخل المخيمات

في مخيم “الطلائع”، يقطن آلاف النازحين الذين غادروا مدينتهم عقب العمليات العسكرية التي شهدتها المنطقة عام 2019، حيث تحوّلت المخيمات مع مرور الوقت إلى أماكن إقامة طويلة الأمد، بعد أن كانت حلًا مؤقتًا.

وتشير شهادات النازحين إلى تدهور واضح في الخدمات الأساسية، سواء من حيث المياه أو الكهرباء أو الدعم الإغاثي، إضافة إلى صعوبات في تأمين سبل العيش، وارتفاع تكاليف الحياة اليومية، ما انعكس بشكل مباشر على الواقع المعيشي للأسر.

كما يواجه الأطفال تحديات إضافية في قطاع التعليم، نتيجة ضعف الإمكانيات داخل المخيمات، ونقص الكوادر والمستلزمات التعليمية، ما جعل العديد من العائلات تعتبر أن استمرار الوضع الحالي يهدد مستقبل أبنائها.

“غادرنا حفاظًا على حياتنا”

في حديثه إلى عنب بلدي، قال النازح من ريف رأس العين سامر الخلف، إن خروجهم من مدينتهم كان نتيجة مباشرة للعمليات العسكرية التي شهدتها المنطقة، والتي دفعتهم إلى مغادرة منازلهم حفاظًا على حياتهم وسلامتهم.

وأضاف أن العائلات تعيش منذ قرابة سبعة أعوام في ظروف معيشية صعبة داخل المخيمات، رغم تمسّكهم الدائم بحق العودة، لكنه أكد أن هذه العودة “لا يمكن أن تتم إلا بعد توفر شروط واضحة تضمن الأمن والاستقرار وإعادة الخدمات الأساسية”.

وذكر أن العديد من القرى التي نزحوا منها تعرضت لأضرار كبيرة، طالت البنية التحتية والمساكن والخدمات، وهو ما يجعل العودة مرتبطة بعمليات إعادة إعمار حقيقية، إلى جانب وجود تنظيم إداري يضمن عودة السكان بشكل آمن وكريم.

الأهالي لا يرفضون العودة، بحسب ما قاله سامر، لكنهم يريدون العودة إلى منازل قابلة للسكن، ومدارس تعمل، وخدمات أساسية متوفرة، مع ضمان عدم تكرار تجربة النزوح مجددًا.

تنقّل بين مناطق متعددة

من جهته، تحدث النازح عادل الحسن، وهو من سكان مدينة رأس العين سابقًا، لعنب بلدي عن رحلة نزوح طويلة شملت التنقل بين عدة مناطق قبل الاستقرار في مخيم “الطلائع”، الأمر الذي ضاعف حجم المعاناة خلال السنوات الماضية.

وقال عادل، إن الهدف الأساسي لكل المهجّرين هو العودة إلى مناطقهم الأصلية، لكن “بشكل يضمن الكرامة والاستقرار”، مشيرًا إلى أن أي عودة تحتاج إلى ترتيبات واقعية تشمل تأمين بيئة آمنة، ومعالجة ملف الممتلكات المتضررة أو المفقودة.

وأضاف أن استمرار الوضع الحالي يفرض تحديات كبيرة على العائلات، خصوصًا في ما يتعلق بسبل العيش، حيث يفتقر كثيرون إلى مصادر دخل ثابتة، إضافة إلى انعكاس ذلك على الأطفال الذين يعيشون واقعًا تعليميًا صعبًا داخل المخيم.

العودة “الآمنة والكريمة” مطلب أساسي

أما النازحة رنا العبد الله، فأكدت لعنب بلدي أن خروجهم من رأس العين كان نتيجة ضغط الظروف الأمنية في حينه، مشيرة إلى أن الأمل بالعودة لا يزال حاضرًا رغم سنوات النزوح الطويلة.

وقالت رنا، إن العودة بالنسبة لهم يجب أن تكون “آمنة وكريمة”، وتضمن حقوق جميع السكان دون استثناء، مع ضرورة العمل على إعادة الاستقرار وإصلاح البنية الخدمية المتضررة.

وأضافت أن الأهالي يتطلعون إلى مستقبل يعيد الحياة الطبيعية إلى المنطقة، ويعزز التعايش بين مختلف المكونات، بما يضمن عدم تكرار معاناة النزوح، معتبرة أن الاستقرار الاجتماعي والخدمي يشكل شرطًا أساسيًا لأي عودة ناجحة.

أرقام وخطط لتنظيم العودة

في المقابل، أوضح المنسق الإعلامي لـ”لجنة مهجّري رأس العين” التابعة لـ”الإدارة الذاتية”، دلو محمد علي، في تصريح صحفي، أنه تم إعداد قوائم بأسماء النازحين في محافظة الحسكة، ضمن خطوات تهدف إلى تنظيم عملية العودة المستقبلية.

وبيّن أن العمل بدأ بإعداد قوائم أهالي القرى التابعة لمنطقتي زركان وتل تمر، على أن تكون عودتهم في المرحلة الأولى بعد استكمال الإجراءات الأمنية اللازمة.

وأشار إلى أن عدد أبناء رأس العين يُقدّر بنحو 70 ألف نسمة، في حين يقيم داخل المخيمات قرابة 33 ألف شخص، ما يعكس حجم الملف وتعقيداته اللوجستية والاجتماعية.

وأكد أن آلية العودة لم تُحسم بعد، سواء من حيث كونها ستتم على شكل دفعات أو قوافل، إلا أن التوجه العام يشير إلى بدء عودة سكان القرى أولًا، يليها لاحقًا عودة سكان المدينة بشكل جماعي.

تطورات ميدانية مرتبطة بالملف

يتقاطع ملف نازحي رأس العين مع تطورات ميدانية شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية، ففي 13 من نيسان الحالي، أزالت آليات السواتر الترابية على طريقي رأس العين–تل تمر ورأس العين–الدرباسية في ريف الحسكة، ضمن خطوات إعادة فتح طرق كانت مغلقة منذ أواخر عام 2019.

وكان إغلاق هذه الطرق قد جاء عقب سيطرة فصائل “الجيش الوطني” على مدينة رأس العين خلال عملية “نبع السلام” عام 2019، ما جعل المنطقة خط تماس مباشرًا، وتسببت حالة الانقسام العسكري بتقييد حركة المدنيين لأعوام عدة.

ورغم إعادة فتح الطرق جزئيًا، لا تزال المخاوف قائمة بسبب وجود ألغام في بعض المقاطع واستمرار هشاشة الوضع الأمني.

وفي سياق متصل، شهدت الحسكة تطورًا موازيًا، إذ عادت، في 14 من نيسان الحالي، دفعة جديدة من نازحي عفرين المقيمين في مدينة القامشلي بريف الحسكة باتجاه مناطقهم في ريف حلب الشمالي، ضمن برنامج عودة منظمة شمل مئات العائلات.

وتمت عملية العودة عبر قوافل حافلات وشاحنات جرى تجهيزها مسبقًا، في واحدة من أكبر دفعات العودة، ما أعاد طرح سؤال الفجوة بين نماذج عودة منظمة نسبيًا في عفرين، وتعثر ملف رأس العين حتى الآن.

ترقب للمرحلة المقبلة

قال المنسق الإعلامي لـ”لجنة مهجري رأس العين”، إن المرحلة المقبلة ستشهد اجتماعات تنسيقية لمناقشة الجوانب الأمنية واللوجستية لعملية العودة، مشيرًا إلى أن “الأوضاع تتجه نحو التحسن”، دون تحديد جدول زمني واضح.

ودعا النازحين إلى الاستعداد لمرحلة العودة في حال استكمال الشروط المطلوبة، مؤكدًا أن أي عملية لن تُنفذ قبل تأمين الظروف المناسبة.

وبين مسارات سياسية وأمنية متداخلة، وتطورات ميدانية متسارعة في محيط المنطقة، يبقى ملف نازحي رأس العين عالقًا بين انتظار طويل وشروط معقدة، في وقت يترقب فيه آلاف العائلات انتقاله من مرحلة الوعود إلى التنفيذ الفعلي، بما يضع حدًا لسنوات النزوح الممتدة.

Related



إقرأ المزيد