عنب بلدي - 4/30/2026 11:19:12 AM - GMT (+2 )
مع حلول فصل الربيع من كل عام، يتزايد إقبال الأهالي في مناطق الجزيرة السورية على إجراء الحجامة، باعتبارها وسيلة علاجية تقليدية متوارثة، يربطها كثيرون بالتجدد الموسمي للجسم والتخلص من “السموم”، فيما ينظر إليها آخرون كخيار تكميلي إلى جانب الطب الحديث. وبين هذا وذاك، تتباين الآراء حول فوائدها وحدودها، وسط دعوات لتنظيم ممارستها وضبطها طبيًا.
الربيع.. موسم الحجامةيرتبط انتشار الحجامة في الربيع بعوامل ثقافية ودينية، إذ يعتقد كثير من الناس أن هذا الفصل هو الأنسب لإجرائها، مستندين إلى أحاديث نبوية تتحدث عن توقيتات مفضلة للحجامة.
في هذا السياق، قال المختص بالحجامة علي الجعبان، إن الإقبال يزداد بشكل ملحوظ في هذه الفترة، موضحًا أن “الناس يرون في الربيع وقتًا مناسبًا لتجديد نشاط الجسم، خصوصًا بعد فصل الشتاء وما يرافقه من خمول”.
تجربة شخصية تقود إلى التخصصيروي الجعبان تجربته مع الحجامة، مشيرًا إلى أنها بدأت بدافع المعاناة الشخصية، إذ تعرض لآلام شديدة أعجزته عن الحركة، ولم تفلح العلاجات التقليدية في تخفيفها.
وأضاف، “بعد البحث والاطلاع، لجأت إلى الحجامة، وكانت النتيجة تحسنًا ملحوظًا خلال ساعات، ما دفعني لتعلمها وممارستها بشكل مستمر”.
وأشار إلى أن هذا التحسن شكّل نقطة تحول في حياته، إذ بات يمارس الحجامة لنفسه بشكل دوري، قبل أن يتوسع في تعلمها وتطبيقها على الآخرين.
أنواع الحجامةبحسب الجعبان، تنقسم الحجامة إلى نوعين رئيسين، الجافة، التي تعتمد على استخدام الكؤوس دون إحداث جروح، والرطبة، التي تتضمن “تشريطًا خفيفًا” للجلد بهدف إخراج الدم.
وأكد أن لكل نوع استخداماته، إلا أن الحجامة الرطبة هي الأكثر شيوعًا، نظرًا لاعتقاد الكثيرين بقدرتها على “تنقية الدم” والتخلص من الخلايا التالفة.
دوافع الإجراء.. بين الوقاية والعلاجيرى ممارسو الحجامة أنها وسيلة وقائية وعلاجية في آن واحد، إذ يُقبل عليها بعضهم بشكل دوري دون وجود أعراض، فيما يلجأ إليها آخرون لعلاج مشكلات صحية محددة.
وقال الجعبان إن الهدف الأساسي منها هو “التخلص من الدم الراكد في الشعيرات الدموية”، معتبرًا أن ذلك ينعكس إيجابًا على وظائف الجسم.
يعدد الجعبان قائمة واسعة من الفوائد التي ينسبها للحجامة، تشمل تخفيف الآلام العضلية والمفصلية، والصداع، وبعض الأمراض العصبية، إضافة إلى أمراض الجهاز التنفسي والجلدية.
كما يشير إلى دورها في تحسين حالات مثل السكري وارتفاع الكوليسترول، بل ويمتد الحديث إلى تأثيرها على بعض الاضطرابات النفسية، بحسب الجغبان.
رأي طبيفي المقابل، يقدّم الطبيب محمد العبد الله قراءة أكثر حذرًا، موضحًا أن الحجامة تُصنّف ضمن الطب البديل، مع وجود بعض الدراسات التي تشير إلى فائدتها في تخفيف الألم العضلي المزمن.
ويقول، “الحجامة تعتمد على مبدأ الضغط السلبي، ما يؤدي إلى زيادة تدفق الدم في المنطقة المعالجة، وهذا قد يفسر شعور بعض المرضى بالتحسن”.
وشدد العبد الله على أن تأثير الحجامة يبقى موضعيًا ومحدودًا، ولا يمكن اعتبارها وسيلة لتنقية الدم، موضحًا أن هذه الوظيفة تقوم بها أعضاء حيوية مثل الكبد والكلى.
وأضاف أن بعض التحسن الذي يشعر به المرضى قد يكون مرتبطًا بعوامل نفسية، فيما يُعرف بتأثير الدواء الوهمي، حيث يلعب توقع التحسن دورًا في تخفيف الأعراض.
تجارب شخصيةمن جهته، قال كريم الحسين، وهو أحد سكان ريف الحسكة، إنه لجأ إلى الحجامة بعد معاناته من آلام مزمنة في الظهر، مضيفًا، “بعد الجلسة الأولى شعرت بخفة كبيرة في جسمي، وكأن الحمل الذي كان يثقلني قد زال”.
وأشار إلى أنه بات يكرر التجربة مرتين في العام، خاصة في فصل الربيع، معتبرًا أنها ساعدته على تحسين نشاطه اليومي.
أما مريم العلي، من مدينة الحسكة، فتتحدث عن تجربتها مع الصداع المزمن، قائلة، “كنت أعاني من نوبات متكررة، وبعد الحجامة خفّت بشكل واضح، ولم أعد أحتاج إلى المسكنات كما في السابق”.
وترى أن الحجامة منحتها شعورًا عامًا بالراحة، سواء على المستوى الجسدي أو النفسي.
شروط وإجراءات.. السلامة أولًارغم الإقبال المتزايد، يحذّر مختصون من مخاطر إجراء الحجامة دون الالتزام بالمعايير الصحية، خاصة فيما يتعلق بالتعقيم.
وأكد الجعبان ضرورة استخدام أدوات معقمة، وإجراء الحجامة على جلد سليم، مع تجنبها في حالات معينة مثل الحمل أو الأمراض النزفية.
كما شدد الطبيب محمد العبد الله على أهمية استشارة الطبيب قبل الخضوع للحجامة، خصوصًا للمرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة أو يتناولون أدوية تؤثر على تخثر الدم.
بين التراث والطب الحديثتعكس الحجامة حالة من التداخل بين الموروث الشعبي والممارسات الطبية الحديثة، إذ لا تزال تحظى بقبول واسع في المجتمع، رغم التحفظات العلمية.
ويتفق المختص بالحجامة الجعبان والطبيب العبد الله أن الحل يكمن في تنظيم هذا المجال، عبر إخضاعه لرقابة صحية، وتوعية الناس بمخاطره وفوائده الحقيقية، بعيدًا عن المبالغة أو الرفض المطلق.
في ظل الإقبال الموسمي على الحجامة، تبقى الحاجة قائمة إلى تحقيق توازن بين القناعة الشعبية والتقييم العلمي، بما يضمن الاستفادة منها بشكل آمن، دون أن تتحول إلى بديل عن العلاج الطبي.
وبينما يجد فيها البعض وسيلة فعالة لتحسين صحتهم، يدعو مختصون إلى التعامل معها كخيار تكميلي، يُستخدم بحذر وتحت إشراف متخصصين، خاصة في ظل غياب أدلة علمية كافية تدعم بعض القناعات المرتبطة بها.
Related
إقرأ المزيد


