عنب بلدي - 4/30/2026 3:56:07 PM - GMT (+2 )
مع حلول فصل الربيع، تتحول الأرياف الممتدة بين القحطانية والمالكية، مرورًا بالجوادية ومعبدة، في أرياف محافظة الحسكة الشمالية الشرقية، إلى وجهة مفضلة لعشرات العائلات القادمة من مختلف مناطق المحافظة.
وتتميز هذه المناطق بتنوعها البيئي، من سهول خضراء إلى ينابيع طبيعية وضفاف نهر دجلة، ما يجعلها متنفسًا طبيعيًا للسكان.
لكن هذا الإقبال الكبير ترافق مع تزايد واضح في مظاهر التلوث، أبرزها رمي النفايات بشكل عشوائي وإشعال النيران بين الأشجار، ما أدى إلى تدهور الواقع البيئي في عدد من المواقع الطبيعية.
ويقول سكان محليون إن بعض الزوار يتعاملون مع هذه الأماكن بوصفها “مساحات مفتوحة بلا ضوابط”، دون مراعاة لكونها مصادر مياه ومواقع بيئية حساسة، الأمر الذي فاقم من حجم الضرر خلال الفترة الأخيرة.
قرارات المنع.. “آخر الحلول”في ريف القحطانية، قرر أهالي قرية علي بدران منع التنزه بالقرب من الينابيع التي تنبع في محيط القرية، بعد تفاقم مشكلة تراكم النفايات وتلوث مصادر المياه.
كما اتخذ أهالي قرية الجارودية التابعة لمدينة المالكية قرارًا مماثلًا، عقب ازدياد رمي القمامة داخل المساحات الخضراء.
ولم يكن قرار المنع وليد لحظة، بل جاء بعد محاولات سابقة لتنظيم حركة الزوار، من خلال تخصيص أماكن لرمي النفايات وتوجيه دعوات متكررة للحفاظ على النظافة العامة، إلا أن تلك المبادرات لم تلقَ استجابة كافية.
ويؤكد السكان أنهم اضطروا إلى هذه الخطوة “مكرهين”، بعد أن تحولت بعض المواقع الطبيعية إلى مكبات نفايات مفتوحة، ما هدد استدامتها وأثر على مصادر المياه فيها.
“ضاق بنا الحال”.. شهادات من الأهاليقال سليمان أحمد، من قرية علي بدران، لعنب بلدي، إن الإقبال الكبير على قريتهم للتنزه يقابله سلوك غير مسؤول من بعض الزوار، يتمثل في رمي النفايات وإشعال النيران وقطع الأشجار، ما يتسبب بأضرار بيئية كبيرة.
وأضاف، “طلبنا من المتنزهين عدم زيارة القرية. لم نغلق أبوابنا إلا بعد أن ضقنا ذرعًا بتلوث ينابيعنا، وبالمشاكل التي يتركها بعض الزوار خلفهم. الطبيعة أمانة، والقرى بيوت أصحابها، ومن الواجب احترام هذه الأمانة”.
وأشار أحمد إلى أن الأهالي حاولوا سابقًا تنظيم الأمر بطرق متعددة، إلا أن تفاقم المشكلة دفعهم في النهاية إلى اتخاذ قرار المنع حفاظاً على بيئتهم المحلية.
من جهته، قال عزيز علي، من الريف الشرقي للقامشلي، إن التلوث لم يقتصر على القرى، بل امتد إلى سد السفان، ما زاد من خطورة الوضع، نظرًا لأهميته كمصدر لمياه الشرب بعد التكرير.
وأضاف أن عددًا من القرى، مثل الزهيرية وعين ديوار وجم شرف، تواجه المشكلة ذاتها، داعياً إلى تعزيز الوعي البيئي بين الأهالي والزوار على حد سواء.
سد السفان.. خطر يهدد مصدر المياهيُعد سد السفان من أبرز المواقع المتأثرة بالتلوث، إذ أدى رمي النفايات في محيطه إلى تلوث مياهه، رغم كونه مصدراً مهماً لمياه الشرب لعدد من المدن، بينها المالكية ومعبدة والقامشلي.
ويحذر السكان من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى تفاقم المشكلة، خاصة في ظل محدودية الموارد المائية في المنطقة، ما يجعل الحفاظ على جودة المياه أولوية قصوى.
كما يشيرون إلى أن إشعال النيران في المناطق الحراجية القريبة من السد يهدد الغطاء النباتي ويؤثر سلباً على التوازن البيئي.
خبير بيئي: “ما يحدث إنذار مبكر”في تعليق على هذه التطورات، قال الخبير البيئي مروان الحسن، إن ما تشهده مناطق ريف الحسكة يُعد “مؤشرًا خطيرًا على تراجع الوعي البيئي”، لافتًا إلى أن اتخاذ الأهالي قرارات بمنع التنزه يعكس غياب حلول مؤسسية فعالة.
وأوضح الحسن أن رمي النفايات في البيئات الطبيعية لا يؤدي فقط إلى تشويه المنظر العام، بل يتسبب أيضًا في تلوث التربة والمياه، ويؤثر على التنوع الحيوي، خاصة في المناطق التي تضم ينابيع ومسطحات مائية.
وأشار إلى أن الحل لا يكمن في المنع فقط، بل في “إطلاق حملات توعية بيئية مستمرة، وتوفير بنية تحتية مناسبة لإدارة النفايات، إلى جانب فرض رقابة حقيقية على السلوكيات المخالفة”.
تعكس هذه الظاهرة حالة من التوتر بين حاجة السكان إلى أماكن للتنزه والترفيه، وبين ضرورة الحفاظ على البيئة الطبيعية من التدهور. وفي ظل غياب تنظيم فعّال، وجد الأهالي أنفسهم أمام خيار صعب: إما فتح مناطقهم على حساب بيئتهم، أو إغلاقها مؤقتًا لحمايتها.
ويرى الحسن أن هذه الإجراءات، رغم قسوتها، قد تكون دافعًا لإعادة التفكير في آليات إدارة المواقع الطبيعية، سواء من خلال إشراك المجتمعات المحلية في حمايتها، أو عبر تدخل الجهات المعنية لوضع ضوابط واضحة للتنزه.
دعوات لتعزيز الوعي والمسؤوليةفي ختام حديثهم، شدد الأهالي الذين قابلتهم عنب بلدي على أن حماية البيئة مسؤولية جماعية، تبدأ من سلوك الأفراد ولا تنتهي عند حدود القرارات المحلية. ودعوا الزوار إلى احترام خصوصية القرى والحفاظ على نظافة الأماكن التي يقصدونها، مؤكدين أن الطبيعة ليست ملكًا لأحد، بل إرثًا مشتركًا يجب الحفاظ عليه للأجيال القادمة.
وفي ظل استمرار هذه التحديات، يبقى السؤال مفتوحًا حول مدى قدرة المجتمعات المحلية والجهات المعنية على إيجاد توازن بين الاستفادة من الطبيعة وحمايتها، دون اللجوء إلى إجراءات المنع التي قد تحرم الكثيرين من الاستمتاع بها.
Related
إقرأ المزيد


