عنب بلدي - 5/3/2026 8:49:14 AM - GMT (+2 )
عنب بلدي – محمد ديب بظت
أثار الحديث الجانبي الذي جمع الرئيس السوري، أحمد الشرع، بنظيره المصري، عبد الفتاح السيسي، على هامش الاجتماع غير الرسمي للاتحاد الأوروبي والشركاء الإقليميين بالعاصمة القبرصية نيقوسيا، في 24 من نيسان الماضي، تساؤلات حول دلالات هذا التواصل السياسي، وما إذا كان يشير إلى تحول محتمل في طبيعة العلاقة بين دمشق والقاهرة، أم أنه يبقى ضمن حدود المجاملة الدبلوماسية التي تفرضها اللقاءات متعددة الأطراف.
ورغم أن ما جرى لم يكن لقاء رسميًا بالمعنى التقليدي، فإن مجرد ظهور تواصل مباشر بين الطرفين أعاد ملف العلاقات السورية- المصرية إلى دائرة النقاش، خاصة في ظل الحذر الذي طبع المقاربة المصرية تجاه الإدارة السورية الجديدة منذ التحولات السياسية الأخيرة في سوريا.
حذر محسوبتعد القاهرة من العواصم العربية التي تعاملت بحذر محسوب مع المشهد السوري الجديد، إذ حافظت على خطاب سياسي داعم لوحدة سوريا واستقرارها، مع تجنب الانخراط السريع في خطوات سياسية واسعة تجاه دمشق، في وقت تراقب مصر ملامح المرحلة السورية الجديدة وانعكاساتها على التوازنات الإقليمية.
ويطرح هذا التواصل تساؤلات حول ما إذا كانت العلاقة بين البلدين تتجه نحو تطوير تدريجي عبر قنوات سياسية ودبلوماسية أوسع، أم أن القاهرة ستبقي علاقتها ضمن إطار الترقب، بانتظار اتضاح أكبر لشكل السلطة الجديدة في دمشق وسياساتها الإقليمية.
وعلى هامش هذا المسار السياسي، يبرز تساؤل فرعي حول ما إذا كانت طبيعة العلاقات بين دمشق والقاهرة قد تنعكس مستقبلًا على السوريين المقيمين في مصر، خاصة في ظل متغيرات قانونية وإدارية شهدها هذا الملف خلال الفترة الماضية.
وبين رمزية المشهد وحدود البروتوكول، يبقى الحديث الجانبي بين الشرع والسيسي في قبرص مؤشرًا سياسيًا قابلًا للقراءة، لكنه لا يكفي وحده للحكم على مسار العلاقات، التي تبدو حتى الآن محكومة بالحذر أكثر من التحول الواضح.
باب واسع للقراءةيرى خبير العلاقات الدولية الدكتور محمد اليمني، أن أي تواصل بين شخصيات تمثل دولًا ذات ثقل إقليمي، حتى وإن بدا عابرًا أو بروتوكوليًا، لا يمكن فصله عن الحسابات السياسية الأوسع، معتبرًا أن الحديث الجانبي بين الرئيس السوري ونظيره المصري يفتح بابًا واسعًا للقراءة، لكن دون الذهاب مباشرة إلى اعتباره تحولًا استراتيجيًا في العلاقات.
وقال اليمني خلال حديث إلى عنب بلدي، إن القراءة الأولية لهذا النوع من التواصل يجب أن تنطلق من فهم “الرمزية السياسية”، موضحًا أن التواصل غير الرسمي، حتى بغياب التصريحات أو البيانات، يحمل رسائل مزدوجة، إحداها داخلية تعكس مرونة سياسية دون التزامات واضحة، وأخرى خارجية تشير إلى أن قنوات الاتصال بين الطرفين ليست مغلقة بالكامل، وأن هناك استعدادًا لاختبار إمكانيات التقارب.
لكنه حذر في الوقت نفسه من المبالغة في تفسير هذه اللحظات، مشيرًا إلى أن طبيعة القمم الدولية تتيح مساحات للتفاعل البروتوكولي أو العفوي بين القادة، ما يعني أن ما جرى قد يبقى ضمن حدود المجاملة السياسية ما لم تتبعه خطوات أكثر وضوحًا.
التدرج الحذربحسب الخبير في العلاقات الدولية الدكتور محمد اليمني، فإن السؤال الأهم لا يتعلق بوقوع الحديث بحد ذاته، بل بما إذا كان يمكن اعتباره مؤشرًا على انفتاح تدريجي في العلاقات السورية- المصرية، معتبرًا أن الإجابة تبقى “احتمالًا مشروطًا”، إذ تعتمد القاهرة، وفق توصيفه، سياسة “التدرج الحذر” في الملفات المعقدة، وتفضل اختبار النيات قبل الانتقال إلى مراحل أكثر تقدمًا.
هذا التواصل يمكن فهمه بوصفه “جس نبض سياسي” أكثر من كونه تحولًا نوعيًا، بحسب اليمني، موضحًا أن مصر لا تتعامل مع الملف السوري باعتباره ملفًا ثنائيًا فقط، بل من خلال شبكة أوسع من الاعتبارات تشمل التوازنات الدولية، والعلاقات مع القوى الكبرى، والموقف العربي العام، إضافة إلى الحسابات الأمنية المرتبطة بالاستقرار الإقليمي.
وأشار إلى أن القاهرة، بحكم نهجها التقليدي في السياسة الخارجية، تميل إلى الاستمرارية والحذر، وتتجنب القفزات المفاجئة، ما يجعل أي تحول في العلاقة مع دمشق مرتبطًا بتراكم خطوات تدريجية لا بلحظة واحدة، مهما حملت من رمزية.
احتواء الأزماتوفي قراءة أوسع، ربط الخبير في العلاقات الدولية الدكتور محمد اليمني هذا التواصل بالسياق الإقليمي الذي يشهد خلال السنوات الأخيرة محاولات لإعادة ترتيب العلاقات واحتواء الأزمات بدلًا من تصعيدها، ما قد يخلق فرصة مستقبلية لإعادة تعريف العلاقة السورية- المصرية، لكن ضمن مسار بطيء تحكمه الحسابات الدقيقة أكثر من الإشارات العابرة.
ويرى أن الانتقال من التواصل البروتوكولي إلى مسار سياسي أكثر وضوحًا يتطلب توفر شروط أساسية، بينها إرادة سياسية متبادلة، وتوافق نسبي حول ملفات إقليمية، وبيئة إقليمية ودولية تسمح بهذا التقارب، معتبرًا أن هذه العناصر لم تكتمل بعد بصورة كافية.
أما فيما يتعلق بالسوريين المقيمين في مصر، فأوضح اليمني أن هذا الملف يبقى محكومًا أساسًا باعتبارات داخلية مصرية، مثل الوضع الاقتصادي والسياسات الاجتماعية وأولويات الأمن القومي، ما يعني أن أي تقارب سياسي محتمل قد ينعكس فقط بشكل محدود أو غير مباشر على أوضاعهم، دون أن يؤدي بالضرورة إلى تغييرات جذرية.
خلفية سلبية متبادلةمن جانبه، اعتبر الصحفي والسياسي المصري قطب العربي، أن التواصل الذي جرى بين الرئيس السوري ونظيره المصري يبقى ضمن إطار المصافحة السريعة واللقاء العرَضي غير المرتب مسبقًا.
وقال العربي في حديث إلى عنب بلدي، إن هذا التواصل، رغم محدوديته الزمنية والبروتوكولية، يمكن النظر إليه بوصفه بداية محتملة لكسر الحواجز النفسية والسياسية العميقة بين الجانبين، مشيرًا إلى أن العلاقة بين الطرفين لا تزال محكومة بخلفيات سلبية متبادلة.
وبحسب العربي، يحمل الرئيس السوري نظرة سلبية تجاه السيسي، كما أن الأخير بدوره ينظر بحذر إلى الشرع بسبب خلفيته الجهادية، في ظل مخاوف مصرية متصاعدة من إمكانية تكرار نماذج سياسية مشابهة للتجربة السورية داخل مصر.
أحد أبرز الهواجس التي تحكم المشهد السياسي المصري يتمثل في خشية النظام من إعادة إنتاج نموذج حكم ذي خلفية إسلامية أو جهادية، وهو ما يفسر، وفق رأيه، عدم حماسة السيسي لفتح قنوات مباشرة مع الشرع أو منحه مساحة سياسية قد تُقرأ داخليًا بشكل مقلق.
ورجح العربي أن الشرع أظهر مرونة أكبر في هذه اللحظة، معتبرًا أنه كان الطرف الأكثر مبادرة، بينما بدا السيسي أقل اندفاعًا، حتى وإن كان التواصل في النهاية منسجمًا مع طبيعة المؤتمرات الدولية وما تفرضه من مجاملات دبلوماسية.
ومع ذلك، يرى العربي أن المصافحة العابرة قد تفتح المجال نظريًا أمام خطوات لاحقة، إذا تمكن الطرفان من تجاوز مخاوفهما المتبادلة، معتبرًا أن نجاح أي مسار سياسي بين دمشق والقاهرة سيبقى مرهونًا بقدرة كل طرف على تبديد هواجس الطرف الآخر.
استثمار إقليميفي قراءته للعوامل الإقليمية، أشار العربي إلى أن بعض القوى الإقليمية، مثل الإمارات، قد تسعى إلى استثمار هذا التواصل العابر وتحويله إلى بداية حوار سياسي أوسع، بحكم علاقتها بالطرفين ودورها الإقليمي، إلا أن نجاح مثل هذا المسار ليس مضمونًا ما لم تتوفر تطمينات متبادلة.
وشرح أن السيسي قد يحتاج إلى ضمانات، سواء إماراتية أو أمريكية، تخفف من مخاوفه تجاه الإدارة السورية الجديدة، في حين يحتاج الشرع أيضًا إلى تطمينات بأن القاهرة لا تسعى إلى استهدافه سياسيًا أو تقويض حكومته.
أما فيما يتعلق بملف السوريين المقيمين في مصر، فيعتبر العربي أن هذا الملف يبقى محليًا بالدرجة الأولى، ويرتبط بالوضع الداخلي المصري أكثر من ارتباطه المباشر بالعلاقات الثنائية، موضحًا أن الخطاب القومي المتشدد، إلى جانب الضغوط الاقتصادية، أسهما في تغذية مشاعر سلبية تجاه الأجانب، بمن فيهم السوريون والسودانيون.
ومع ذلك، لا يستبعد العربي أن يؤدي أي تحسن سياسي رسمي بين دمشق والقاهرة إلى تحسين جزئي في طريقة التعامل مع السوريين في مصر، ولو بصورة محدودة، إلى حين حسم الملف الأوسع المرتبط بمستقبل وجودهم أو عودتهم.
وبين رمزية المصافحة وحدود البروتوكول، تبدو العلاقة بين دمشق والقاهرة حتى الآن في مرحلة جس نبض سياسي أكثر منها تحولًا فعليًا، إذ لا يزال الحذر المتبادل والهواجس السياسية يحكمان مسارها.
وبينما قد يشكل التواصل العابر بداية ممكنة لكسر الجمود، فإن انتقاله إلى مسار سياسي أوضح سيبقى مرتبطًا بقدرة الطرفين، إضافة إلى الفاعلين الإقليميين، على تحويل الإشارات الرمزية إلى تفاهمات أكثر عمقًا.
Related
إقرأ المزيد


