العدالة الانتقالية.. هل يفي قانون العقوبات السوري بالغرض؟
عنب بلدي -

عنب بلدي – يزن قر

لا يزال مسار العدالة الانتقالية في سوريا يفتقر إلى إطار قانوني واضح قادر على استيعاب طبيعة الجرائم التي ارتُكبت خلال سنوات الحرب، فعلى الرغم من أن القوانين الجنائية السورية تتيح ملاحقة أفعال مثل القتل والتعذيب، تبدو قاصرة عن التعامل مع جرائم واسعة ومنهجية كجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، تلك التي ارتُكبت في سياق سياسات دولة وليس كأفعال فردية معزولة.

وبذلك، يبرز خطر حصر المحاسبة ضمن ملفات جزئية، تفصل الانتهاكات عن سياقها البنيوي، وتُفرغ العدالة من بُعدها الشامل.

في هذا السياق، يدعو حقوقيون سوريون إلى إنشاء محاكم أو دوائر متخصصة، تستند إلى خبرات قانونية دولية، بما يضمن مقاربة أكثر شمولًا وعدالة، ويحول دون اختزال الانتهاكات في قضايا منفصلة.

غير أن هذا المسار لا يمكن فصله عن تحديات أوسع، تتعلق بالحاجة إلى تحقيق حد أدنى من السلم الأهلي، خشية انزلاق العدالة نحو مسارات انتقامية في مجتمع مثقل بالجراح والانقسامات.

إلى جانب ذلك، يواجه هذا المسار تعقيدات عملية هائلة، في ظل حجم الملفات المفتوحة، من آلاف المفقودين الذين تنتظر عائلاتهم كشف مصيرهم، إلى معتقلين سابقين يسعون للاعتراف والإنصاف، وصولًا إلى المقابر الجماعية التي تتطلب فرقًا جنائية متخصصة، وأرشيفًا مشتتًا من الأدلة والوثائق بين مؤسسات سابقة ومنظمات حقوقية.

ورغم إصدار مرسوم رئاسي في أيار 2025 لتشكيل هيئة للعدالة الانتقالية، تُعنى بكشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، وجبر الضرر، فإن هذه الخطوة لا تزال في طور التأسيس، وسط تحديات لوجستية وزمنية كبيرة.

وبين طموح بناء عدالة شاملة، وواقع قانوني وسياسي معقد، يبقى المسار السوري معلقًا بين بدايات غير مكتملة وأسئلة مفتوحة حول إمكانية تحقيق عدالة حقيقية.

المحاكم الجارية ومسار العدالة

تُطرح المحاكمات الجارية اليوم بوصفها واحدة من المؤشرات العملية الأولى على انتقال ملف الانتهاكات في سوريا من حيّز السجال السياسي إلى مسار قضائي ملموس.

فهي لا تعكس فقط تحركًا باتجاه المساءلة، بل تفتح الباب أمام الضحايا للمشاركة في تحريك الدعاوى، بما يمنح العدالة بعدًا أكثر ارتباطًا بالحقوق الفردية، لا بالاستخدام السياسي للملف.

غير أن هذا التحول، رغم أهميته، لا يكفي بحد ذاته للحكم على جدية المسار، إذ تبقى قيمة هذه المحاكمات مرهونة بمدى التزامها الصارم بأصول المحاكمة العادلة، وبقدرتها على تجاوز القيود القانونية التي قد تحد من فعاليتها، خاصة في التعامل مع انتهاكات واسعة لا يمكن اختزالها ضمن قضايا جنائية تقليدية.

وفي هذا السياق، يرى الخبير في القانون الدولي المعتصم كيلاني، أن هذه المحاكمات ” تمثل بداية جدّية ” لمسار العدالة وليست مجرد إجراء شكلي، لأنها تنقل ملف الانتهاكات من دائرة الاتهام السياسي إلى الإطار القضائي، وتمنح الضحايا دورًا مباشرًا في تحريك الدعوى.

معيار الجدّية لا يتوقف عند انعقاد المحاكم، بل يرتبط أساسًا بمدى الالتزام الصارم بأصول المحاكمات العادلة، من حيث استقلال القضاء وحق الدفاع وعلنية الجلسات وتسبيب الأحكام، وهي ضمانات تعكس المعايير التي كرّستها الأمم المتحدة.

المعتصم كيلاني

خبير في القانون الدولي

وأضاف الكيلاني أن الهدف الجوهري من هذه المحاكمات يجب أن يكون مكافحة الإفلات من العقاب، لا الاكتفاء بإصدار أحكام شكلية.

وهنا تبرز إشكالية قانونية أساسية، إذ إن إجراء المحاكمات ضمن قانون العقوبات السوري، الذي يخضع لقاعدة التقادم في عدد من الجرائم، قد يفتح الباب عمليًا أمام سقوط بعض القضايا بمرور الزمن، وهو ما يتعارض مع طبيعة الانتهاكات الجسيمة التي لا تسقط بالتقادم وفق المعايير الدولية.

وبناء على ذلك، يمكن اعتبار هذه المحاكمات خطوة متقدمة، لكنها تظل محكومة بمدى قدرتها على التطور، فكلما التزمت بالمعايير القانونية، واتسع نطاقها، وتجاوزت القيود التي قد تؤدي إلى التقادم أو الانتقائية، اقتربت من أن تكون مسارًا حقيقيًا للعدالة.

أما إذا بقيت ضمن إطار ضيق لا يعالج جذور الانتهاكات ولا يضمن عدم الإفلات من العقاب، فإنها قد تفقد جزءًا من قيمتها، رغم أهميتها كبداية لا يمكن إنكارها.

وفي مقابل هذا الطرح، يقدم المدير التنفيذي لمنظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، بسام الأحمد، قراءة أكثر تشكيكًا بطبيعة هذه المحاكمات، معتبرًا أنها لا ترقى إلى مستوى مسار حقيقي ومتكامل للعدالة.

وقال الأحمد، في حديث إلى عنب بلدي، إن المجتمع المدني السوري نفسه منقسم حول توصيف هذه الإجراءات، بين من يراها خطوة نحو العدالة، وآخرين يصفونها بـ“العدالة الاستعراضية”.

ويرى الأحمد أن هذه المحاكمات يغلب عليها الطابع الانتقائي والسياسي، نتيجة ما يصفه بـ“خلل بنيوي” بمسار العدالة الانتقالية في سوريا، لا يتجلى فقط في آليات التطبيق، بل أيضًا في الأساس القانوني الذي يقوم عليه.

المرسوم الناظم للعدالة الانتقالية يحمل طابعًا انتقائيًا وتمييزيًا، إذ يمنح ضحايا النظام السوري السابق أولوية، دون الاعتراف بشكل متكافئ بضحايا الأطراف الأخرى، ما ينعكس على شمولية المسار وعدالته.

بسام الأحمد

 المدير التنفيذي لمنظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”

كما انتقد الأحمد بعض المحاكمات الجارية، معتبرًا أن محاكمة عاطف نجيب تمثّل نموذجًا “تمييزيًا” للعدالة، في إشارة إلى محدودية نطاقها وعدم قدرتها على معالجة السياق الأوسع للانتهاكات.

وأضاف أن إطلاق هذا المسار كان يفترض أن يسبقه إصلاح قانوني ومؤسساتي عميق، نظرًا إلى عدم جاهزية المؤسسات القضائية السورية، سواء من حيث البنية التحتية أو الإطار التشريعي، للتعامل مع إرث معقّد يتضمن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

وبذلك، يضع هذا الطرح المحاكمات الجارية أمام تساؤلات جوهرية، لا تتعلق فقط بجدواها، بل بقدرتها على تمثيل عدالة شاملة وغير انتقائية في سياق لا يزال يعاني من اختلالات قانونية وسياسية عميقة.

أبرز الإشكاليات القانونية

لا تتمحور الإشكاليات القانونية المرتبطة بالمحاكمات الجارية حول مبدأ المحاسبة بحد ذاته، بقدر ما تتعلق بالإطار القانوني الذي تُدار ضمنه هذه العملية.

فبين الطموح لتحقيق عدالة شاملة، والوسائل القانونية المتاحة حاليًا، تظهر فجوات قد تؤثر على فعالية هذا المسار ومصداقيته.

وفي هذا السياق، يرى المعتصم كيلاني أن الإشكالية الأولى تكمن في اعتماد قانون العقوبات السوري العادي، رغم أن طبيعة الأفعال المرتكبة قد ترقى إلى جرائم دولية، ما يخلق فجوة بين التوصيف القانوني وحقيقة الانتهاكات.

ويرتبط ذلك أيضًا بمسألة التقادم، إذ تخضع بعض الجرائم الجنائية كالقتل لمهلة تقادم تصل إلى عشر سنوات، بينما تسقط جنح كالتعذيب بعد خمس سنوات، وهو ما يتعارض مع المعايير الدولية التي لا تُسقط الجرائم الجسيمة بمرور الزمن.

أما الإشكالية الثانية، فتتعلق بضمانات المحاكمة العادلة، بما في ذلك استقلال القضاء وحق الدفاع وآليات تنظيم الأدلة وحماية الشهود، وهي عناصر أساسية لضمان نزاهة الإجراءات ومصداقية الأحكام الصادرة عنها.

في حين تتمثل الإشكالية الثالثة في التوازن الدقيق بين سرعة البت في القضايا وتحقيق العدالة، إذ إن التعجّل قد يأتي على حساب حقوق المتهمين والضحايا، بينما قد يؤدي بطء الإجراءات إلى إضعاف ثقة المجتمع بهذا المسار وفقدانه الزخم المطلوب.

وبناء على ذلك، لا تُبطل هذه التحديات مشروعية المحاكمات الجارية، لكنها تضعها أمام اختبار حقيقي يتمثل في قدرتها على التطور والتصويب، بما يضمن انتقالها من مجرد خطوة أولى إلى مسار قانوني متكامل يرقى إلى مستوى العدالة المنشودة.

المحاكمات مقارنة بالمعايير الدولية للعدالة

عند تقييم المحاكمات الجارية في سوريا وفق المعايير الدولية، لا يبدو الحكم عليها مسألة ثنائية بين كونها “عدالة حقيقية” أو “إجراءات شكلية”، بقدر ما يتطلب تفكيكًا للعناصر التي تقوم عليها هذه المحاكمات، ومدى تقاطعها مع المعايير القانونية المعتمدة دوليًا.

وفي هذا السياق، يرى مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، أن المحاكمات تحمل في الوقت نفسه عناصر من كلا الوصفين، ما يجعل تقييمها مرتبطًا بمعايير محددة.

وفي حديث إلى عنب بلدي، أشار عبد الغني إلى إشكالية أساسية تتمثل في غياب إطار قانوني واضح للتعامل مع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، رغم أن الإعلان الدستوري الصادر في آذار 2025 أكد مبدأ استقلال القضاء.

إلا أن هذا الإعلان، بحسب عبد الغني، لم يترافق مع بناء الأطر القانونية والمؤسساتية اللازمة لملاحقة الجرائم الدولية الجسيمة، أو معالجة مسؤولية القيادات، في ظل غياب نصوص صريحة في قانون العقوبات السوري تجرم هذه الأفعال، ما يخلق فجوة بين حجم الجريمة وحجم العقوبة.

وقال إن الفجوة بين ما يجري على أرض الواقع وما تفرضه المعايير الدولية لا تزال واضحة، إذ يتطلب تحقيق عدالة حقيقية بناء منظومة قضائية متكاملة قادرة على التعامل مع هذا النوع من الجرائم، وهي عملية معقدة تحتاج إلى وقت وجهد ودعم دولي.

أما على مستوى المعايير، فلفت عبد الغني إلى ضرورة الالتزام بضمانات المحاكمة العادلة المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا سيما المادة “14” التي تكفل حقوق الدفاع وعلنية الجلسات، إلى جانب مبادئ الأمم المتحدة المتعلقة بحماية الشهود والضحايا، والتي تفرض توفير برامج حماية فعالة قبل بدء الاستجواب.

وبذلك، فإن أي تقييم جدّي لهذه المحاكمات يبقى مرتبطًا بمدى قدرتها على تأمين هذه الضمانات الإجرائية، بما يشمل حق التمثيل القانوني، وحقوق المحاكمة العادلة، كشرط أساسي للارتقاء إلى مستوى العدالة الدولية.

Related



إقرأ المزيد