الركام وضعف الخدمات أبرز عوائق العودة إلى “الحجر الأسود”
عنب بلدي -

القنيطرة – عبد الله الوني

رغم مرور 14 عامًا على بدء رحلة التهجير، لا تزال خولة حودي (أم جبل) تعيش فصول المعاناة ذاتها، إذ تقيم السيدة المهجرة مع 13 أسرة أخرى في مركز إيواء “المدرسة القوسية” بقرية الكوم في ريف القنيطرة، وسط واقع يفرضه الدمار الذي طال ممتلكاتهم في مدينة الحجر الأسود جنوبي العاصمة دمشق، ما جعل حلم العودة عبئًا ثقيلا يفوق قدرتهم المادية.

قالت خولة لعنب بلدي، إن وجودها في مركز الإيواء ليس خيارًا بل هو واقع فرضته “آلة الدمار”، مشيرة إلى أنهم غير قادرين على ترميم منازلهم المدمرة، وأن منطقة الحجر الأسود اليوم تفتقر لأبسط مقومات الحياة والخدمات العامة التي تحتاج إليها العوائل للعودة والاستقرار.

وبعد سنوات طويلة من رحلة التهجير القاسية، لا تزال مدينة الحجر الأسود جنوبي دمشق تشهد فصولًا من المعاناة الإنسانية والاقتصادية التي تحول دون عودة أهلها بشكل كامل.

فبينما تتحدث الروايات الرسمية عن عودة الحياة تدريجيًا، يواجه آلاف المهجرين واقعًا من الدمار وغياب الخدمات، مما يجعل حلم العودة والاستقرار بعيد المنال.

عوائق تزيد المعاناة

تعتبر العوائق المادية هي الأبرز في طريق عودة المهجرين، فإلى جانب التكلفة الباهظة لإصلاح المنازل المدمرة، يبرز التعليم كعائق إضافي يثقل كاهل العائلات.

خولة، التي تعيل عائلة مكونة من ثمانية أفراد، تعتمد على مشروعها الخاص لإنتاج الألبان والأجبان في القنيطرة لتأمين قوت يومهم، ورغم أنها تعتبر نفسها في وضع أفضل مقارنة ببعض الأسر الأخرى في مركز الإيواء، فإن التحديات التعليمية تظل قائمة.

ولا يوجد في الحجر الأسود سوى مدرسة واحدة مؤهلة لتدريس طلاب الحلقتين الأولى والثانية، مما يضطر ابنتها، الطالبة في الثانوية العامة، للبقاء في ريف القنيطرة لمتابعة دراستها.

هذا الواقع التعليمي المتردي يمثل عائقًا أمام العائلات التي تفكر في العودة، خاصة تلك التي لديها أطفال في سن الدراسة.

ياسين علي، أحد المهجرين من الحجر الأسود، يروي لعنب بلدي تفاصيل معاناته التي بدأت في عام 2012، عندما ترك كل شيء خلفه واضطر للنزوح من منزله بسبب قصف النظام السوري السابق وانعدام الأمان.

قال ياسين لعنب بلدي، “مررنا بأيام صعبة جدًا أنا وعائلتي وأولادي، كانت أمي معي كبيرة في السن، لم يكن لنا خيار إلا النجاة من ويل الموت”.

بعد سقوط النظام، عاد ياسين إلى منزله ليجده مدمرًا جراء تعرضه لقصف متكرر بالقذائف والبراميل المتفجرة، إذ لم تسلم الجدران من الأضرار، وتصدع السقف، وتكسرت بعض الأعمدة، ما جعله بحاجة إلى إعادة تأهيل ودعم لإصلاحه.

وأضاف ياسين، “نحن كل يوم نفكر بالعودة، فحياتنا وأماننا هو بيتنا، ولكنه غير صالح للسكن حاليًا”.

وتابع، “أحوالنا المادية لا تساعدنا على إصلاحه، فهو بحاجة لأموال كثيرة وليست متوفرة لدينا، فليس لدينا القدرة على كل تلك التكاليف”.

مدينة “الأشباح” وغياب الخدمات

لا تقتصر العوائق على دمار المنازل، بل تمتد لتشمل غياب البنية التحتية الأساسية والخدمات العامة التي تعتبر شريان الحياة لأي مجتمع.

مختار حي الثورة في الحجر الأسود، “أبو عبد الله ذياب”، وصف الوضع بـ”المأساوي”، مشيرًا إلى أن هناك العديد من المنازل الآيلة للسقوط التي تتطلب تدخلًا من الدفاع المدني السوري لإزالتها.

وأكد ذياب أن المدينة تتحول ليلًا إلى “مسكن للأشباح”، بسبب غياب الإنارة وضعف التيار الكهربائي.

وطالب بضرورة استكمال فتح “شارع 30” كاملًا، وصولًا إلى دوار “البطيخة” في آخر مخيم “اليرموك”، وذلك لضرورة دخول وسائط النقل إلى داخل الحجر الأسود.

كما أكد الغياب التام لشبكة الهاتف الأرضية والجوال، وانعدام الرقابة التموينية على المحال التجارية القليلة الموجودة في المنطقة، ما يزيد من معاناة السكان العائدين.

بدوره، قال مختار حي تشرين، إسماعيل المسعود (أبو النور)، إن معظم الأسر التي عادت إلى منازلها المتهالكة “فقيرة الحال”، وهي بحاجة ماسة لدعم مادي لترميم أو استكمال تجهيز منازلها شبه المدمرة.

وأشار المسعود إلى تواصل المجتمع المحلي مع محافظة ريف دمشق للنهوض بواقع الخدمات وتأمين عودة الأهالي.

تداخل إداري يعوق التعافي

كشف مدير إدارة التجمعات الغربية لمحافظة القنيطرة، محمد الناصر، عن تعقيدات إدارية تسهم في بطء عملية العودة وإعادة الإعمار.

ورغم تبعية الحجر الأسود إداريًا لمحافظة ريف دمشق، فإن محافظة القنيطرة تتدخل كداعم للمنطقة، وذلك لأن 80% من سكانها هم من أبناء محافظة القنيطرة، لأن هذا التداخل الإداري يشكل “عائقًا حقيقيًا” في تقديم الخدمات وتنسيق الجهود.

الناصر أشار في حديث لعنب بلدي، إلى أن المدينة كانت تضم 22 مدرسة تابعة للقنيطرة قبل بدء الثورة، لم يرمم منها سوى مدرسة واحدة فقط، وهي مدرسة “أحمد زعل فاضل” التي تخدم طلاب الحلقتين الأولى والثانية.

من جانبها، تعمل قوات فض الاشتباك (الأندوف) التابعة للأمم المتحدة على تأهيل مدرستين إضافيتين.

أما بالنسبة للخدمات الصحية فيوجد مركزان صحيان فقط، أحدهما يتبع لمحافظة القنيطرة، والآخر لريف دمشق، وهو عدد قليل جدًا مقارنة باحتياجات المدينة.

وبحسب الناصر، فقد عاد إلى الحجر الأسود نحو 6000 عائلة، معظمهم من الطبقة الفقيرة، وهناك تزايد في أعداد العائدين، مما يشير إلى أن الحياة تعود بالتدريج.

وهنالك تعاون في تقديم الخدمات بين بلدية الحجر الأسود التابعة لريف دمشق وإدارة المنطقة الغربية لتجمعات القنيطرة، والعمل جارٍ على إيجاد الحلول لأهم المشكلات الأساسية ومنها النظافة والصرف الصحي.

وأُطلقت قبل شهرين حملة لإزالة الأنقاض من الشوارع، خصصت لها محافظة القنيطرة أربع سيارات “قلاب”، إضافة إلى “تركس” و”بوك” وسيارة صغيرة.

بينما خصصت محافظة ريف دمشق ثلاث سيارات “قلاب” و”تركسين” وبوك”، وامتدت الحملة لثلاثة أسابيع، تمكنت خلالها من فتح الشوارع الرئيسة في حي تشرين وحي الثورة ومنطقة الأعلاف، وفق الناصر.

بطء إزالة الأنقاض والحاجة لإعادة الإعمار

رغم الجهود المبذولة في إزالة الردم، فإن الناصر أكد أن مشكلة الحارات الضيقة وقلة عدد “البوكات” لا تزال تشكل عائقًا كبيرًا، وتحتاج إلى وقت وجهد كبيرين، في حين شارك الدفاع المدني في حملة الترحيل.

وذكر أن سبب عدم رجوع الأهالي بشكل كامل هو “الردميات”، وأن المحافظة تجد صعوبة حاليًا في إزالة الردم كاملًا، خاصة وأن بعض الأبنية آيلة للسقوط، وقد سقط أحدها في أثناء الترحيل دون أن يصاب أحد.

ويفضل الناصر أن تكون هناك إعادة إعمار شاملة، لأن معظم الأبنية متضررة وبحاجة إلى إزالة.

وانتقد الناصر ضعف التنسيق مع محافظة ريف دمشق، معتبرًا أن “التداخل الإداري” يشكل عائقًا حقيقيًا أمام تقديم الخدمات، داعيًا إلى تفاعل أكبر بين المحافظتين للنهوض بواقع المدينة.

وفيما يتعلق بالكهرباء، توجد محولتان فقط، وجرى طلب زيادة عدد المحولات لاستيعاب الأعداد المتزايدة من العائدين، وتم وضع بئر للمياه بالخدمة مع تغذية بالطاقة الشمسية من قبل محافظة ريف دمشق.

أشار الناصر في حديثه إلى وجود مركزي إيواء في القنيطرة، يضمان مهجري الحجر الأسود غير القادرين على العودة أو استئجار منازل بديلة، وهما في “المدرسة القوسية” وبناء اتحاد الفلاحين بمنطقة الكوم.

وتم التواصل مع 24 عائلة من مهجري الشمال لتقديم المساعدة لهم حال رغبتهم بالعودة.

وختم الناصر بأن أن أوضاع الحجر الأسود لا تزال صعبة حاليًا، رغم تحسنها مقارنة بالفترات السابقة، مؤكدًا أنها تحتاج إلى “كثير من الصبر والجهد لتصبح بيئة مناسبة للعيش الكريم”، مؤكدًا الاستمرار في مساعدة الأهالي قدر الإمكان.

Related



إقرأ المزيد