عنب بلدي - 5/3/2026 1:14:08 PM - GMT (+2 )
تشهد محافظة الحسكة حراكًا سياسيًا وقضائيًا مكثفًا في إطار تنفيذ اتفاقية 29 كانون الثاني الموقّعة بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، في وقت لا تزال فيه بعض الملفات العالقة، وعلى رأسها تسلّم القصور العدلية، تشكّل عائقًا أمام استكمال مسار الدمج المؤسسي بين الطرفين.
وفي تصريح خاص لعنب بلدي، أوضح المتحدث باسم الوفد الرئاسي لتطبيق الاتفاق، أحمد الهلالي، أن الأسبوع الماضي شهد سلسلة لقاءات جمعت المبعوث الرئاسي زياد العيش ومحافظ الحسكة نور الدين أحمد مع وزير العدل مظهر الويس، إضافة إلى النائب العام حسان التربة، وذلك بهدف الوصول إلى حلول مناسبة فيما يتعلق باستلام وزارة العدل للقصور العدلية، ودمج القضاة والموظفين التابعين لـ”قسد” ضمن منظومة العدالة الرسمية.
القضاء “مسألة سيادية”الهلالي أشار إلى أن هذه الاجتماعات أكدت بشكل واضح على سيادة الدولة، معتبرًا أن مسألة القضاء تُعد من القضايا السيادية التي لا يمكن التهاون فيها.
كما شدد على أنه جرى التأكيد خلال اللقاءات على ضرورة مراعاة المبادئ القانونية العامة المنصوص عليها في قانون السلطة القضائية في سوريا، وعلى رأسها مبدأ استقلال القضاء، إلى جانب جملة من القضايا التي تحظى باتفاق بين الجانبين.
ورغم هذا التوافق في المبادئ، لا تزال هناك مسائل خلافية تتعلق ببعض الآليات التنفيذية، والأعداد، والتفاصيل التقنية المرتبطة بعملية الدمج، وفق الهلالي، الذي أوضح أن هذه القضايا تُناقش حاليًا في اجتماعات ثانوية تُعقد بشكل متواصل للخوض في التفاصيل الدقيقة.
ملف المحتجزين: من التبادل إلى “الإخلاء”وفيما يتعلق بملف المحتجزين، لفت الهلالي إلى حدوث تحوّل في مقاربة هذا الملف، إذ لم يعد الحديث يدور حول “تبادل” المعتقلين أو الأسرى، بل جرى تجاوز هذه المرحلة، بعد أن تسلّمت الحكومة السورية، عبر إدارة السجون التابعة لوزارة الداخلية، السجون في محافظة الحسكة.
وأوضح أن هناك معتقلين تابعين لـ”قسد” موجودين في السجون السورية، ويجري العمل على إخلاء سبيلهم، إلا أن هذه العملية تواجه تعثرًا، شأنها شأن ملف عودة النازحين، نتيجة التأخير في استلام القصور العدلية، ولا سيما في مدينة القامشلي.
وأشار الهلالي إلى أن بعض الجهات المنتفعة، وفق وصفه، قامت بعرقلة عملية تسلّم القصر العدلي في القامشلي، ما أدى إلى تعطيل مسار الدمج بشكل كامل، وانعكس سلبًا على الملفات المرتبطة به، ومنها الإفراج عن المعتقلين.
ارتباط الملفات ببعضهاوبيّن الهلالي أن مسار الدمج، المنصوص عليه في اتفاقية 29 كانون الثاني، يرتبط بشكل مباشر بعدة ملفات، من بينها ملف المعتقلين، الذي وصفه بأنه “إنساني وغير تفاوضي”، لكنه في الوقت ذاته مرتبط بمسار تنفيذ الاتفاق، وبالتالي يتأثر بأي تعثر في هذا المسار.
وأضاف أن التأخير في استلام القصور العدلية وتعطّل عملية الدمج انعكس سلبًا على هذا الملف، ما أدى إلى تأخر إخلاء سبيل المعتقلين، رغم الجهود المبذولة لمعالجة هذا الجانب.
انفراجة متوقعة خلال أياموفيما يتعلق بالخطوات المقبلة، كشف الهلالي عن وجود لقاءات مرتقبة خلال الأسبوع الحالي، تهدف إلى إيجاد حلول نهائية لمسألة تسلّم وزارة العدل للقصور العدلية، ودمج القضاة التابعين لـ”قسد” ضمن وزارة العدل.
وأوضح أن عملية الدمج ستتم وفق قانون السلطة القضائية، وبعد إجراء مقابلات مع القضاة، ليصار إلى إدماجهم بشكل قانوني ضمن المنظومة القضائية الرسمية، بالتوازي مع تسلّم وزارة العدل للمباني القضائية.
وأعرب الهلالي عن تفاؤله بإمكانية تحقيق انفراجة في هذا الملف خلال الأيام القليلة المقبلة، سواء في نهاية الأسبوع الجاري أو بداية الأسبوع المقبل، في حال نجحت هذه اللقاءات في تذليل العقبات القائمة.
تقدم في الملف العسكريعلى صعيد آخر، أشار الهلالي إلى أن مسار الدمج العسكري يسير بشكل جيد، موضحًا أن أربعة ألوية تابعة لـ”قسد” تسلّمت رواتبها عن شهر نيسان، في خطوة اعتبرها مؤشرًا إيجابيًا على تقدم عملية الدمج ضمن وزارة الدفاع.
وبيّن أن ثلاثة من هذه الألوية تتبع للفرقة 60 في محافظة الحسكة، في حين يتبع اللواء الرابع، وهو لواء عين العرب (كوباني)، للفرقة 72، وقد جرى صرف رواتبهم وفق ميزانية وزارة الدفاع، ما يعكس اندماجهم التدريجي ضمن البنية العسكرية الرسمية.
ترتيبات أمنية لدمج “الأسايش”وفي الجانب الأمني، أوضح الهلالي أن المرحلة المقبلة ستشهد إجراء مقابلات مع عناصر “الأسايش” (الأمن الداخلي التابع لـ”قسد”)، بعد أن رفعت هذه القوات قوائم بأسماء عناصرها إلى قيادة الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية السورية.
وأشار إلى أنه سيتم تشكيل لجان مختصة لإجراء هذه المقابلات في مدينتي الحسكة والقامشلي، تمهيدًا لدمج العناصر المقبولين ضمن قيادة الأمن الداخلي الرسمية، في إطار استكمال توحيد الأجهزة الأمنية.
تباينات في تفسير بنود الاتفاقورغم التقدم في بعض الملفات، أقرّ الهلالي بوجود تباينات في وجهات النظر بين الطرفين بشأن بعض التفاصيل التنفيذية للاتفاق، مشيرًا إلى مثال الخلاف حول آلية تسلّم القصر العدلي في القامشلي.
وأوضح أن الإشكالية تتمثل في اختلاف الترتيب الزمني للخطوات، إذ ترى بعض الجهات أن الدمج يجب أن يسبق عملية الاستلام، في حين تنص اتفاقية 29 كانون الثاني بشكل صريح على أن تقوم الحكومة السورية بتسلّم جميع المباني المدنية التابعة لها، بما في ذلك القصور العدلية، بشكل كامل وفوري، قبل البدء بمسار الدمج.
وأضاف أن التطبيق الصحيح للاتفاق، وفق هذا النص، يقتضي أن تقوم وزارة العدل بتسلّم القصر العدلي أولًا، ثم تبدأ بالنظر في ملفات القضاة والموظفين التابعين لـ”قسد” بهدف دمجهم ضمن الوزارة، وهو ما يشكّل أحد أبرز نقاط الخلاف الحالية.
سياق ميداني وسياسي معقّديأتي هذا الحراك في سياق تطورات ميدانية شهدتها مناطق سيطرة “قسد” في منتصف كانون الثاني الماضي، بعد سيطرة الجيش السوري على محافظة الرقة وأجزاء من ريفي دير الزور والحسكة، ما دفع “قسد” إلى الانكفاء نحو المدن الرئيسية في محافظة الحسكة، ولا سيما الحسكة والقامشلي، إضافة إلى عين العرب (كوباني) في ريف حلب الشرقي.
وأعقب هذه التحولات توقيع اتفاق بين الطرفين في نهاية كانون الثاني، نصّ على دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمية التابعة لـ”قسد” ضمن هياكل الوزارات الحكومية، وهو المسار الذي بدأ تنفيذه بالفعل مطلع شباط الماضي.
إلا أن هذا المسار واجه عقبات، كان أبرزها الخلاف الذي ظهر في 19 نيسان الماضي حول تسلّم وزارة العدل للملف القضائي في محافظة الحسكة، بالتزامن مع وصول وفد حكومي إلى مدينة القامشلي، بعد زيارة سابقة للقصر العدلي في الحسكة، ضمن جهود إعادة تنظيم العمل القضائي.
وجاء ذلك عقب زيارة رسمية أجراها وفد من وزارة العدل إلى الحسكة برئاسة النائب العام القاضي حسان التربة، حيث التقى محافظ الحسكة نور الدين أحمد، وأجرى جولة في القصر العدلي الذي أُعلن عن استلامه تمهيدًا لإعادة تفعيله.
تصعيد أمني يواكب التعثرولم تخلُ التطورات من توتر أمني، إذ شهدت مدن وبلدات شمال شرقي سوريا، بعد أيام من تلك الزيارة، تصعيدًا تمثل في عودة المظاهر العسكرية إلى الشوارع، وانتشار حواجز مؤقتة، وتشديد إجراءات التفتيش.
وترافقت هذه الإجراءات مع تحركات ميدانية وتنظيم فعاليات ذات طابع سياسي، في ظل غياب توضيحات رسمية من “قسد” بشأن أسباب هذا التصعيد، ما أضفى مزيدًا من التعقيد على المشهد العام، وألقى بظلاله على مسار تنفيذ الاتفاق.
Related
إقرأ المزيد


