ماذا يعني تصنيف “مراسلون بلا حدود”.. ومن يحق له الاحتفال في سوريا؟
عنب بلدي -

علي عيد

حققت سوريا قفزة “تاريخية” بـ31 درجة على التصنيف العالمي لحرية الصحافة، من الترتيب 177 إلى الترتيب 141، ما أثار أسئلة حول ما إذا كان الأمر مجرد إعادة ترتيب على المؤشر، أو دليلًا على تقدم في حرية الصحافة؟ ومن يحق له الاحتفال، وما المطلوب غدًا؟

بحسب المنظمة، فإن هذه هي المرة الأولى التي تسجل فيها دولة هذا المستوى من التقدم في تاريخ تصنيف “مراسلون بلا حدود” خلال ربع قرن. وبذلك تخرج سوريا من “النطاق الأسود” (شديد الخطورة) كأخطر بيئات العمل الصحفي في العالم، إلى “النطاق الأحمر” وهو ليس المنطقة الجيدة بطبيعة الحال.

التصنيف هدفه المقارنة بين درجة الحرية التي يتمتع بها الصحفيون ووسائل الإعلام في 180 دولة يشملها التحليل، أما “حرية الصحافة” في تعريف المنظمة وفريق الخبراء التابع لها فهي: “الإمكانية الفعلية للصحفيين، بشكل فردي وجماعي، لاختيار وإنتاج ونشر المعلومات التي تصب في المصلحة العامة، وذلك في استقلال عن التدخل السياسي والاقتصادي والقانوني والاجتماعي، ودون أي تهديدات ضد سلامتهم الجسدية والعقلية”.

التعريف السابق يأخذنا إلى تحليل أسباب هذه القفزة في سوريا ومعاييرها، وكذلك من يحق له الاحتفاء بهذا الحدث، والمسؤوليات المترتبة عليه.

تتمحور استبانة وخريطة حرية الصحافة حول خمسة مؤشرات (السياق السياسي والإطار القانوني والسياق الاقتصادي والسياق الاجتماعي والثقافي والسياق الأمني).

ويخص التصنيف الواقع الذي تشهده البلدان خلال السنة التقويمية السابقة لنشره من قبل المنظمة.

أولًا، السياق السياسي:

يتطرق هذا السياق إلى أسئلة مركبة، أهمها:

  • هل يتصرف المسؤولون الحكوميون والسياسيون بما يضمن حرية الصحافة؟
  • هل تغطي وسائل الإعلام العامة أو الحكومية جميع الآراء السياسية؟
  • هل تتجاهل وسائل الإعلام الرسمية معلومات حساسة عن الحكومة تنشرها وسائل الإعلام الخاصة؟
  • التغطيات العادلة خلال الانتخابات.
  • تأثير الحكومة على الخط التحريري للصحافة.
  • مدى استقلالية الصحافة.
  • هل عملية منح التراخيص الإعلامية شفافة؟
  • هل قامت السلطات بتقييد الوصول لمناطق معينة/ الإنترنت أو وسائل التواصل.
  • هل توجد حملات تضليل أو دعاية واسعة؟
  • مستوى الرقابة على المحتوى الصحفي على الإنترنت؟
  • ملاحقة الجناة المسؤولين عن قتل صحفيين.
  • هل تُطبق سيادة القانون بما يحمي حرية الصحافة في كل المناطق؟
ثانيًا، السياق القانوني:

يتطرق هذا السياق إلى مدى التصديق على العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وضمان حرية التعبير والصحافة في الدستور والقانون، ومدى فرض القوانين قيودًا مخالفة للمعايير الدولية.

ويطرح أسئلة حول ما إذا كان القانون يجرّم الآراء (تجديف، إهانة السلطة)، ويفرض عقوبات سجن على التشهير، ويضمن سرية المصادر، والوصول إلى المعلومات، وحق التنظيم النقابي، والتعددية والاستقلال، إضافة إلى أسئلة أخرى حول آليات لحماية الصحفيين من الدعاوى التعسفية، واستخدام قيود (الأمن، النظام العام…) وقوانين الإرهاب لقمع الصحافة والصحفيين، وفرض قيود على إنشاء وسائل إعلام، وممارسة الصحافة، وفرض عقوبات تعسفية (غرامات، سحب تراخيص…)، وكذلك الرقابة دون قضاء وحجب المنصات الرقمية للمحتوى بأوامر تخالف المعايير الدولية، وأسئلة أخرى حول محاكمة الصحفيين ووجود برامج لحمايتهم.

ثالثًا، السياق الاقتصادي:

يتعرض هذا الجانب لخدمات الإنترنت وجودتها وأسعارها، والصعوبات المالية التي تتسبب بوقف وسائل إعلام، وتركّز الملكية، والشفافية في هوية مالكيها، وتضارب المصالح وتأثير الدعم الحكومي على المحتوى، ومدى وجود وسائل إعلام مستقلة.

كما يتطرق لآثار المنافسة، وتوزيع الدولة للإعلانات بشكل عادل، وتأثير المعلنين على التحرير.

كما يتطرق إلى النزاهة، وقبول الصحفيين أموالًا مقابل التأثير، ووجود فساد في الإعلام، والفصل بين المحتوى الصحفي والإعلان، ووجود مواثيق لاستخدام الذكاء الاصطناعي، ومدى أدواته في الإعلام.

رابعًا، السياق الاجتماعي والثقافي:

يرتبط هذا السياق بعدد من الجوانب الجوهرية، منها ثقة الجمهور بالإعلام ومدى تعددية الآراء، وتعرض الصحفيين لحملات كراهية، ومنع ممارسة المهنة بسبب الجنسية، الدين، الجنس، أو الخلفية الاجتماعية.

كما يعالج احتمال وجود دعوات للرقابة على الصحافة من قبل جهات سياسية أو دينية أو عسكرية أو عصابات الجريمة المنظمة.

وكذلك ممارسة الصحفيين للرقابة الذاتية خوفًا من السجن أو الاعتداء أو الضرر المهني.

خامسًا، السلامة:

يعالج هذا السياق ما إذا كان الصحفيون تعرضوا خلال السنة السابقة لإصدار التصنيف للقتل، الاعتقال أو الاعتقال التعسفي، الاختطاف، الاختفاء، الاعتداء الجنسي، التعذيب، والمراقبة.
أو إذا ما أجبروا على المنفى، وصودرت معداتهم، أو جرى اختراق حساباتهم، وتعرضوا لضغوط نفسية وخسائر مهنية، أو تهديد مصادرهم، وممارسة قمع عابر للحدود ضدهم.
في تقييم التقدم ضمن السياقات الخمسة، سجل السياق السياسي تقدمًا بـ67 درجة، والاقتصادي 72 درجة، والاجتماعي 39 درجة، والقانوني 38 درجة، والأمني 24 درجة، ما يعني أن أفضل المؤشرات تأتي في السياقين الاقتصادي والسياسي، وأقلها في السياق الأمني.

بعد استعراض السياقات الخمسة، نطرح السؤال التالي، هل يحق للحكومة السورية الاحتفاء بهذا التقرير؟ أم أنه حق للصحفيين فقط؟

لكي تكون الإجابة عادلة، ينبغي الاعتراف بمسؤولية أي حكومة في أي دولة عن معظم الجوانب التي يعالجها التصنيف، بدءًا من التشريعات والقوانين والملاحقة والحماية والترخيص. ولو تأخرت سوريا في التصنيف لجرى تحميل الحكومة مسؤولية ذلك.

ويلعب القطاع نفسه دورًا مهمًا في قضايا النزاهة، والالتزام الأخلاقي بالمعايير، كما يلعب دورًا أساسيًا في المناصرة والضغط من أجل ضمان حرية الصحافة واستقلالها.

ما سبق يعني أن لأي جهة لعبت دورًا في القفزة التي حققتها البلاد في التصنيف العالمي لحرية الصحافة الاحتفال، لكن دون مبالغة، لأن سوريا ما زالت في “النطاق الأحمر”، وهو ما يرتب مسؤولية على من يرى أنه أحق بالاحتفال للذهاب نحو “النطاق البرتقالي” أو “الأصفر”، على أقل تقدير، أما “النطاق الأخضر” فذاك طموح كبير.. وللحديث بقية.

Related

اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا

إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى



إقرأ المزيد