“الكرافة”.. مفهوم مختلف للتآخي في الجزيرة السورية
عنب بلدي -

عنب بلدي – خاص

تعد “الكرافة” أو “الكريفاتي” من أبرز الظواهر الاجتماعية المتجذّرة في منطقة الجزيرة السورية، إذ تحولت عبر عقود طويلة من مجرد طقس مرافق لختان الذكور إلى منظومة علاقات اجتماعية متكاملة، تضاهي في قوتها روابط النسب، بل تتفوق عليها في بعض الأحيان من حيث الالتزام الأخلاقي والواجبات المتبادلة.

وتجسد هذه العادة نموذجًا فريدًا للتعايش بين مكونات المنطقة، من عرب وكرد وسريان وإيزيديين، في بيئة عُرفت تاريخيًا بتنوعها الديني والقومي.

من طقس ديني إلى رابطة اجتماعية

تنشأ علاقة “الكرافة” مع اختيار عائلة لطفلها “كريفًا”، وهو شخص ينتقى بعناية، وغالبًا ما يكون من خارج العائلة أو حتى من مكوّن مختلف، بهدف توسيع دائرة العلاقات الاجتماعية وتعزيز الروابط بين المجتمعات المحلية.

وخلال طقس الختان، يوضع الطفل في حضن “الكريف”، بينما تسقط قطرات من دم الطفل على منديل أبيض يحضره الأخير، في دلالة رمزية على نشوء “أخوة دم” بين الطرفين.

ولا تقف هذه العلاقة عند حدود الطقس، بل تمتد لتشمل التزامات طويلة الأمد، حيث تُعامل عائلة “الكريف” كجزء من العائلة، وتُفرض على الطرفين واجبات اجتماعية متبادلة، تشمل المشاركة في الأفراح والأتراح، وتقديم الدعم في مختلف الظروف.

جذور تاريخية متعددة

قال الباحث الاجتماعي أحمد السالم، إن “الكرافة” تعد من العادات ذات الجذور العميقة في المجتمع الإيزيدي، حيث كانت تُستخدم كوسيلة لخلق روابط مع المجتمعات الأخرى، خاصة في البيئات التي تشهد تنوعًا دينيًا وقوميًا.

وأضاف أن الروايات الشفوية تشير إلى أن هذه العادة انتقلت تدريجيًا إلى المجتمعات العربية والكردية والسريانية في الجزيرة السورية، لتصبح جزءًا من الثقافة المحلية، مع احتفاظها ببعض الرموز والطقوس الخاصة بكل مكوّن.

وكانت “الكرافة” تؤدي دورًا مهمًا في تخفيف حدة النزاعات، بحسب الباحث الاجتماعي، إذ تُنشئ نوعًا من التحالف الاجتماعي غير الرسمي، يُلزم الأطراف بالدفاع عن بعضهم، ويعزز من الاستقرار المجتمعي.

طقوس احتفالية تتغير مع الزمن

في الماضي، كانت مراسم “الكرافة” تترافق مع احتفالات واسعة، تستمر لعدة أيام، وتقام فيها الدبكات الشعبية على أنغام “الزرناية” و”الطبلة”، إضافة إلى تقديم الولائم والهدايا. وكان “الكريف” يحضر برفقة عائلته، حاملًا الهدايا واللباس للطفل، ويتكفل بمصاريف الختان.

ومع مرور الوقت، شهدت هذه الطقوس تراجعًا ملحوظًا، خاصة مع انتشار الختان في العيادات الطبية، وتغير أنماط الحياة، إلا أن العلاقة نفسها لم تختفِ، بل استمرت بأشكال أكثر بساطة، تُحافظ على جوهرها دون التمسك بكل تفاصيلها التقليدية.

“الكرافة” في الوعي المجتمعي

قال محمد العلي، وهو رجل مسلم من ريف الحسكة، إن “الكرافة” ليست مجرد عادة قديمة، “بل هي جزء من هويتنا الاجتماعية”، مضيفًا، “عندما أكون كريفًا لطفل، فهذا يعني أنني أصبحت مسؤولًا عن هذه العائلة، وأشاركها كل تفاصيل حياتها”.

وتابع، “هذه العلاقة تُبنى على الثقة والاحترام، وهي أقوى من كثير من العلاقات الأخرى، لأنها تقوم على التزام حقيقي بين الطرفين”.

من جهته، يرى جبرائيل حنا، وهو رجل سرياني من مدينة الحسكة، أن “الكرافة” تمثل أحد أهم مظاهر التعايش في الجزيرة، قائلًا، “نحن نعيش في مجتمع متنوع، وهذه العادة ساعدت على بناء جسور بين الناس، وجعلتهم يشعرون أنهم عائلة واحدة”.

وأضاف، “الكريف بالنسبة لي ليس مجرد صديق، بل هو أخ، نعيش معًا كل المناسبات، ونتقاسم الأفراح والأحزان”.

“الكرافة” بين الإيزيديين والمسلمين

في ريف الحسكة الشمالي، يروي خضر خليل، وهو رجل إيزيدي، تجربته مع “الكرافة” قائلًا، “عندما قررنا ختان أبنائنا، اخترنا كرفاء من جيراننا المسلمين، لأننا نثق بهم ونعتبرهم جزءًا من حياتنا”.

وقال، “الكرافة بالنسبة لنا ليست مجرد طقس، بل رسالة تؤكد أننا قادرون على العيش معًا رغم اختلافاتنا”.

كما قال أحمد المحمد، وهو رجل مسلم من المنطقة نفسها، إن “دور الكريف يعد شرفًا كبيرًا”، مضيفًا، “عندما طُلب مني أن أكون كريفًا، شعرت بمسؤولية كبيرة، لأن هذه العلاقة تعني أنني أصبحت جزءًا من العائلة”.

وتابع، “ورثت هذا التقليد عن والدي، وسأحرص على نقله إلى أبنائي، لأنه يعكس القيم التي نؤمن بها”.

النساء.. حارسات العادة

تلعب النساء دورًا محوريًا في استمرارية “الكرافة”، وهو ما أكدته ميديا علي، وهي امرأة كردية من ريف عامودا، بقولها، “النساء هنّ من يُحافظن على هذه العلاقة من خلال التواصل المستمر بين العائلتين”.

وأضافت، “نحن نتبادل الزيارات والهدايا، ونشارك في المناسبات، ونحرص على تعليم أطفالنا أهمية هذه العلاقة، لأنها جزء من ثقافتنا”.

أبعاد دينية واجتماعية

الباحث أحمد السالم، أشار إلى أن “الكرافة تحمل أبعادًا دينية واجتماعية في آن واحد”، موضحًا أن “في بعض المعتقدات الإيزيدية، تعد هذه العلاقة سببًا في تحريم الزواج بين العائلتين لعدة أجيال، لأنها تُنشئ نوعًا من القرابة الرمزية”.

وأضاف أن هذا البعد يعطي “الكرافة” قوة إضافية، لأنها لا تقتصر على الجانب الاجتماعي، بل تمتد إلى القيم الدينية والأخلاقية.

ويرى السالم أن “الكرافة” أسهمت بشكل كبير في تعزيز التماسك الاجتماعي في الجزيرة السورية، مشيرًا إلى أنها خلقت شبكة من العلاقات المتداخلة بين العائلات، ما ساعد على تقليل النزاعات وتعزيز روح التعاون.

وتابع أنه في المجتمعات التقليدية، تعد مثل هذه العادات أدوات فعالة لتنظيم العلاقات الاجتماعية، خاصة في ظل غياب مؤسسات رسمية قوية.

إرث يعكس روح الجزيرة

رغم تراجع بعض مظاهر “الكرافة”، فإن الباحث أحمد السالم أكد أنها لم تختفِ، بل أعادت تشكيل نفسها بما يتناسب مع الظروف الحالية، مضيفًا، “اليوم، قد لا نرى الاحتفالات الكبيرة كما في السابق، لكن العلاقة بين العائلات ما زالت قائمة”.

يرى السالم أن هذا يدل على أن “الكرافة” ليست مجرد طقس، بل قيمة اجتماعية يمكن أن تتكيف مع الزمن.

تعكس “الكرافة” روح الجزيرة السورية القائمة على التعدد والتعايش، وتُظهر كيف يمكن لعادات محلية أن تُسهم في بناء مجتمع متماسك، فهي ليست مجرد تقليد موروث، بل منظومة قيم تُجسد الاحترام والتضامن والتكافل.

وختم الباحث أحمد السالم بالقول، “الكرافة تُثبت أن المجتمعات قادرة على ابتكار حلولها الخاصة لتعزيز التعايش، وهي تجربة تستحق الدراسة، لأنها تقدم نموذجًا عمليًا لما يمكن أن يكون عليه التعايش الحقيقي.

بين الماضي والحاضر، تبقى “الكرافة” شاهدًا حيًا على قدرة أبناء الجزيرة السورية على الحفاظ على روابطهم الإنسانية، رغم كل التحديات، وتؤكد أن “أخوة الدم” ليست مجرد تعبير رمزي، بل واقع اجتماعي عاشته الأجيال، وما زالت تحافظ عليه حتى اليوم.

Related



إقرأ المزيد