عنب بلدي - 5/3/2026 3:07:12 PM - GMT (+2 )
بعد أكثر من عقد على الحرب والأزمات الاقتصادية المتلاحقة، بات الفقر في سوريا من أبرز التحديات التي تواجه السوريين بحياتهم اليومية، في ظل تراجع القدرة الشرائية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتآكل فرص الاستقرار والعمل.
ومع اتساع رقعة الفقر لتشمل أغلبية السكان، لم تعد تداعياته تقتصر على الجانب المعيشي فقط، بل امتدت إلى البنية الاجتماعية وأنماط الحياة، من تغير أولويات الأسر، وتراجع الطبقة الوسطى، إلى اعتماد كثير من السوريين على استراتيجيات تكيف فرضها الواقع الاقتصادي الجديد.
في هذا الملف، تناقش عنب بلدي واقع الفقر في سوريا من زواياه الاقتصادية والاجتماعية، عبر شهادات لسوريين، إلى جانب آراء خبراء اقتصاديين وأكاديميين ومختصين، في محاولة لفهم كيف أعاد هذا الواقع تشكيل حياة السوريين، وما أبرز التحديات والحلول الممكنة في مواجهة أزمة تتجاوز آثارها حدود الدخل إلى بنية المجتمع نفسه.
لم يعد الفقر في سوريا مجرد أزمة اقتصادية مؤقتة، أو حالة مرتبطة بتراجع الدخل وارتفاع الأسعار، إذ بات بنية متكاملة تعيد تشكيل حياة الأفراد وخياراتهم اليومية، وتمتد آثارها إلى أنماط التفكير والسلوك، وحتى إلى مفاهيم أعمق تتعلق بالانتماء والمواطنة والعلاقة مع الدولة والمجتمع.
في هذا السياق، تحوّل السؤال الأساسي لدى كثير من السوريين من كيفية تحسين مستوى المعيشة، إلى كيفية الاستمرار، في ظل واقع تنقص فيه الخيارات، وتتآكل فيه القدرة على التخطيط للمستقبل.
وتشير تقارير أممية إلى أن حوالي 90% من السوريين باتوا اليوم تحت خط الفقر.
وبحسب تقرير لبرنامج الأمم المتحدة لعام 2025، فإن تسعة من كل عشرة أشخاص في سوريا يعيشون في فقر، وواحدًا من كل أربعة عاطل عن العمل.
في مدينة حلب، يختصر عبد الله حمو هذه التحولات بقوله، إن راتبه لم يعد مصدر عيش، وإنما مجرد رقم أشبه ما يكون بالرمزي، إذ يعمل صباحًا في وظيفته الرسمية، ويقضي ساعات المساء في توصيل الطلبات لتأمين دخل إضافي، لكنه يؤكد أن ما يجنيه يغطي فقط أدنى الاحتياجات الأساسية.
هذه الحالة لا تعكس فقط تراجع القدرة الشرائية، بل تشير إلى تحول العمل من وسيلة لتحقيق الاستقرار إلى أداة للبقاء اليومي، دون أي أفق للادخار أو تحسين الوضع.
في دمشق، يواجه أحمد عزو، خريج جامعي، واقعًا مختلفًا في الشكل، لكنه متشابه في المضمون، فبعد سنوات من الدراسة في كلية الآداب، لم يتمكن من الحصول على وظيفة مستقرة، ما دفعه إلى العمل الحر عبر الإنترنت، إلى جانب بيع منتجات منزلية.
“الشهادة صارت بلا قيمة في سوق العمل الحالي”، وفق أحمد، مشيرًا إلى أن أغلب من يعرفهم من خريجي جيله يعيشون حالة انتظار مفتوحة، بين فرص مؤقتة وغير مستقرة.
هذا التحول يعكس خللًا بنيويًا في سوق العمل، حيث لم تعد المؤهلات العلمية كافية لضمان الاستقرار المهني، بحسب أحمد.
أما في ريف حلب الجنوبي، فيروي المزارع محمود سرحان، كيف تراجعت جدوى الزراعة كمصدر دخل، إذ إن ارتفاع تكاليف الإنتاج، من بذار وأسمدة ومحروقات، مقابل تقلب الأسعار وضعف القدرة الشرائية، دفعه إلى تقليص مساحة الأرض المزروعة.
“نزرع لنعيش، وليس لنربح”، قال سرحان، مشيرًا إلى اعتماده الجزئي على تحويلات من أحد أبنائه في الخارج، وهذه الحالة تعكس هشاشة القطاع الزراعي، الذي كان يفترض أن يشكل أحد أعمدة الاستقرار الاقتصادي.
“اقتصاد الظل”أمام هذا الواقع، يتجه كثير من السوريين إلى ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد الظل”، كخيار شبه إجباري، من العمل بوظيفتين، إلى الانخراط في أعمال غير منظمة، وباتت هذه الأنماط جزءًا من الحياة اليومية.
لكن هذه “الحيل” تبقى، بحسب مختصين، حلولًا فردية مؤقتة، لا تعالج جذور المشكلة، بل تعكس انتقال المجتمع إلى مرحلة “إدارة الفقر”، بدل السعي لتجاوزه.
لا يقتصر أثر الفقر على الجانب المادي، بل يمتد ليشمل البنية الاجتماعية، فمع تراجع القدرة الشرائية وتآكل الطبقة الوسطى، تتسع الفجوة بين الفئات، ويزداد الشعور بعدم العدالة.
الخبير الاقتصادي عباس علي، يرى في حديث إلى عنب بلدي، أن الفقر في سوريا لم يعد مجرد نقص في الدخل، بل أصبح حالة متعددة الأبعاد، تشمل التعليم والصحة والفرص، وتؤثر بشكل مباشر على الحراك الاجتماعي.
عدم الاستقرار الاقتصادي يدفع الأفراد إلى اتخاذ قرارات قصيرة الأمد، تركز على البقاء، بدل الاستثمار في التعليم أو تطوير المهارات، ما يكرّس دورة الفقر على المدى الطويل.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن تراجع دور الدولة في تقديم الخدمات الأساسية، أو عدم كفايتها، يضع عبئًا إضافيًا على الأفراد، ويعزز من اعتمادهم على حلول فردية أو شبكات دعم غير رسمية.
في ظل هذا الواقع، تتأثر مفاهيم مثل الانتماء والمواطنة، إذ يشعر كثير من الأفراد بأنهم خارج معادلة التأثير، وأن علاقتهم بالدولة باتت محصورة بالحصول على الحد الأدنى من الخدمات.
في مقاربة الحلول، أكد الخبير علي أن معالجة الفقر تتطلب سياسات شاملة، لا تقتصر على الدعم النقدي أو الإغاثي، بل تشمل تحفيز الإنتاج وخلق فرص عمل مستدامة.
دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، بحسب علي، يمكن أن يشكل مدخلًا مهمًا، لكن بشرط توفير بيئة مناسبة، تتضمن:
- تسهيلات تمويلية حقيقية.
- تبسيط الإجراءات الإدارية.
- توفير بنى تحتية داعمة.
- فتح قنوات تسويق محلية وخارجية.
كما شدد على ضرورة إعادة توجيه الدعم نحو القطاعات الإنتاجية، مثل الزراعة والصناعة، بدل الاقتصار على الدعم الاستهلاكي، الذي لا يحقق أثرًا طويل الأمد.
ظاهرة بنيوية متعددة الأبعادفي قراءة تحليلية لواقع الفقر في سوريا، يرى أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة “حماة” الدكتور عبد الرحمن محمد، في حديث إلى عنب بلدي، أن الفقر لم يعد مجرد مسألة مرتبطة بانخفاض الدخل أو تراجع الاستهلاك، بل تحوّل إلى ظاهرة بنيوية متعددة الأبعاد، تمس الاقتصاد والمجتمع والثقافة في آن واحد.
وقال محمد، إن فهم الفقر في سوريا اليوم لا يمكن أن يتم بمعزل عن سياقه التاريخي والهيكلي، إذ تتداخل فيه عوامل داخلية، مثل تآكل القطاع الإنتاجي واختلال سياسات إعادة الإعمار، مع عوامل خارجية، كالعقوبات الاقتصادية وتراجع التدفقات المالية، ما أدى إلى ترسيخ أنماط جديدة من التهميش وإعادة إنتاج الفقر عبر الأجيال.
وبحسب محمد، فإن الفقر في سوريا هو نتاج تحولات عميقة في بنية الاقتصاد السياسي، إذ أدت سنوات الحرب إلى تدمير جزء كبير من رأس المال المادي والبشري، وانهيار شبكات الأمان الاجتماعي، مقابل صعود اقتصاد غير رسمي يعتمد على التحويلات المالية والتجارة الوسيطة.
النزوح الداخلي وتغير أنماط السكن، سواء باتجاه الأرياف أو الأحياء العشوائية، أسهما في تكريس ما يمكن تسميته بـ“الفقر المكاني”، حيث تترافق محدودية الدخل مع ضعف الوصول إلى الخدمات الأساسية والتعليم، ما يعزز انتقال الفقر بين الأجيال.
الدكتور عبد الرحمن محمد
أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة “حماة”
فقر متراكم لا ظرفيالفقر الحالي ليس نتيجة أزمة طارئة، بل هو حصيلة تراكمية لسياسات اقتصادية سابقة على عام 2011، تفاقمت مع الحرب وما تبعها من تحولات نقدية ومالية، بحسب ما قاله الدكتور عبد الرحمن محمد.
وأشار إلى أن الاقتصاد السوري كان يعاني أصلًا من اختلالات هيكلية، مثل ضعف الاستثمار في القطاعات الإنتاجية وارتفاع معدلات البطالة المقنّعة، قبل أن تؤدي الحرب إلى تعميق هذه الأزمات، عبر تدمير البنية التحتية وانكماش الناتج المحلي ورفع الدعم بشكل تدريجي دون وجود بدائل فعالة.
وبيّن أن هذا التراكم يظهر في تفاصيل الحياة اليومية، من خلال تراجع استهلاك السلع الأساسية، وارتفاع مستويات الدَّين الأسري، وانتشار ظواهر مثل عمل الأطفال والزواج المبكر، إلى جانب انخفاض معدلات الالتحاق بالتعليم، وتدهور القدرة الشرائية.
تدهور قطاعات حيوية، مثل الطاقة والنقل، أسهم في رفع تكاليف المعيشة والإنتاج، ما أدى إلى اتساع الفقر حتى في المناطق التي تعد أكثر استقرارًا نسبيًا.
مشروع شامل لا حل مؤقتالفقر في سوريا لم يعد حالة مؤقتة، بل نظام حياة قائم على الهشاشة، وفق محمد، مشيرًا إلى أن أي حديث عن معالجته دون إصلاحات هيكلية عميقة في الاقتصاد ومؤسسات الدولة سيبقى محدود الأثر.
يرى الدكتور عبد الرحمن محمد، أن التحدي لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل هو سياسي واجتماعي أيضًا، ويتعلق بمدى القدرة على الانتقال من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد منتج، واستعادة الثقة بين الدولة والمجتمع.
واعتبر أن التعامل مع الفقر يجب أن ينطلق من اعتباره قضية مرتبطة بتوزيع الموارد والسلطة والفرص، وليس مجرد فجوة في الاستهلاك يمكن سدّها عبر المساعدات.
فجوة التوقعات والواقعفي قراءة اقتصادية للواقع المعيشي في سوريا، اعتبر الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة “دمشق” والخبير الاقتصادي الدكتور مجدي الجاموس، في حديث إلى عنب بلدي، أن تجاوز نسبة السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر حاجز 89%، وفق أحدث التقارير الأممية، يعكس أن الفقر لم يعد مجرد أزمة دخل أو تراجع في القدرة الشرائية، بل بات ظاهرة أعمق ترتبط ببنية الواقع الاقتصادي والاجتماعي العام.
وأوضح الخبير الجاموس أن اتساع الفقر بهذا الشكل يرتبط بعدة مستويات متداخلة، أولها ما وصفه بـ”الفجوة بين التوقعات والواقع” بعد مرحلة التحرير، إذ علّق كثير من السوريين آمالًا على تحسّن اقتصادي سريع، يشمل مكافحة الفساد وتحسين دخل الفرد وارتفاع مستوى المعيشة، إلا أن عدم تحقق هذه التوقعات، أسهم في خلق حالة من خيبة الأمل والإحباط.
الفئوية الاقتصاديةالعامل الثاني يتعلق بطبيعة السياسات الاقتصادية والبنيوية الحالية، بحسب الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة “دمشق” والخبير الاقتصادي مجدي الجاموس، معتبرًا أن جزءًا من الأزمة يرتبط بما وصفه بـ“الفئوية الاقتصادية”، إذ باتت مظاهر الرفاه محصورة بفئات محددة، في مقابل اتساع شريحة الفئات الأكثر هشاشة.
أما العامل الثالث، فيرتبط برفع الدعم عن شرائح واسعة من السكان، وهو ما انعكس مباشرة على مستوى المعيشة، إذ أصبحت تكاليف الحياة أكثر صعوبة، في وقت لم تعد فيه مستويات الدخل قادرة على تغطية الحاجات الأساسية.
وأضاف أن هذا الواقع لا يقتصر على أثره الاقتصادي المباشر، بل يمتد إلى الجانب الاجتماعي، حيث باتت كثير من الأسر غير قادرة على الوفاء بالحد الأدنى من التزاماتها اليومية، وسط تراجع الأمل بإمكانية تحسن الوضع الاقتصادي على المدى القريب، ما يعزز مشاعر اليأس وعدم الاستقرار.
ولفت الجاموس إلى أن هذه العوامل تتقاطع مع مشكلات أوسع تتعلق بغياب بيئة اقتصادية مستقرة وجاذبة، مشيرًا إلى أن سوريا انتقلت، في نظر كثيرين، من إمكانية أن تكون بيئة استثمارية واعدة إلى واقع يتسم بعدم الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي.
تقلبات سعر الصرف، وغياب هوية اقتصادية واضحة، وعدم وجود خطة استراتيجية شاملة لمختلف القطاعات، إلى جانب ضعف البيئة التشريعية والقانونية، كلها عوامل أسهمت في تقويض ثقة المواطنين والمستثمرين على حد سواء.
الدكتور مجدي الجاموس
أستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة “دمشق”
وبحسب الجاموس، فإن غياب عنوان اقتصادي واضح للمرحلة الحالية، سواء على مستوى السياسات أو الأولويات، جعل شريحة واسعة من السوريين تشعر بأن تحسن المستوى المعيشي ليس قريبًا.
في المحصلة، يبدو أن السوريين اليوم يعيشون حالة من التكيف المستمر مع الفقر، أكثر من اعتبارهم يسيرون نحو التعافي منه.
وبين محاولات فردية للبقاء، وتوصيات للإصلاح، يبقى التحدي الأساسي في القدرة على تحويل هذه الجهود إلى مسار متكامل يعيد بناء الاقتصاد، ويمنح الأفراد فرصة حقيقية لاستعادة السيطرة على حياتهم.
في أوائل العام الحالي، كشفت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، هند قبوات، أن العمل جارٍ على إعداد استراتيجية وطنية لمكافحة الفقر، عبر لجنة حكومية مؤلفة من عدة وزارات كالمالية والصحة والتعليم والداخلية، لافتة إلى أن نحو 80% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر.
وحددت قبوات، آنذاك، مدة ثلاثة أشهر لإطلاقها، في حين لم يعلن عن أي مستجدات حول هذه الاستراتيجية ونتائج عمل اللجنة المشكّلة حتى تاريخ إعداد هذا الملف.
وأوضحت قبوات أن العمل يجري بالتوازي على استراتيجية شاملة للحماية الاجتماعية، تضم مبادرات تستهدف المتسولين والأيتام وذوي الإعاقة والنساء من دون معيل، إضافة إلى اللاجئين عند عودتهم إلى سوريا.
وأكدت الوزيرة أن الهدف الأساسي لهذه المبادرات خلق فرص عمل مستدامة، مع التركيز على التدريب المهني كركيزة رئيسة لإعداد القوى العاملة، بما يضمن جاهزيتها لتلبية احتياجات السوق عند قدوم الاستثمارات وبدء تنفيذ المشاريع الجديدة.
وفي 24 من تشرين الثاني 2025، أطلقت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، ورشة عمل حول “استراتيجية الحد من الفقر متعدد الأبعاد”.
وتضمنت الورشة التعريف بمنهجية ومؤشرات قياس الفقر متعدد الأبعاد، إضافة إلى عرض التجارب الدولية في هذا المجال، والسياسات والقوانين السورية المتعلقة بالفقر، كما تضمنت مناقشات جماعية حول سبب الحاجة إلى قياس هذا النوع من الفقر في سوريا، والتحديات الراهنة في عمليات القياس.
ما الفقر متعدد الأبعاد؟الأزمة تضرب التماسك الاجتماعيالفقر لا يقاس فقط من خلال الدخل أو الاستهلاك، بل يجب تضمين جوانب أخرى مثل الصحة والتعليم والوصول إلى الخدمات الأساسية.
مؤشر الفقر متعدد الأبعاد (MPI) يقيس الفقر بناء على عشرة مؤشرات مجمعة في ثلاثة أبعاد هي الصحة والتعليم ومستوى المعيشة.
كما أن هناك فرقًا بين الفقر النقدي والفقر متعدد الأبعاد، حيث لا يعكس الفقر النقدي تمامًا جميع أوجه الحرمان التي يعاني منها الأفراد.
ومن المهم استخدام كلا المقياسين للحصول على صورة كاملة للفقر، مما يساعد الحكومات على متابعة التقدم في الخدمات الأساسية واتخاذ قرارات مدروسة لمعالجة الفقر بطرق أكثر شمولية.
عنب بلدي ناقشت هذا الملف مع الخبيرين الاقتصاديين، الدكتور عبد الله قزاز، والدكتور يحيى السيد عمر، للوقوف على حجم المشكلة وأسبابها العميقة وتداعياتها على التماسك المجتمعي والاستقرار العام.
يتفق الخبيران على أن التقديرات، حتى إن بدت مرتفعة، تعكس واقعًا مريرًا، إذ يقدّر البنك الدولي نسبة الفقر في سوريا بنحو 90% من السكان.
وأوضح قزاز أن نحو 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر (2.15 دولار يوميًا)، مع ارتفاع الفقر المدقع إلى 30-40% في المدن والأرياف النائية، وتراجع الطبقة الوسطى من 60% قبل 2011 إلى 5% في 2023.
الدكتور السيد عمر يرى أن المسألة لم تعد مرتبطة فقط بتراجع الدخل، بل بتآكل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية من الغذاء إلى السكن والخدمات.
انهيار العملة وتراجع الإنتاج.. جذور الأزمةلا يعتبر الخبيران أن الوضع وليد مرحلة عابرة، بل نتيجة تداخل عوامل حديثة مع مشكلات بنيوية.
وقال الخبير يحيى السيد عمر حيال الأمر، “لم يصل الفقر إلى هذا المستوى نتيجة ظرف طارئ فقط، بل نتيجة تضرر البنية التحتية وخروج قطاعات إنتاجية أساسية، ما أدى إلى تراجع فرص التشغيل وضعف الاستثمار وزيادة الاعتماد على الاستيراد”.
تقلب سعر الصرف يلعب دورًا مباشرًا في تعميق الفقر، إذ أشار السيد عمر إلى أن الليرة فقدت أكثر من 99.5% من قيمتها مما انعكس سريعًا على الأسعار.
ارتفاع سعر الدولار يُترجم فورًا إلى زيادة تكاليف السلع الأساسية، ما يضغط على دخل الأُسر، فالسياسات النقدية الحالية تواجه تحديات كبيرة في الحد من التضخم، بسبب محدودية الأدوات وضعف الاحتياطيات.
المرسوم “67” يعمق الشرخ الاجتماعيتقييم الخبيرين السيد عمر وقزاز للمرسوم “67” لعام 2026، القاضي بزيادة الرواتب والأجور، يؤكد محدودية تأثيره في مواجهة الغلاء.
قال قزاز، إن “الزيادة بنسبة 50% تبدو إيجابية نظريًا، لكن تكاليف المعيشة لأسرة من أربعة أفراد تتجاوز خمسة ملايين ليرة سورية شهريًا، حتى لو افترضنا أنها ثلاثة ملايين، فالحد الأدنى يغطي 25% فقط من الاحتياجات الأساسية”.
وتابع قزاز شارحًا التداعيات الاجتماعية، “تحسن مؤقت للموظفين يفاقم التفاوت إذا لم يمتد للقطاع الخاص، إذ إن 70% من القادرين على العمل في القطاع الخاص أجورهم أقل بنسبة 40%، غير الموظفين كالمزارعين والتجار الصغار والعاطلين لا يستفيدون، مما يعمق الشرخ الاجتماعي”.
يؤدي تآكل الطبقة الوسطى إلى تفكك الروابط الاجتماعية، حيث ينتشر اليأس والشعور بالخذلان والجريمة والتسول والاحتجاجات مما يهدد الاستقرار السياسي والاقتصادي.
الدكتور عبد الله قزاز
خبير مالي ومصرفي
يرى الخبيران السيد عمر وقزاز، أن الخروج من النفق يتطلب حزمة متكاملة تتجاوز الإجراءات “المسكّنة”، بالتركيز على إعادة الروح للقطاعات الإنتاجية.
السيد عمر شدد على هذه النقطة بالقول، “تحقيق تعافٍ اقتصادي شامل يتطلَب تجاوز الحلول الجزئية والتركيز على إعادة تنشيط الزراعة والصناعة الصغيرة والمتوسطة، القادرة على خَلق فرص العمل وتحقيق دخل مستدام. كما أن تحسين بيئة الأعمال وتبسيط الإجراءات يشجع على عودة النشاط الاقتصادي”.
طرح قزاز رؤية عملية تتمثل بدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة عبر قروض ميسرة وتسهيل الإجراءات، والانتقال نحو اقتصاد مختلط يعتمد على الاستثمار الخارجي في الغاز والزراعة والفوسفات والنفط والعقارات والسياحة، إضافة إلى تطبيق إصلاحات نقدية واسعة.
ما سبق قد يمكّن الحكومة من تخفيف الفقر إلى 50-60% بحلول 2030، وفق قزاز، لكن الفشل قد يؤدي إلى انهيار العدالة الاجتماعية والوصول إلى حد الفقر المدقع.
بين الدعم العاجل والإصلاح.. توازن صعبإدراكًا لحجم المعاناة، أكد الخبيران ضرورة وجود شبكة أمان عاجلة مع إدارة كفء.
السيد عمر اعتبر أن برامج الدعم قصيرة الأمد، سواء عبر التحويلات النقدية أو دعم السلع الأساسية، تظل ضرورة، لكنها تحتاج إلى إدارة أكثر دقة لضمان وصولها إلى الفئات الأكثر حاجة، واستخدامها كأداة مرافقة لمرحلة انتقالية لا كبديل دائم عن الإصلاح.
من جانبه، اقترح قزاز تطبيق برنامج “دعم أسري” (500,000 ليرة سورية على الأقل شهريًا للأسر الأشد فقرًا، مشروطة بالتسجيل في تدريب مهني، مما يغطي 80% من الفقراء)، وبرأيه، فإن ذلك يسهم في تحسين نوعية الحياة ويعزز النشاط الاقتصادي.
الفساد.. العدو الخفي للإصلاحيتفق الخبيران على أن أي خطة تعافٍ ستفشل دون مكافحة جادة للفساد، حيث شدد قزاز على ذلك باعتبار أن تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد ضروريان لضمان وصول الموارد والدعم إلى مستحقيه، فالفساد يستنزف مخصصات التنمية، وبناء الثقة بين المواطن والمؤسسات الحكومية ركيزة أساسية لنجاح أي خطة تنموية، ويضمن العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروات بشكل أكثر إنصافًا.
كما أن الفقر بات قضية وجودية تهدد النسيج الاجتماعي السوري، وتتطلب رؤية تتجاوز الحلول المؤقتة.
التوازن بين الدعم والإصلاح، بحسب عمر، يتطلب الجمع بين حماية الفئات الأكثر ضعفًا، والمضي في إصلاحات تدريجية تعيد بناء الاقتصاد على أسس أكثر كفاءة واستقرارًا، فهذا المسار يشكل الأساس الحقيقي للحد من الفقر وبناء تعافٍ مستدام يضمن قدرًا أكبر من الاستقرار على المدى الطويل.
this item
وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تطلق ورشة للحد من الفقر متعدد الأبعاد في سوريا بتعاون أممي – 24 تشرين الثاني 2025 (سانا)
يقترن الفقر بمظاهر الألم والعجز والحرمان والبؤس والتفكك العائلي، كما تظهر آثاره الخطيرة من خلال شمولية انعكاساته على المجتمع ككل، فضلًا عن ارتباطاته بالعديد من المتغيرات بحيث يشكل متاهة يصعب التخلص منها.
ويعد الفقر سببًا رئيسًا للتوترات الاجتماعية، ويهدد بتقسيم دول بسبب التفاوت في الدخل، ويحدث هذا عندما توزع ثروة الدولة بشكل غير عادل بين مواطنيها، حيث تستحوذ أقلية ضئيلة على أغلبية المال.
وتحافظ الدول الغنية أو المتقدمة على استقرارها بفضل وجود طبقة متوسطة، ومع ذلك، حتى الدول الغربية تفقد تدريجيًا طبقتها المتوسطة، مما أدى إلى ازدياد أعمال الشغب والاستقطاب.
تآكل الطبقة الوسطىفيما يتعلق بالآثار الاجتماعية، أوضح أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد الدكتور عبد الرحمن محمد، أن اتساع الفقر أدى إلى تآكل واضح في الطبقة الوسطى، التي كانت تمثل عنصر توازن في المجتمع، مشيرًا إلى أن شريحة واسعة من الموظفين وأصحاب المهن الحرة تحولت إلى فئات هشة أو فقيرة.
وأضاف أن ذلك ترافق مع تغير في بنية سوق العمل، حيث تراجع العمل المنظم لمصلحة العمل غير الرسمي، وأصبحت الوظائف المؤقتة والهشة هي السائدة، دون وجود عقود أو ضمانات.
كما أشار إلى تحولات في أنماط الإنتاج، من الزراعة والصناعة إلى التجارة الوسيطة والخدمات منخفضة الإنتاجية، إلى جانب خروج بعض الفئات من سوق العمل أو دخولها في أعمال محدودة الدخل، وانتشار عمل الأطفال كظاهرة مرتبطة بالواقع الاقتصادي.
“تطبيع الهشاشة”أعادت تلك التحولات تشكيل العلاقات داخل الأسر والمجتمعات المحلية، بحيث تحولت شبكات التضامن التقليدية من أدوات دعم إلى وسائل بقاء مؤقتة، ترافقها أعباء نفسية ومادية متزايدة، وفق أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد الدكتور عبد الرحمن محمد.
وأشار إلى تغيرات ثقافية مرتبطة بهذا الواقع، من بينها تراجع قيمة العمل المنتج كمصدر للكرامة، مقابل انتشار أنماط تكيف قائمة على الاستدانة وبيع الأصول، مثل الأراضي والممتلكات الشخصية، إلى جانب ما وصفه بـ“تطبيع الهشاشة” كجزء من الحياة اليومية.
تأثيرات على الانتماءالفقر لا يؤثر فقط على الوضع المعيشي، بل يمتد إلى إعادة تشكيل مفاهيم مثل الانتماء والاستقرار، إذ يؤدي إلى إضعاف الروابط الاجتماعية التقليدية، واستبدال شبكات ضيقة بها قائمة على الانتماءات الأولية.
وقال الدكتور عبد الرحمن محمد، إن الهجرة الداخلية والخارجية القسرية غيرت من معنى الاستقرار، الذي لم يعد متاحًا لكثير من السوريين، في ظل تنقل مستمر بين فرص عمل غير مستقرة.
كما لفت إلى تداعيات اجتماعية أعمق، مثل ازدياد الضغوط داخل الأسر، وارتفاع معدلات العنف المرتبط بالأوضاع الاقتصادية، وتراجع الدور التقليدي للمعيل، إلى جانب مؤشرات على تدهور الصحة النفسية في المجتمع.
وفيما يتعلق بإمكانيات الخروج من الفقر، شدد محمد على أن المعالجة لا يمكن أن تقتصر على إجراءات اقتصادية تقليدية، مثل الدعم النقدي أو المشاريع الصغيرة، معتبرًا أن الفقر في سوريا أصبح ظاهرة بنيوية تتطلب مقاربة شاملة.
وأوضح أن أي حلول جزئية لن تكون كافية في ظل غياب مؤسسات قادرة على إعادة توزيع الموارد بشكل عادل، أو تنفيذ سياسات حماية اجتماعية فعالة، مشيرًا إلى أن استمرار هذا الواقع قد يؤدي إلى استفادة فئات محدودة فقط من أي تحسن اقتصادي.
ولفت إلى أن الخروج من الفقر يتطلب إعادة صياغة العلاقة بين الاقتصاد والمجتمع والدولة، عبر إعادة بناء المؤسسات على أسس الشفافية والعدالة، ودعم القطاعات الإنتاجية، مثل الزراعة والصناعة، بدل الاعتماد على الاقتصاد الريعي.
كما أكد أهمية ربط سياسات الحماية الاجتماعية ببرامج التدريب والتشغيل، إلى جانب معالجة الآثار الاجتماعية والثقافية للفقر، من خلال التعليم والدعم النفسي وتعزيز الثقة المجتمعية.
الفقر.. عندما يتحول إلى تهديديشكل الفقر عاملًا خطيرًا للغاية يمكنه زعزعة استقرار دولة بأكملها، فعندما يعيش الفرد أو المجتمع في ظروف اقتصادية صعبة (بطالة، دخل منخفض، عدم استقرار)، يظهر شعور داخلي قوي بالقلق والخوف من المستقبل.
هذا الشعور لا يبقى اقتصاديًا فقط، وفق ما ذكرته الاستشارية النفسية الاجتماعية الدكتورة هبة كمال العرنوس لعنب بلدي، بل يتحول إلى إحساس بالتهديد (تهديد للوظيفة، للهوية، للمكانة الاجتماعية، وحتى للأمان)، إلى أن يصل حد التأثير السياسي.
وأوضحت الاستشارية النفسية الاجتماعية أبرز تأثيرات الفقر على المجتمعات:
- عقلية الندرة: الفقر يستهلك جزءًا كبيرًا من الانتباه الذهني، إذ يسيطر التفكير قصير المدى (اليوم، الأسبوع) بدلًا عن التخطيط البعيد، وهذا يؤدي إلى قرارات تبدو غير عقلانية خارجيًا لكنها تكيف منطقي مع الضغط.
- تآكل الشعور بالسيطرة: يتشكل إدراك بأن “الحياة تُفرض عليّ”، كما يرتفع ما يُعرف بـ”العجز المتعلم” وهو الإحساس أن الجهد لا يغير النتائج.
- إعادة تشكيل الثقة: انخفاض الثقة بالمؤسسات (الدولة، القانون)، مقابل ارتفاعها بالشبكات القريبة (العائلة، الطائفة، العشيرة)، في حين ينتقل المجتمع من “نظام مؤسسات” إلى “نظام علاقات”.
- ضغط نفسي مزمن: قلق دائم وتوتر واستنزاف ذهني، يؤثر على ضبط النفس والتعلم وحتى على العلاقات الأسرية.
- إعادة إنتاج الفقر: الفقر لا يُورَّث ماليًا فقط، بل يُورَّث نفسيًا وسلوكيًا، من خلال توقعات منخفضة، وخوف من المخاطرة، وأنماط تفكير محدودة بالواقع الضاغط.
لفتت الاستشارية النفسية الاجتماعية الدكتورة هبة كمال العرنوس، إلى أن الفقر يؤثر في الاهتمامات والأيديولوجيا والمواقف السياسية، من خلال:
- تغير سلم الأولويات: تتحول الاهتمامات من قضايا عامة (البيئة، الديمقراطية) إلى العمل والغذاء والأمان، وهو ما يسمى في علم النفس بـ”تحول الهرم القيمي”.
- القيم تصبح أكثر براغماتية: تتراجع القيم المجردة (العدالة، الشفافية) أمام “ما الذي يفيدني الآن؟”، كما تزداد قابلية تبرير الواسطة والفساد الصغير والتحايل
- تأثير على المواقف السياسية: يكون بالميل للشعبوية، وذلك من خلال تفضيل القادة الذين يقدمون حلولًا سريعة ويستخدمون خطابًا عاطفيًا، لأن الضغط النفسي يقلل القدرة على تقييم البرامج المعقدة.
تتمثل التأثيرات السياسية بالاستقطاب، إذ يزيد الفقر والإحساس بالتهديد مما يزيد تقبل خطاب “نحن وهم”، إضافة إلى السياسة المزاجية، حيث يتحول التصويت لمن يمنح المواطن الخدمات والمساعدات المباشرة، وبالتالي تصبح السياسة أداة بقاء لا تعبيرًا أيديولوجيًا.
كما أن الاحتجاج يعد من التأثيرات السياسية لفقر المجتمعات، بحسب العرنوس، فعندما يتجاوز الضغط حدًا معينًا يتحول الإحباط إلى غضب جماعي، لكن غالبًا يكون الاحتجاج متقطعًا أو غير مستدام بسبب محدودية الموارد.
الفقر يؤثر سلبًا على مفاهيم الهوية والانتماء، حيث تبرز الهويات الفرعية (دينية، قبلية، مناطقية)، باعتبارها تعطي أمانًا نفسيًا وشبكة دعم بديلة.
الدكتورة هبة كمال العرنوس
خبيرة نفسية اجتماعية
توصيات وحلولتقدم الاستشارية النفسية الاجتماعية حلولًا وتوصيات وصفتها بـ”الاستراتيجية” للحد من الآثار السلبية للفقر على المجتمع، تشمل:
- تقليل الضغط الذهني للفقر: عبر برامج دعم مباشر وثابت (دخل أساسي جزئي، دعم نقدي منتظم)، إذ إن الاستقرار، حتى لو كان محدودًا، يحسّن التفكير طويل المدى.
- بناء الشعور بالقدرة: من خلال برامج تمكين، وتدريب مهني فعّال، وفرص حقيقية وليست رمزية، وربط الجهد بنتيجة واضحة.
- استعادة الثقة بالمؤسسات: يتحقق ذلك بوجود شفافية في الخدمات والعدالة الإجرائية، حتى لو كانت الموارد قليلة، فالناس يقبلون النقص أكثر من الظلم.
- الاستثمار في الصحة النفسية المجتمعية: من خلال تقديم دعم نفسي منخفض التكلفة وجلسات جماعية وبرامج توعية، وتقليل الوصمة حول الصحة النفسية.
- تقوية الشبكات الاجتماعية الإيجابية: دعم المبادرات والتعاونيات والاقتصاد المجتمعي، ونقل الاعتماد من “علاقات ضيقة مغلقة” إلى “شبكات مفتوحة”.
- تصميم سياسات “مراعية للسلوك”: تبسيط الإجراءات الحكومية، وتقليل التعقيد باعتبار أن الفقر يقلل القدرة على التعامل مع التعقيد، واستخدام دفع سلوكي إيجابي.
- التربية القيمية الواقعية: عبر تعزيز الكرامة والمسؤولية والتفكير النقدي، دون تجاهل لواقع الضغوط.
وترى الاستشارية الاجتماعية أن الفقر لا يجعل الناس “أقل أخلاقًا”، بل يضعهم في سياقات تضغط على خياراتهم، معتبرة أن كثيرًا من السلوكيات المرتبطة بالفقر هي تكيفات “ذكية” داخل بيئة صعبة، وليست عيوبًا شخصية.
معالجة الفقر ماديًا فقط غير كافٍ، بل يجب معالجة آثاره النفسية والمعرفية، فأخطر أثر طويل المدى ليس الجوع نفسه، بل إعادة تشكيل ما يعتقده الإنسان أنه ممكن أو مستحق له.
الدكتورة هبة كمال العرنوس
خبيرة نفسية اجتماعية
إقرأ المزيد


