عنب بلدي - 5/3/2026 3:15:08 PM - GMT (+2 )
عنب بلدي – السويداء
لم تعد أحاديث الشباب في مقاهي السويداء أو ساحات جامعاتها تدور حول أحلام الدراسة أو خطط العمل المحلية، بل تحولت إلى استشارات جماعية حول الهجرة.
وصار السؤال المحوري الذي يشغل بالهم هو: “إلى أين نذهب؟ وكيف؟”.
ولم تعد المغادرة خيارًا ثانويًا، بل تحولت في نظر كثيرين إلى ممر نجاة من واقع اقتصادي خانق، وإحساس عميق بانعدام الأمان.
بطالة وانعدام للفرصتمّام (27 عامًا)، خريج كلية الهندسة المدنية، يختصر قصة جيل كامل يعاني من الإحباط، فبعد سنوات من الدراسة والجهد، لم يجد سوى فرصة عمل كنادل في مقهى يعمل فيه بدوامين.
بمرارة قال تمام لعنب بلدي، “ضاعت سنوات عمري هباء، وقررت أنا وعائلتي جمع المال للسفر، علّي أجد في الخارج ما يناسب شهادتي”.
وحتى أولئك الذين لم ينهوا دراستهم الجامعية بعد، باتوا يفكرون بالمغادرة بقلق.
ريم، طالبة بالسنة الثالثة في كلية الإعلام، عبّرت لعنب بلدي عن مخاوف من أن يكون مصيرها كخريجة مثل مصير الكثيرين.
وقالت، “النجاح أكاديميًا ثم البطالة عمليًا. لا أفكر بالسفر هربًا من البلد، بل بحثًا عن مكان يمكنني فيه تحقيق طموحاتي”.
الأهالي أنفسهم، الذين كانوا في الماضي حاجزًا أمام رحيل الأبناء، تحولوا اليوم إلى داعمين رئيسين لهذه الخطوة.
وفي ظل الغلاء وانهيار القدرة الشرائية، لم يعد بقاء الشاب في البلد يعتبر استقرارًا، بل أصبح في نظر كثيرين عبئًا إضافيًا على الأسرة.
بالمقابل، يتحول السفر إلى واجب لإعالة الأهل من الخارج، إذ يرسل جزء كبير من المغتربين مبالغ لتغطية نفقات عائلاتهم، ما يخلق اعتمادًا هيكليًا على التحويلات المالية.
ورغم تصاعد وتيرة الهجرة بعد أحداث تموز 2025 في السويداء، فإن هذه الظاهرة ليست وليدة تلك الأحداث، بل تعود جذورها إلى سنوات سابقة، مدفوعة بعوامل اقتصادية ومعيشية وأمنية متراكمة.
في حقبة النظام السابق، شكّلت الخدمة الإلزامية أبرز الأسباب التي دفعت بالشباب للمغادرة، تفاديًا للتجنيد الإجباري أو الاحتياطي في مختلف المحافظات السورية.
وتشير استطلاعات الرأي إلى أن دول الاتحاد الأوروبي تبقى الوجهة المفضلة للهجرة الدائمة، تليها دول الخليج والعراق ومصر ولبنان لأولئك الباحثين عن فرص عمل سريعة بتكاليف سفر أقل.
ولم تعد الهجرة حكرًا على أصحاب الشهادات العليا، بل شملت أصحاب المهن والحرفيين وحتى من لم يكملوا تعليمهم.
وعلى الرغم من معرفة المهاجرين الصعوبات التي تنتظرهم، من تحديات الاندماج واعتماد الشهادات وتعديلها إلى غلاء المعيشة، فإنها تبدو للشباب أقل وطأة من مواجهة مستقبل مجهول.
تُلخص مايا، وهي خريجة كلية العلوم الفكرة بقولها، “أعمل تطوعيًا في مخبر لعدم وجود فرصة مدفوعة الأجر، ولأكتسب خبرة تؤهلني للعمل في الخليج، حيث هناك تقدير وحياة كريمة. لا أستطيع الاستمرار في هذا الوضع”.
الهجرة غير الشرعية كخيارومع تضييق سبل السفر النظامي وارتفاع تكاليفه، لجأ العديد للهجرة غير الشرعية رغم ما تحمله من مخاطر جسيمة، فركوب البحر أو عبور الحدود بطرق غير آمنة لم يعد قرارًا استثنائيًا، بل مغامرة يبررها اليأس في الوطن والأمل ببلاد آمنة تحترم حقوقهم وأحلامهم.
بدر، شاب في العقد الثالث من العمر، يروي تفاصيل هجرته غير الشرعية التي بدأت من أربيل، مرورًا بإيران وتركيا، ثم اليونان وألبانيا وكوسوفو، وصولًا إلى صربيا وهنغاريا، وانتهاء في العاصمة النمساوية فيينا.
قال بدر، “اتخذت هذا القرار بعد أن انسدت أمامي جميع الآفاق”، في ظل عجز عن تأمين تكاليف السفر النظامي، إلى جانب خوفه من الاضطرار لدفع بدل الخدمة العسكرية في حال عودته إلى سوريا (قبل سقوط النظام).
استغرقت الرحلة نحو شهرين، كان ثلثها الأول الأصعب على الإطلاق، حيث مشى لساعات في الغابات خلال الليل والظلام الدامس، وسط خوف من التعرض للخطف من قبل العصابات أو إلقاء القبض عليه من قبل حرس الحدود لا سيما اليوناني، وما يترتب على ذلك من إجراءات تختلف من دولة إلى أخرى.
وأضاف أن بعض الدول تعيد الموقوف إلى حدودها فقط، بينما تفرض دول أخرى إجراءات أكثر قسوة.
أشار بدر إلى أن الرحلة كلّفته آنذاك 5000 يورو، حيث كانت تتراوح بين 5000 و12,000 يورو بحسب أجور المهرب.
وبعد أسابيع من التنقل في تلك الطرق الوعرة الخطرة، والمبيت في أماكن تفتقر لأدنى مقومات الحياة انتهت الرحلة في فيينا.
أمضى بدر الفترة الأولى في “كامب” (مخيم) بانتظار مقابلة المحكمة المختصة للنظر في طلب اللجوء، بعدها حصل على مساعدة مالية وتأمين صحي، ولاحقًا بدأ بتعلم اللغة ضمن دورات خاصة، حتى استطاع الاندماج والتقدم لاختبار قبول الاندماج في سوق العمل، الذي ما زال ينتظر نتيجته حتى الآن.
على الجانب الآخر، يخلّف استمرار نزيف الهجرة بهذه الوتيرة آثارًا “مدمرة” على النسيج المجتمعي، ما يفاقم أزمة نقص الكوادر في القطاعات الحيوية كالطب والهندسة والتعليم، ويهدد جودة الحياة في المحافظة.
Related
إقرأ المزيد


