ما بعد تفاهة الشر.. القتل كفعل يومي
عنب بلدي -

أحمد عسيلي

كان أسبوعًا قاسيًا على السوريين، عادت فيه كل الرضوض النفسية إلى السطح دفعة واحدة، بدأ بخبر اعتقال أمجد يوسف، جزار التضامن، ليُعاد عرض تلك المجزرة على أعين السوريين والعالم، الصدمة أيضًا كانت في ظهوره الهادئ على الشاشة، يتحدث عن القتل كما لو أنه يستعيد ذكرى عابرة عادية جدًا، وفي ذروة الارتباك هذا، ظهرت فجأة حسابات مجهولة على “فيسبوك”، ونشرت عشرات مقاطع التعذيب في مختلف الأماكن من زمن حقبة الأسد المظلمة، خاصة مستشفى “تشرين” العسكري سيئ الصيت.

هنا سنتوقف عند سؤالين انشغل بهما الناس، وكانوا محل نقاش كبير، لدى مختصين وغير مختصين، الأول خاص بالمجرم وتكونيه النفسي، وسبب هذا الهدوء والتماسك الذي ظهر عليه، أما السؤال الثاني والأكثر أهمية، فهو عن تأثير تلك المقاطع على الحالة النفسية للمشاهد، ومدى جدواها أو خطورتها في مرحلتنا الحالية.

بداية، في محاولة لفهم شخصية هذا الجلاد، علينا أن ندرك أننا هنا لسنا أمام ظاهرة جديدة تمامًا، فقد وصفت حنّا أرندت هذا النمط في كتابها “أيخمان في القدس”، حين تحدثت عن “تفاهة الشر”، الشر هنا لا يصدر عن وحشية استثنائية، بل عن سطحية مقلقة، عن إنسان عادي يمارس العنف بوصفه وظيفة، اللغة تلعب دورًا حاسمًا في هذا السياق، إذ تُعاد صياغة الفعل ليبدو إجراء إداريًا منزوعًا من أي حمولة أخلاقية، القتل يصبح “تنفيذ أوامر”، والجريمة تتحول إلى مهمة.

لكن ما لفت في حالة هذا المجرم، تجاوزه حتى هذا المستوى من التبرير، لم يحاول الاحتماء بخطاب الأوامر العليا (كما فعل بعض أفراد عائلته مثلًا)، بل تحدث عن المجزرة كفعل لا يستحق التفسير أصلًا، المفارقة الصادمة التي أشار إليها البعض، كلمة عفوًا التي قالها حين أخطأ في ذكر تاريخ دورة تدريبية، لكنه لم يُبدِ أي شعور بالحاجة إلى الاعتذار (أو حتى كلمة عفوًا) عن قتل عشرات الأشخاص، وكأن القتل لا يستدعي حتى تعليقًا.

هنا نكون أمام مستوى أعمق من “تفاهة الشر”، حيث لا يعود الفعل بحاجة إلى تبرير، ولا يرى الفاعل نفسه مطالبًا بأي مساءلة، إنها حالة من نزع الذاتية، حيث يذوب الفرد بالكامل داخل المنظومة، الجلاد لا يشعر أنه كيان أخلاقي مستقل، بل مجرد امتداد لجهاز أكبر: “الأمن يقتل، أنا عنصر أمن، إذًا أنا أقتل”. في هذه البنية، يُعاد تعريف الواقع بحيث يصبح العنف جزءًا من النظام الطبيعي للأشياء، حينما تحدث قال إنه قتل “حوالي” 40 شخصًا، لا يهم بالنسبة له ولا للمؤسسة التي يعمل بها، إن كان العدد 38 أو 45، الموضوع لا يستحق عناء الحفظ، هو لا يعرف أيضًا التهم الموجهة لهم، ربما مجرد تقرير كيدي، بل ولا يتذكر أسماء ضحاياه، فاستعمل كلمة فلان، المجرم هنا يجسد تمامًا عقلية المؤسسة التي يعمل بها، انصهار تام، ليصبح جزءًا من كل، في سلوكه وحياته.

هذه “العادية” ليست تفصيلًا ثانويًا، بل هي جوهر المشكلة، الخطر لا يكمن في وجود أفراد استثنائيين يمارسون الشر، بل في قدرة الإنسان العادي على الانخراط فيه عندما يُعاد تشكيل المعايير الأخلاقية داخل نظام مغلق، الجلاد لا يعيش صراعًا داخليًا، فهو جزء من آلة أكبر، يعمل وفق منطقها.

لنخرج من هذه التفاهة سريعًا، ونبدأ بسؤالنا الثاني الأكثر أهمية، حول تلك المقاطع ومشاهدتها، فقد نبه عدد من المختصين النفسيين إلى ضرورة تجنب تلك المشاهد العنيفة، فمن يشاهدها في هذه الحالة، لا يبقى خارج الحدث، بل ينخرط فيه نفسيًا، يعيش الخوف والغضب والعجز كما لو أنه حاضر في المشهد، وقد أظهرت دراسات عديدة، خاصة بعد أحداث 11 من أيلول، أن التعرض المكثف للصور العنيفة يمكن أن يؤدي إلى أعراض قريبة من اضطراب الكرب التالي للصدمة (PTSD)، حتى لدى من لم يختبروا الحدث مباشرة.

المشكلة لا تتوقف عند حدود الصدمة، فالإنسان يحتاج بطبيعته إلى تصريف انفعالاته، غير أن المشاهد هنا عاجز عن الفعل، لا يستطيع التدخل، ولا تغيير ما يرى، ولا حتى الابتعاد بسهولة، هذه العجز يحوّل الشحنة الانفعالية من غضب وحزن إلى طاقة غير مُفرَّغة، ترتد إلى الداخل، وهنا تبدأ الأعراض: قلق، توتر، اضطرابات نوم، وأحيانًا مظاهر جسدية كارتفاع الضغط أو اضطراب في نظم القلب.

المفارقة المؤلمة أن العنف يُمارَس من طرف دون شعور بالذنب، بينما يُعاش من طرف آخر بكل ثقله النفسي، الجلاد يُفرغ الفعل من معناه، في حين يُعيده المشاهد إلى أقصى درجاته، الأول يتحرك داخل منطق “الوظيفة”، والانصهار داخل منظومة أكبر، والثاني يغرق في تجربة الانفعال.

في المحصلة، لا يمكن التعامل مع ما جرى بوصفه حدثًا عابرًا، نحن أمام إعادة تنشيط لذاكرة صدمة جماعية لم تُعالَج أصلًا، الصور لا تنقل الماضي فقط، بل تعيد إنتاجه نفسيًا في الحاضر، محمّلة بشحنة إضافية من العجز والغضب، وهذا ما يجعل الحاجة ملحّة، ليس فقط للعدالة، بل أيضًا لعمل نفسي عميق، يُعيد ترميم المعنى، ويحمي ما تبقى من التوازن الداخلي، قبل أن تتحول هذه الصدمة إلى حالة مزمنة.

Related

اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا

إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى



إقرأ المزيد