هل يمتلك “المركزي” السوري أدوات تثبيت سعر الصرف؟
عنب بلدي -

عنب بلدي – وسيم العدوي

تتوالى قرارات مصرف سوريا المركزي، الهادفة لتطوير الأدوات التي توفر له تدخلًا ووصولًا مباشرًا إلى السياسة النقدية السورية، وكان آخرها إحداث “سوق دمشق الإلكترونية للعملات الأجنبية والذهب”، وجمعية للصرافة، بهدف تنظيم عمليات التداول، وتوحيد مرجعية الأسعار، بما يحد من التشوهات ويعكس قوة العرض والطلب على العملة الأجنبية بدقة وآنية.

ووصف حاكم المركزي السوري، عبد القادر الحصرية، منذ نحو أسبوع إحداث السوق المشار إليها سابقًا بأنه “خطوة محورية في مسار تطوير السياسة النقدية وتعزيز الاستقرار المالي”، معتبرًا أنه شكّل تطورًا ملحوظًا لم يكن مقدرًا له أن يبصر النور، لولا الخطوات التي بدأت لدمج النظام المالي السوري بالنظام المالي العالمي، وتفعيل الحسابات المصرفية السوري في البنوك المركزية الغربية والأوروبية.

ويعتبر إحداث سوق تداول العملات (Forex) والسلع والأسهم والمؤشرات دليلًا على انخراط الدول في سياسة الانفتاح المالي والنقدي، وهناك أسواق عالمية ضخمة ومنظمة لتداول “الفوركس” والذهب، تعمل بشكل مستمر تقريبًا على مدار 24 ساعة يوميًا، تتيح للمستثمرين والأفراد تبادل العملات وبيع وشراء الذهب كسلعة استثمارية.

عنب بلدي تسلط الضوء من خلال هذا التقرير على الأدوات القديمة والجديدة للسياسة النقدية، التي يسعى المركزي لامتلاكها لتثبيت سعر الصرف (المصارف، شركات الصرافة، سوق دمشق، سوق العملات، سوق الذهب)، وذلك من خلال الحوار مع الخبير الاقتصادي والمصرفي السوري الدكتور إبراهيم قوشجي، مدير مركز الاستشارات الاقتصادية والإدارية.

منصة إدارة سعر الصرف بين المخاطر والفرص

قال الخبير الدكتور قوشجي، إن إنشاء منصة لإدارة سعر الصرف، مثل سوق العملات والذهب، يمثل سلاحًا ذا حدين، فمن ناحية، قد تقع الليرة السورية بين ضغوط التثبيت الإداري ومتطلبات التعويم الحر، حيث يفقد المصرف المركزي القدرة على توجيه السعر نحو هدف محدد، وهذا الوضع يخلق سوقًا موازية أكثر شراسة ويفاقم المضاربات.

ولكن بالمقابل، يمكن لمنصة فوركس (تداول العملات) منظمة، ضمن سوق دمشق للأوراق المالية، أن تحقق فوائد كبيرة منها:

  • شفافية التسعير.
  • تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي.
  • جذب التحويلات الخارجية عبر قنوات رسمية.
  • تمهيد الطريق لتحرير اقتصادي تدريجي.

أما الشرط الأساسي، لتحقيق ذلك، بحسب قوشجي، فهو أن تكون إدارة سعر الصرف مدعومة باحتياطيات كافية وآليات رقابة صارمة.

وتشهد الأسواق السورية خلال الأيام الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، بالتزامن مع تذبذب سعر صرف الدولار في السوق الموازية (صعودًا وهبوطًا) إلى نحو 13,350 ليرة سورية، ما انعكس مباشرة على تكلفة السلع الأساسية، وسط تفاوت ملحوظ بين المحافظات، وأدى ذلك إلى سلسلة قرارات حكومية، باستيراد أو منع استيراد منتجات معينة، لتأمين استقرار أسعارها في الأسواق.

ولا يبدو الارتفاع الأخير لسعر الصرف، وفقًا للخبير السوري قوشجي، طبيعيًا بالمعنى الاقتصادي السليم، بل يحمل دلالات خطيرة، منها الانفصال بين سعر الصرف والأساسيات الإنتاجية، وتراجع القدرة الشرائية بشكل أسرع من وتيرة التضخم المعلنة، مع غياب آلية تسعير عادلة تعكس القوة الشرائية الحقيقية.

ويعكس هذا المشهد أزمة ثقة متصاعدة بالعملة الوطنية، وليس مجرد تعديل دوري لسعر التوازن.

عوامل أساسية لارتفاع الدولار وقلة واردات القطع

توجد أسباب عديدة وراء تراجع واردات القطع الأجنبي إلى سوريا، بحسب الدكتور قوشجي، وكثير منها يتعلق بـ:

  • طول فترة الانكماش الاقتصادي.
  • تدني متوسط دخل الفرد، ولذلك أصبحت الإعانات الأسرية مرهقة مع ارتفاع أسعار المنتجات في سوريا.
  • تدني كمية الإنتاج المحلي، وضعف التصدير نظرًا إلى عدم تنافسية المنتجات المصنعة.
  • زيادة الاستيراد للاستهلاك غير المنتج.

وأضاف الخبير أن تلك العوامل غذت ارتفاع الدولار، لكن الأهم هو أن سياسة “حبس الكاش” (منع سحب الودائع أو تقييده) هي ما منع انهيارًا أسرع، ولولا هذه السياسة، لكان الطلب على الدولار قفز بمستويات قد تصل إلى 20-30 ألف ليرة للدولار الواحد.

ولا يزال رفع العقوبات عن سوريا ناقصًا، بحسب ما يرى الخبير الاقتصادي السوري، طالما لم يتم:

  • إقرار تعديلات قانونية تعزز الشفافية المالية والمصرفية.
  • تفعيل هيئات الرقابة المصرفية مثل هيئة غسل الأموال وغيرها.
  • تطوير نظام المقاصة وربطه بالدول الإقليمية الصديقة مثل دول الخليج العربي وتركيا.
  • تفعيل مقايضة العملات مع البنوك المركزية العربية.

وتابع، “بالإضافة إلى ذلك، لا بد من تأسيس بنك سوري للتسويات الدولية برأس مال من القطاع الخاص والخارجي، كشركة مساهمة مدرجة في سوق دمشق للأوراق المالية”.

أسباب عدم تحقق الاستقرار النقدي

أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي سابقًا سعيه لتحقيق الاستقرار النقدي عبر ضبط التضخم وتعزيز سعر الصرف.

لكن الظروف الحالية لا تخدمه، بحسب قوشجي، وأهمها ضعف الاحتياطيات من العملات الصعبة، وإدارة النقود خارج الجهاز المصرفي وفقدان الثقة به، بالإضافة إلى عجز في الميزان التجاري بنسبة تزيد على 60%، ومما يزيد المخاوف هو عدم الانتهاء من تبديل العملة ومدى تأثير طباعة الليرة السورية الجديد في تغذية التضخم.

وفي هذه الظروف النقدية، لا يوجد تأثير أو نتائج من استخدام أدوات السياسة النقدية مثل سعر الفائدة، ونسبة الاحتياطي الإلزامي، وعمليات السوق المفتوحة، وضوابط الصرف، فكلها غير كافية بغياب الاستثمارات والإنتاج.

وبحكم خبرته في القطاع المصرفي، اقترح قوشجي تسهيل عملية ترخيص الاستثمارات المحلية، والتشجيع على قيام شركات مساهمة معفاة من الضريبة لإنتاج مستلزمات الإنتاج بدلًا من استيرادها، مثل استخراج الأسمدة والمواد الكيماوية لمعامل المنظفات من الفوسفات السوري والحبيبات البلاستكية ومواد أخرى كثيرة من المخلفات النفطية.

ويندرج في الإطار ذاته السماح لأي فكرة استثمارية في أي قطاع اقتصادي دون أي عوائق إدارية، وبعد ذلك يمكن ربط الدعم لهذه المنشآت بكمية صادراتها، مما يعزز الاحتياطي الأجنبي الذي يؤدي إلى التحكم بسعر الصرف إن كان الجهاز المصرفي فعالًا.

قيود على القطاع المصرفي السوري

يعتبر الدكتور قوشجي أن القطاع المصرفي السوري ليس عقيمًا بطبيعته، لكنه مُقيد بقوانين تجعله عاجزًا عن لعب دور رافعة تنموية.

وتتمثل التحديات التي تواجه المصارف العاملة في سوريا بشلل التحويلات الدولية لتاريخه، وتدني الثقة المتراكم لدى قطاع الأعمال السوري منذ أزمة 2019 (تجميد الودائع النقدية الضخم لبنوك وأفراد سوريين داخل القطاع المصرفي اللبناني/انكشاف مالي/تجاوزت 1.6 مليار دولار أمريكي)، يضاف إلى ذلك عدم وجود مصارف مؤازرة تدعم المصارف السورية في التمويل المتوسط والطويل، مما يساعد في عملية التنشيط الاقتصادي.

ولا يمكن للقطاع المصرفي أن يصبح رافعة تنموية دون إعادة هيكلة شاملة تبدأ من دمج المصارف العامة الضعيفة، وخصخصتها وإدراجها في سوق دمشق للأوراق المالية، وتطوير بنية تقنياتها المصرفية والعملياتية.

ويتوقع الدكتور قوشجي، مع انتهاء الفترة التي حددها المركزي السوري لتسوية أوضاع المصارف المتضررة من انكشافها على لبنان، سيناريوهين:

  • الأول (الأكثر ترجيحًا): استحواذات وشراء بنوك، مصارف خارجية (خليجية) قد تدخل لشراء حصص أو بنوك كاملة، مستفيدة من انخفاض التقييمات، كما حصل مع بنك “عودة” و”بيبلوس” و”شهبا بنك”.
  • الثاني: إغلاق بعض المصارف الصغيرة وإعلان إفلاسها، وهذه الخطوة صحيحة مع خطورتها.

ويرجح الخبير ذاته أيضًا بشكل محدد أكثر، دخول مصارف جديدة تركية وسعودية وغيرها إلى السوق المصرفية في سوريا، وخروج ثلاثة إلى أربعة مصارف صغيرة من السوق بالاندماج أو التصفية.

ويحتاج الاقتصاد السوري، يختتم مدير المركز السوري للاستشارات الاقتصادية، إلى “جراحة نقدية وليس مسكنات”، لأن استقرار سعر الصرف يمر عبر استقرار سياسي واقتصادي إنتاجي، لا عبر منصات أو بيانات صحفية.

والقطاع المصرفي يمكن أن يكون جزءًا من الحل، لكنه يحتاج أولًا إلى بيئة آمنة وثقة مستعادة، وسيشهد المستقبل القريب تغيرات هيكلية في ملكية المصارف، وقد يكون ذلك فرصة لإعادة بناء نظام مالي أكثر شفافية واستقرارًا.

Related



إقرأ المزيد