خارج المعادلة.. لماذا لا يعود السوريون من ألمانيا؟
عنب بلدي -

عاد نحو 1.63 مليون لاجئ سوري إلى بلدهم، معظمهم من الدول المجاورة، بينما تبقى مسألة العودة من ألمانيا خارج المعادلة.

وحتى 30 من شهر نيسان الماضي، عاد قرابة 640 ألف سوري من تركيا، ونحو 630 ألفًا من لبنان، إضافة إلى حوالي 285 ألفًا من الأردن، وفق أرقام المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

بينما نقلت صحيفة “فيلت أم زونتاغ” الألمانية، إحصاءات المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين الصادرة في شباط، والتي تشير إلى أن 3,678 لاجئًا سوريًا عادوا طوعًا من ألمانيا خلال العام الماضي.

ويعيش في ألمانيا أكثر من 900 ألف سوري، وفقًا للصحيفة الألمانية، ومنذ سقوط النظام السوري السابق، تراجع عدد طالبي اللجوء السوريين في ألمانيا بشكل ملحوظ، في ظل تقييم الحكومة الألمانية بأن مبررات الحماية لم تعد قائمة لدى عدد كبير منهم.

وذكرت الصحيفة الألمانية أن بإمكان المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين مراجعة استمرار أسباب الحماية في حال تغيّر الأوضاع في بلد المنشأ، وذلك من خلال ما يُعرف بإجراءات سحب الحماية.

إلا أن هذه الإجراءات لا تطبق حاليًا بشكل عام على السوريين، بل تقتصر على حالات محددة، مثل السفر غير المصرح به إلى سوريا أو ارتكاب جرائم.

وفي سياق النقاش الجاري في ألمانيا حول اللاجئين السوريين، يجري بحث زيادة المساعدات المالية للعودة، والتي تبلغ حاليًا نحو 1000 يورو كحد أقصى للشخص البالغ، بحسب الصحيفة.

ألمانيا استثناء

مع عودة مئات الآلاف من السوريين إلى بلادهم، تشهد ألمانيا حالة استثنائية، إذ لا يزال نحو مليون سوري ممن قدموا إلى ألمانيا منذ ذروة أزمة اللاجئين يقيمون فيها، وفق للصحيفة الألمانية، رغم أن الأسباب التي دفعت غالبيتهم لطلب الحماية كالحرب أو الاضطهاد من قبل نظام الأسد أو تنظيم “الدولة” تراجعت منذ فترة طويلة.

وأوضحت الصحيفة أن نظام اللجوء الألماني يقوم على منح الحماية حتى لمن يصلون عبر دول آمنة ويدخلون البلاد بشكل غير نظامي، إلا أن هذه الحماية تُفترض أن تكون مؤقتة، ويتم سحبها عند زوال أسباب اللجوء.

لكن الواقع يُظهر عكس ذلك، إذ بقي معظم اللاجئين في البلاد، وحصل نحو 300 ألف منهم على الجنسية الألمانية.

ويشير أحدث تقرير للمكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين، وفق ما نقلت الصحيفة الألمانية، إلى تراجع مستمر في حدة النزاع وعدد الضحايا في سوريا منذ التغيرات السياسية، لكنه يؤكد في الوقت ذاته أن الأوضاع الاقتصادية والإنسانية لا تزال متدهورة.

في المقابل، يرى أستاذ قانون اللجوء دانيال ثيم أن الظروف الحالية تبرر إعادة النظر في منح الحماية لبعض الفئات، مشيرًا إلى أن التقييمات الرسمية الصادرة عن وزارة الخارجية الألمانية وهيئات اللجوء الأوروبية تدعم هذا التوجه، بحسب ما نقلت صحيفة “فيلت أم زونتاغ”.

وأضاف بأنه يمكن، على سبيل المثال، دراسة أوضاع الرجال العرب السنّة العُزّاب بشكل فردي للنظر في إمكانية سحب الحماية عنهم، بحسب قوله.

ومع ذلك، فإن الحكومة الفيدرالية لم تبدأ بعد بهذه الإجراءات، حسبما أوضحت الصحيفة، إذ يُرجَّح أن يركّز المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين، الذي يعاني من ضغط كبير، في المرحلة الأولى على البت في طلبات اللجوء المقدمة من سوريين وصلوا إلى ألمانيا قبل أو بعد فترة وجيزة من سقوط نظام الأسد.

ورغم وجود إطار قانوني يفرض من حيث المبدأ مراجعة أوضاع الحماية وإمكانية سحبها، فإن القدرات التنفيذية المتاحة لا تزال محدودة.

ووفقًا لقرار المكتب الفيدرالي للهجرة واللاجئين، قالت الصحيفة إن المحاكم الإدارية ستُثقل لسنوات بسبب كثرة الدعاوى القضائية.

ونوهت إلى أن تردد الحكومة الفيدرالية في بدء مراجعات إلغاء الحماية ربما يعود إلى الخشية من عدم نجاح عمليات الترحيل بالقدر الكافي، إذا رفض آلاف السوريين الذين سيطلب منهم مغادرة البلاد عرض العودة المدعومة.

عودة غير آمنة

وبعد أكثر من عام على انتهاء الحرب، لا تزال العودة محفوفة بصعوبات كبيرة، وفق ما يؤكده صادق الموصلي، المتحدث باسم الجالية السورية في ألمانيا.

ونقلت صحيفة “فيلت أم زونتاغ” تصريحه الذي يوضح فيه أن إعادة أعداد كبيرة من السوريين المقيمين في ألمانيا خلال السنوات الثلاث المقبلة “أمر غير واقعي ويصعب تحقيقه”.

من جهته، قدم وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول تقييمًا صريحًا خلال زيارته إلى دمشق، لافتًا إلى أن الدمار لا يزال واسع النطاق، وأكد أن الظروف الحالية لا تسمح ببساطة بدعوة الناس إلى العودة والمشاركة في إعادة الإعمار، في ظل غياب المقومات الأساسية اللازمة للاستقرار.

ويرى الموصلي أن حجم الدمار في البنية السكنية يمثل أحد أبرز التحديات، فبالرغم من توفر مأوى لمعظم السكان، لا يزال نحو 1.3 مليون شخص يقيمون في خيام.

كما تعاني مناطق واسعة، خصوصًا الريفية، من غياب المدارس، حيث يلجأ السكان إلى حلول بدائية، لتشكيل صفوف دراسية مؤقتة، بحسب الموصلي.

وأضاف الموصلي أن كثيرًا من السوريين مترددون في اتخاذ قرار العودة، لا سيما وأن عددًا كبيرًا منهم يعيش خارج البلاد منذ أكثر من عقد، ما يعني أن العودة ستتطلب إعادة بناء حياتهم من جديد، إلى جانب ضرورة تقييم الأوضاع على أرض الواقع قبل اتخاذ أي قرار.

وقال الموصلي إن عودة السوريين إلى وطنهم بعد أكثر من عشر سنوات ستترك فجوة كبيرة في المجال الطبي وقطاع تكنولوجيا المعلومات والخدمات اللوجستية.

لقاء الشرع مع الجالية السورية

التقى الرئيس السوري، أحمد الشرع، وفدًا من أبناء الجالية السورية، بحضور وزير الخارجية والمغتربين، أسعد الشيباني، وذلك ضمن زيارته الرسمية إلى ألمانيا، في 29 من آذار الماضي.

وشهد اللقاء نقاشات موسعة تناولت قضايا سياسية واقتصادية، إلى جانب التحديات التي تواجه السوريين في الداخل والخارج.

وفي هذا السياق، شدد مدير اتحاد منظمات السوريين بألمانيا، رواد زيادة، على أن الجالية السورية لا يمكن اختزالها بصفة “لاجئين”، بل تضم شرائح واسعة من المهنيين والعمال والأكاديميين الذين اندمجوا في المجتمع الألماني.

وبيّن أن كثيرًا من السوريين نجحوا في الانتقال من صفة اللجوء إلى الإقامة والعمل، وأصبحوا جزءًا فاعلًا في مختلف القطاعات، من الأعمال اليدوية إلى الوظائف الحكومية.

وفي المقابل، استبعد حدوث تغييرات سريعة في الوضع القانوني للاجئين نتيجة الزيارة، موضحًا أن هذا الملف يبقى مرتبطًا بالقوانين والسياسات الألمانية.

وأضاف أن أي عودة جماعية للاجئين في الوقت الحالي قد تُشكل عبئًا على الداخل السوري وتؤثر سلبًا على جهود إعادة الإعمار، في حين تستمر الإجراءات القانونية بحق المدانين بجرائم جنائية وفق الأطر المعمول بها.

Related



إقرأ المزيد