منازل للبيع أكثر من الإيجار.. لماذا تضيق خيارات السكن في السويداء؟
عنب بلدي -

لا تزال عائلة “أبو خالد” تقيم في أحد مراكز الاستضافة في السويداء، بعد عجزها عن العثور على شقة صغيرة للإيجار، بعد تهجيرهم من قرية المزرعة في الريف الغربي، إثر أحداث تموز 2025.

وقال “أبو خالد” إن جميع المنازل ذات إيجار عالٍ لا يقدر عليها بعمله المتواضع وراتبه التقاعدي، عدا عن ندرتها وشحها.

حال “أبو خالد” لا يختلف عن حال مئات العائلات التي تحوّل بحثها عن منزل إلى تحدٍ يومي.

ومع تصاعد الأزمة، أصبحت مجموعات “الواتس آب” وصفحات “الفيسبوك” مساحة أساسية للبحث عن شقة أو حتى غرفة للإيجار.

ورغم أن أزمة السكن ليست جديدة في محافظة السويداء، تفاقمت بشكل ملحوظ بعد أحداث تموز، خاصة في المدينة والمناطق القريبة منها.

وأدت موجة النزوح الداخلي من الريفين الغربي والشمالي إلى ضغط كبير على سوق الإيجارات، ما تسبب في ارتفاع الأسعار بنسبة تقارب 25%، وتراجع عدد المنازل المتاحة، بحسب عقاريين تحدثت إليهم عنب بلدي.

قلة العرض و ازدياد الطلب تزيد معاناة البحث

وفق حديث عدد من أصحاب المكاتب العقارية في السويداء لعنب بلدي، فإن الطلب على المنازل شهد ارتفاعًا واضحًا خلال الأشهر الماضية، مقابل انخفاض في عدد البيوت المعروضة للإيجار.

كما تتزايد شكاوى الأهالي من استغلال بعض المكاتب العقارية لحاجة الناس، عبر رفع الأسعار وطلب عمولة وتأمينات مالية، إلى جانب فرض شروط سكن معقدة.

يقول “سامر.ز”، أحد المستأجرين، إن العثور على منزل كان “أشبه بالمعجزة” بعد بحث استمر أكثر من شهرين، مضيفًا أنه كان يتجنب التعامل مع أي وسيط بسبب الشروط والمبالغ فيها التي يطلبونها، واصفًا إياها بأنها “بعيدة عن واقع الناس وما مرّوا به، وكأنهم من كوكب آخر”.

عبء معيشي

لا تقتصر آثار الأزمة على صعوبة العثور على منزل، بل تمتد إلى الأعباء المعيشية اليومية، إذ بات جزء كبير من دخل الكثير من العائلات يُستنزف في تأمين الإيجار، بالتوازي مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع فرص العمل والدخل وتأخر الرواتب الذي يُعتبر مشكلة كبيرة بالنسبة للأشخاص المعتمدين على الراتب فقط.

من جهتها، أوضحت “لانا.ع”، العاملة في أحد المكاتب العقارية، أن الحد الأدنى للإيجارات سابقًا كان 400 ألف ليرة سورية (نحو 35 دولارًا)، أما الآن فمتوسط الإيجارات يتراوح بين 500 ألف ومليون ونصف ليرة سورية (يتجاوز 125 دولارًا)، وقد يتجاوز ذلك بحسب المنطقة، وحالة المنزل وتقييمه، والخدمات المتوفرة فيه،إذا كان فارغًا، أما إذا كان مفروشًا فلا يقل إيجاره عن مليوني ليرة في الشهر.

وأشارت إلى أن بعض الشقق تُؤجر خلال فترة قصيرة نتيجة ارتفاع الطلب وقلة الخيارات، رغم ارتفاع الأسعار.

وأضافت أن بعض مالكي الشقق يطلبون دفعات مسبقة تصل إلى أربعة أو خمسة أشهر، وغالبًا ما يكون الدفع بالدولار، إلى جانب مبالغ تأمين، مبررين ذلك بتعرض بعض الشقق سابقًا للتخريب أو امتناع بعض المستأجرين عن الدفع.

تروي إحدى السيدات اللواتي انتقلن إلى مدينة السويداء بعد الأحداث أنها اضطرت للتنقل مع عائلتها بين منازل أقاربها قبل العثور على شقة تناسب إمكانياتها، مشيرة إلى أن بعض المالكين رفضوا التأجير بسبب عدد أفراد الأسرة ووجود أطفال.

سبب انخفاض عدد منازل الإيجار هو تزايد عرض العقارات للبيع خلال الفترة الأخيرة، في وقت تبقى فيه حركة الشراء محدودة، نتيجة ضعف القدرة الشرائية وحالة عدم الاستقرار، ما يعكس حالة ترقب وحذر في السوق.

وبالنسبة لأسعار المنازل المعروضة للبيع، فتبدأ من نحو سبعة آلاف دولار أمريكي كحد أدنى، مع فروقات كبيرة تبعًا للموقع وحالة الكساء.

مبادرات فردية أمام أزمة متفاقمة

في المقابل، برزت مبادرات فردية من بعض الأهالي للتخفيف من حدة الأزمة، عبر تأجير منازلهم بأسعار منخفضة أو استقبال عائلات بشكل مجاني، مراعاة للظروف الإنسانية.

تقول “أماني.ش”، وهي موظفة في شركة الكهرباء، إنها أقامت مع طفلتها لفترة ليست قليلة في منزل عائلتها، لأنها كانت تواجه صعوبة كبيرة في العثور على سكن.

وبعد أسابيع من البحث والسؤال، اقترح أحد زملائها أن تقوم بتنظيف أحد منازله الذي تعرض للحرق، متكفلًا بنصف تكاليف ترميمه، لتتمكن لاحقًا من الإقامة فيه مجانًا.

وتحدثت أماني لعنب بلدي عن عائلة صديقتها التي تلقت عرضًا من أحد المغتربين، للسكن في منزله دون مقابل، في مبادرة إنسانية تعكس التضامن بين السكان.

وفي حي آخر من المدينة، قام أحد السكان، فضل عدم ذكر اسمه، بتأجير منزله لعائلة مهجرة بسعر رمزي، مؤكدًا أن “الظروف الحالية تتطلب تعاون الناس مع بعضها، وتقدير ظروفهم”.

ويرى “أبو مجد”، صاحب سلسلة مكاتب عقارية، أن الأزمة الحالية تعود إلى عدة عوامل، أبرزها الضغط السكاني بعد أحداث تموز، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، واتجاه بعض المالكين إلى بيع منازلهم بدلًا من تأجيرها بسبب الحاجة للمال للسفر، إضافة إلى غياب جهة تنظم سوق الإيجارات وتضع ضوابط واضحة للأسعار.

الترميم مستمر والمخاوف تؤخر عودة الأهالي

تقوم الحكومة بأعمال ترميم وإعادة تأهيل للمنازل المتضررة والبنى التحتية و الخدمات الأساسية في العديد من قرى الريفين الغربي والشمالي كخطة لتتمكن الأهالي من العودة الآمنة إلى قراهم.

لكن لا تزال عائلات كثيرة متخوفة من العودة إلى مناطقها، في ظل استمرار المخاوف الأمنية، “وانعدام الثقة” كما وصفها أحد الأهالي، ما يبقي الضغط قائمًا على مدينة السويداء وسوق الإيجارات فيها.

ومع غياب حلول واضحة، تبقى أزمة السكن في السويداء مرشحة لمزيد من التعقيد، في ظل استمرار ارتفاع الأسعار وصعوبة الوضع المعيشي، ما يضع كثيرًا من العائلات أمام خيارات محدودة، بين البقاء في مراكز الإيواء أو الاعتماد على مبادرات فردية، بانتظار تدخلات أكثر فاعلية تعيد التوازن إلى هذا القطاع الحيوي.

السويداء.. صراع شرعيات وأزمة إدارة

Related



إقرأ المزيد