الأسواق المتنقّلة.. ملاذ ذوي الدخل المحدود في الحسكة
عنب بلدي -

تحولت الأسواق الشعبية المتنقلة في أحياء مدينة الحسكة إلى وجهة رئيسية للسكان الباحثين عن تخفيف أعباء المعيشة، في ظل استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية في الأسواق الرئيسة ومحال البيع داخل المدينة.

ومع تراجع القدرة الشرائية لشريحة واسعة من الأهالي، باتت هذه الأسواق التي تنتقل بين الأحياء وفق أيام محددة من الأسبوع، متنفسًا اقتصاديًا للكثير من العائلات، ولا سيما ذوي الدخل المحدود والنازحين الذين يعتمدون عليها لتأمين احتياجاتهم الأساسية بأسعار أقل من مثيلاتها في المتاجر التقليدية.

وتنتشر الأسواق الشعبية بشكل دوري في أحياء الصالحية والطلائع والمفتي والعزيزية والمشيرفة وغويران، وتحمل أسماء الأيام التي تقام فيها، مثل “سوق السبت” و“سوق الأحد”، في مشهد أصبح جزءًا من الحياة اليومية للسكان.

أسعار أقل وخيارات أوسع

تقول فاطمة المحمد، وهي سيدة خمسينية ترتاد السوق الشعبي في حي الصالحية بشكل أسبوعي، إن الأسواق المتنقلة أصبحت خيارًا أساسيًا لعائلتها بسبب الفارق الكبير في الأسعار مقارنة بالمحال التجارية.

وأضافت لعنب بلدي، أن أسعار الخضار والمواد الأساسية في السوق الشعبي أقل بكثير، موضحةً أن بعض الأصناف تباع بنصف السعر الموجود في المتاجر داخل مركز المدينة.

وأشارت فاطمة إلى أنها تقارن الأسعار بين البسطات قبل الشراء، لأن الفروق قد تكون واضحة حتى داخل السوق نفسه، مضيفةً أن العائلات محدودة الدخل لم تعد قادرة على التسوق من المحال التجارية بشكل دائم.

ولا تقتصر الأسواق الشعبية على بيع الخضار والمواد الغذائية فقط، بل تشمل الألبسة والمفروشات والأدوات المنزلية وبعض المستلزمات اليومية، ما يجعلها سوقًا متكاملًا بالنسبة للكثير من الأهالي.

من جانبها، تقول نوال العلي، وهي من سكان حي غويران، إنها تفضل السوق الشعبي القريب من منزلها لأنه يوفر عليها أجور النقل والوقت، خاصة مع صعوبة التنقل داخل المدينة بسبب الزحام.

وأضافت أن شراء حاجيات أسرتها لوجبة غداء من السوق الشعبي قد يكلف نحو 40 ألف ليرة سورية، بينما تصل كلفة المواد نفسها في السوق الرئيس إلى أكثر من ضعف هذا المبلغ أحيانًا.

ويرى كثير من السكان أن جودة بعض المنتجات المعروضة لا تختلف كثيرًا عن تلك الموجودة في المحال التجارية، في حين يفضل آخرون التركيز على انخفاض السعر حتى لو كانت الجودة أقل نسبيًا، نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة.

مصدر رزق للباعة والنازحين

لا تمثل هذه الأسواق فرصة للتسوق فقط، بل أصبحت أيضًا مصدرًا للعمل والدخل لمئات الباعة الذين وجدوا فيها بديلًا عن الوظائف المفقودة أو الأعمال المحدودة في المدينة.

ويعتمد العديد من الباعة على عرض بضائعهم فوق بسطات أو على الأرصفة والساحات العامة، ضمن أماكن جرى تنظيمها بشكل شبه ثابت منذ سنوات، حيث يعرف كل بائع موقعه واليوم الذي يعمل فيه.

يقول البائع خالد الحمد، إن انخفاض الأسعار يعود إلى غياب التكاليف المرتفعة التي يتحملها أصحاب المحال التجارية، مثل الإيجارات والضرائب وفواتير الخدمات.

وأضاف أن الباعة يعتمدون على هامش ربح بسيط مقابل بيع كميات أكبر من السلع، ما يسمح لهم بالمنافسة وجذب الزبائن في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية.

كما توفر الأسواق المتنقلة فرصًا للنازحين والعاطلين عن العمل، ممن اضطروا للبحث عن أي وسيلة تؤمن دخلًا يوميًا، سواء عبر بيع الخضار أو الملابس المستعملة أو المواد المنزلية البسيطة.

ويشير سكان إلى أن هذه الأسواق توسعت خلال السنوات الأخيرة نتيجة تدهور الأوضاع المعيشية، وازدياد الاعتماد على الأعمال الحرة الصغيرة، في ظل ضعف فرص العمل الرسمية داخل المدينة.

رقابة محدودة وتنظيم ذاتي

تقتصر رقابة الجهات المحلية على متابعة شروط النظافة العامة وضبط المواد الفاسدة أو منتهية الصلاحية، من خلال جولات دورية تنفذها البلدية على الأسواق.

وبحسب باعة وأهالٍ، فإن الأسواق تعتمد إلى حد كبير على التنظيم الذاتي، إذ جرى توزيع أماكن البسطات منذ سنوات بطريقة غير رسمية، واستمرت الآلية نفسها مع توسع النشاط التجاري في الأحياء.

ورغم ما تسببه هذه الأسواق أحيانًا من ازدحام أو إغلاق جزئي لبعض الطرقات، فإن كثيرًا من السكان يعتبرونها ضرورة معيشية لا يمكن الاستغناء عنها في الوقت الحالي.

“تخفف آثار التضخم”

يرى الخبير الاقتصادي عبد الله السلمان، أن انتشار الأسواق الشعبية المتنقلة في مدن محافظة الحسكة يعكس تغيرًا في أنماط الاستهلاك، نتيجة التدهور الاقتصادي وارتفاع معدلات التضخم.

وقال لعنب بلدي، إن هذه الأسواق تؤدي دورًا مهمًا في تأمين السلع الأساسية بأسعار أقل من الأسواق النظامية، لأنها تعتمد على تخفيض النفقات التشغيلية والبيع المباشر للمستهلك.

وأضاف السلمان أن الأسواق الشعبية تسهم أيضًا في خلق دورة اقتصادية محلية صغيرة، من خلال توفير فرص عمل للباعة والعمال وذوي الدخل المحدود، إلى جانب تحريك عمليات البيع والشراء داخل الأحياء.

واعتبر أن استمرار الإقبال على هذه الأسواق يرتبط بتراجع القوة الشرائية للسكان، مشيرًا إلى أن العائلات باتت تبحث بشكل أساسي عن السعر الأقل، حتى على حساب بعض المعايير الأخرى المتعلقة بالجودة أو العلامات التجارية.

وتابع أن هذه الأسواق يمكن أن تتحول إلى عنصر اقتصادي أكثر استقرارًا إذا جرى تنظيمها بشكل أفضل، عبر تخصيص أماكن مناسبة للبسطات وتحسين الرقابة الصحية والخدمية، بما يحقق مصلحة الباعة والمتسوقين معًا.

وفي ظل استمرار الأزمة الاقتصادية وارتفاع أسعار المواد الأساسية، تبدو الأسواق الشعبية المتنقلة في الحسكة أكثر من مجرد ظاهرة تجارية مؤقتة، إذ تحولت بالنسبة لآلاف السكان إلى وسيلة يومية للتكيف مع الظروف المعيشية الصعبة، ومحاولة تأمين الاحتياجات الأساسية بأقل التكاليف الممكنة.

Related



إقرأ المزيد