عنب بلدي - 5/12/2026 7:33:12 PM - GMT (+2 )
أثارت قضية الشابة السورية بتول علوش جدلًا واسعًا خلال الأيام الماضية، تجاوز تفاصيلها الشخصية إلى الطريقة التي جرى التعامل معها بها في الفضاء العام، سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو من خلال الظهور العلني والتغطية الإعلامية المرافقة للقضية.
ومع تصاعد التفاعل حول القضية، برز خطاب ديني وطائفي حاد رافق النقاشات المتداولة، وسط تحذيرات حقوقية من أن يؤدي هذا النوع من الخطاب إلى تعميق الانقسام المجتمعي وتحويل القضية إلى مساحة للاستقطاب والتحريض.
وبينما انشغل جزء من المتابعين بتفسير خيارات الفتاة أو ظروف ظهورها، برزت تساؤلات أخرى تتعلق بسلامتها النفسية، وخصوصيتها، ومدى توفر بيئة محايدة وآمنة للتعبير عن موقفها بعيدًا عن الضغوط الاجتماعية والإعلامية.
خطاب يتجاوز القضية الفرديةمدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، يرى أن الخطاب الديني والطائفي الذي رافق القضية يحمل أبعادًا تتجاوز شخص الفتاة نفسها.
وقال عبد الغني لعنب بلدي، إن هذا النوع من الخطاب “يحوّل الشخص من فرد يمتلك حقوقًا قانونية مستقلة إلى رمز ضمن صراع هويّاتي”، موضحًا أن ذلك يُنتج “بيئة عدائية تجعل أي تحقيق مستقل أو مقاربة حقوقية هادئة أكثر صعوبة”.
وأضاف أن استخدام توصيفات دينية أو طائفية في القضايا الفردية الحساسة لا يمكن اعتباره مجرد نقاش عابر على وسائل التواصل، لما قد يخلقه من تحريض واستقطاب يمسان السلم الأهلي وحقوق المكونات الاجتماعية المختلفة.
معايير لتقييم حرية الإرادةبعيدًا عن الجدل الدائر حول القضية، اعتبر عبد الغني أن نفي الشخص البالغ تعرضه للاختطاف لا يلغي الحاجة إلى التحقق من الظروف التي عبّر فيها عن موقفه.
وأوضح أن “التمييز بين التعبير الحر والتعبير المنتزع تحت الضغط لا يتحقق بمجرد ظهور الشخص ونطقه بعبارات محددة، بل يستلزم تحقيقًا مستقلًا”، مشيرًا إلى أن المعايير الحقوقية الدولية تشدد على احترام إرادة الشخص، بالتوازي مع التأكد من خلو قراره من أي إكراه أو ضغط.
وأشار إلى أن تقييم حرية الإرادة في مثل هذه الحالات يرتبط بعدة معايير، من بينها إجراء مقابلات خاصة وسرية بعيدًا عن أي طرف ذي مصلحة، وضمان معرفة الشخص بحقوقه القانونية، والتأكد من أن تصريحاته لم تُنتزع ضمن أجواء ضغط أو توجيه.
الخصوصية والسلامة النفسيةكما أثار الظهور العلني لبتول علوش في مؤتمر صحفي تساؤلات حقوقية مرتبطة بالخصوصية والسلامة النفسية، خاصة مع حضور عدد كبير من الأشخاص والكاميرات ضمن قضية تحولت إلى شأن عام شديد الحساسية.
وبحسب عبد الغني، فإن المعايير الدولية الخاصة بحماية الضحايا والشهود تشدد على ضرورة توفير “بيئة آمنة وخالية من الضغط” عند التعامل مع القضايا الحساسة، معتبرًا أن عرض شخص في ظروف مشابهة أمام الرأي العام قد يفضي إلى أضرار نفسية أو انتهاكات تتعلق بالخصوصية.
وأضاف أن غياب محامٍ مستقل أو جهة حقوقية محايدة خلال اللقاء يمثل “قصورًا إجرائيًا”، خصوصًا مع تضارب الروايات واتساع الجدل المجتمعي المحيط بالقضية.
“العقوبة الاجتماعية الرقمية”ومع الانتشار الواسع للمقاطع المصورة والتعليقات المرتبطة بالقضية، حذر عبد الغني من تحول التفاعل الرقمي إلى ما وصفه بـ”العقوبة الاجتماعية الرقمية”.
وأوضح أن تداول التسجيلات والتعليقات على نطاق واسع قد يضع الشخص المعني تحت ضغط اجتماعي ونفسي مستمر، سواء كان قد تصرف بحرية كاملة أو كان يعيش ظروفًا معقدة، مضيفًا أن إعادة نشر المحتوى خارج سياق حقوقي وتحقيقي مدروس قد تتحول بحد ذاتها إلى مساهمة في الضرر.
كيف بدأت القضية؟بدأت قضية بتول علوش بعد تداول مقاطع مصورة لعائلتها تحدثت فيها عن اختفائها، قبل أن تظهر لاحقًا في تسجيل مصور قالت فيه إنها “هاجرت في سبيل الله”، ما أثار موجة واسعة من التفاعل والجدل على منصات التواصل الاجتماعي.
ومع اتساع الجدل، ظهرت علوش في مؤتمر صحفي، الاثنين 11 من أيار، أكدت خلاله أنها غادرت منزل عائلتها بإرادتها، ورفضت العودة رغم محاولات وساطة محلية، بينما استمرت عائلتها بالتشكيك بظروف ظهورها والتأكيد على أنها تعرضت لضغط.
لاحقًا، أصدرت مديرية إعلام اللاذقية بيانًا نقلت فيه عن المحامي العام في المحافظة، القاضي أسامة شناق، قوله إن بتول علوش “حرة طليقة”، ولا يوجد أي جرم خطف بحقها، موضحًا أن التحقيقات الأولية أظهرت أنها غادرت منزل عائلتها “بمحض إرادتها”، وأن الأسباب تتعلق بمعتقدها الديني.
وأضاف البيان أن النيابة العامة قررت تركها فورًا بعد إجراء مقابلة “وجاهية” بينها وبين ذويها، مع استكمال إجراءات الضبط أصولًا، داعيًا إلى التحقق من الأخبار عبر المصادر الرسمية ومنع إثارة البلبلة.
ونشرت الصحفية داليا عبد الكريم التي حضرت المؤتمر الصحفي الذي ظهرت فيه علوش رواية عن اللقاء، قالت فيها إن الفتاة “لم تكن مختطفة”، لكنها بدت، بحسب وصفها، “تحت ضغط هائل وفي وضع لا تُحسد عليه”.
وأضافت الصحفية أن علوش رفضت العودة إلى منزل عائلتها رغم محاولات الإقناع والضمانات التي قُدمت لها، معتبرة أن القضية “تحولت بفعل وسائل التواصل الاجتماعي من خلاف عائلي إلى قضية رأي عام”، مشيرة إلى أن ما جرى يعكس حاجة أوسع إلى فتح مساحات حوار داخل العائلات والمجتمع بدلًا من التحريض والاستقطاب.
تقارير حول اختطاف نساء علوياتيأتي الجدل المرافق لقضية بتول علوش في سياق نقاش أوسع شهدته سوريا خلال الأشهر الماضية، بعد تقارير حقوقية وتحقيقات صحفية دولية تحدثت عن حالات اختفاء وخطف طالت نساء وفتيات من الطائفة العلوية في مناطق مختلفة من البلاد.
في تموز 2025، قالت منظمة العفو الدولية، إنّها تلقت “تقارير موثوقة” حول اختفاء أو خطف عشرات النساء والفتيات العلويات في محافظات اللاذقية وطرطوس وحمص وحماة، داعية السلطات السورية إلى إجراء تحقيقات مستقلة وفعالة في تلك الحالات.
في المقابل، المتحدث باسم وزارة الداخلية، نور الدين البابا، قال خلال مؤتمر صحفي إن لجنة شكلتها الوزارة تابعت عشرات البلاغات المتعلقة باختفاء نساء في عدة محافظات، وإن التحقيقات أظهرت أن “حالة واحدة فقط” ثبت فيها وقوع جريمة خطف، بينما أُعيدت بقية الحالات، وفق الرواية الرسمية، إلى أسباب مختلفة بينها الخلافات العائلية أو المغادرة الطوعية.
كما نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية تحقيقًا صحفيًا، في 3 من نيسان الماضي، تحدث عن وجود عمليات اختطاف ممنهجة طالت نساء وفتيات من الطائفة العلوية منذ سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024.
وذكرت “نيويورك تايمز” أنها أجرت مقابلات مع عشرات الأشخاص من الطائفة العلوية، منهم من قالوا إنهم تعرضوا للاختطاف، إضافة إلى أقاربهم وأشخاص آخرين مطلعين على القضايا.
ووفقًا للصحيفة، وثق التحقيق اختطاف 13 امرأة وفتاة من الطائفة العلوية، إلى جانب رجل وصبي، مؤكدًا أن خمسًا من النساء المختطفات تعرضن للاغتصاب، فيما عادت اثنتان إلى منزليهما وهما حاملتان.
في حين أصدرت وزارة الإعلام السورية بيانًا، انتقدت فيه تحقيق “نيويورك تايمز”، ونفت ما جاء فيه مستندة إلى مراجع رسمية وأسس تحقيقية، لوزارة الداخلية السورية.
كما اتهم البيان الصحيفة بالاعتماد على “شهادات مجهولة” و”بناء سردي” يفتقر إلى معايير الصحافة المهنية.
Related
إقرأ المزيد


