عنب بلدي - 5/15/2026 9:58:10 AM - GMT (+2 )
برز خلال السنوات الماضية في مناطق سيطرة “الإدارة الذاتية” و”قوات سوريا الديمقراطية” شمال شرقي سوريا مشهد إعلامي واسع يتكون من وكالات أنباء وقنوات تلفزيونية وإذاعات ومواقع إلكترونية، بات يشكّل أحد أهم أدوات نقل الخطاب السياسي والعسكري لـ”الإدارة الذاتية”، وفي الوقت نفسه مساحة جدل حول حدود المهنية والاستقلالية.
وتضم هذه المنظومة مؤسسات متعددة، من بينها وكالة “هاوار”، وقناة وصحيفة “روناهي”، وقناة “اليوم”، ووكالة “جينها”، ووكالة “نورث برس”، إضافة إلى إذاعات محلية مثل “خابور” و“أوركيش”، حيث تتقاطع هذه الوسائل في تغطية الملفات السياسية والعسكرية، رغم اختلاف أساليبها التحريرية.
ويقول الصحفي والباحث السوري سامر الأحمد إن فهم هذا المشهد “لا يمكن فصله عن البنية السياسية والأمنية التي تعمل ضمنها هذه المؤسسات”، مشيرًا إلى أن الإعلام في مناطق الإدارة الذاتية “نشأ وتطور ضمن سياق صراع طويل، ما جعله مرتبطًا بالخطاب السياسي العام”.
في المقابل، يرى صحفي كردي من الحسكة، فضّل عدم ذكر اسمه، أن هذه المنظومة “لا تُفهم فقط من زاوية البنية السياسية، بل أيضًا من زاوية السيطرة على المجال الإعلامي”، موضحًا أن الإعلام “يعمل ضمن مستويات مختلفة، بعضها حزبي مباشر وبعضها الآخر يُقدَّم كمستقل لكنه يتحرك داخل البيئة نفسها”.
خطاب موحد بين السياسة والإعلامتُظهر متابعة المواد الإعلامية الصادرة عن وسائل الإعلام القريبة من “الإدارة الذاتية” وجود تقاطع واضح في المصطلحات المستخدمة، سواء في تغطية الملفات العسكرية أو السياسية أو الإدارية، مع استمرار استخدام توصيفات مثل “مرتزقة الاحتلال التركي” عند الحديث عن الجيش الوطني السوري، أو توصيفات سياسية مرتبطة بالمعارضة السورية السابقة.
ويقول سامر الأحمد إن هذا التشابه في الخطاب “ليس مجرد صدفة لغوية، بل يعكس وحدة في المرجعية السياسية التي تنتج هذه اللغة”، موضحًا أن “اللغة الإعلامية هنا مرتبطة بتجربة حرب طويلة أنتجت مفرداتها الخاصة”.
أما الصحفي الكردي فيرى أن هذا التشابه “ناتج عن سقف سياسي غير معلن”، مضيفًا أن الصحفيين “يدركون مسبقًا حدود النقد المسموح والخطوط الحمراء، ما يؤدي إلى إنتاج خطاب متقارب حتى دون تعليمات مباشرة”.
ويضيف أن “غياب التوجيه اليومي لا يعني غياب السيطرة، بل وجود إطار عام يضبط العمل الإعلامي ويحدد اتجاهه”.
المهنية بين التطوير والحدود السياسيةتحاول بعض المؤسسات الإعلامية، مثل وكالة “نورث برس”، تقديم نفسها كمنصة أكثر مهنية واستقلالية، عبر اعتماد لغة صحفية أقل حدة مقارنة بوسائل أخرى مثل وكالة “هاوار” أو قناة “روناهي”. كما تعتمد قناة “اليوم” أسلوبًا أقرب إلى هذا النموذج المهني.
ويرى سامر الأحمد أن هذه الفروقات “تتعلق بدرجة الاحتراف في تقديم الخطاب أكثر من اختلافه”، موضحًا أن “بعض المؤسسات طورت أدواتها الصحفية خلال الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، خصوصًا مع الانفتاح على الإعلام الدولي”.
في المقابل، يؤكد الصحفي الكردي أن هذه المهنية “تبقى شكلية في بعض الحالات”، موضحًا أن “الاختلاف في الأسلوب لا يغير من حقيقة أن الخطوط السياسية الكبرى تبقى واحدة، خاصة في القضايا الحساسة”.
ويضيف أن “المهنية تتراجع بشكل واضح عند الملفات الأمنية والعسكرية، حيث يصبح الخطاب أقرب إلى التعبئة منه إلى الصحافة”.
تأثير غير متوازن داخل المجتمعيرى سامر الأحمد أن تأثير وسائل الإعلام هذه “ليس موحدًا داخل مناطق شمال شرقي سوريا”، موضحًا أن حضورها يكون أقوى في المناطق الكردية بسبب النفوذ السياسي والإداري لـ “الإدارة الذاتية”.
أما في مناطق دير الزور والرقة وأجزاء من الحسكة ذات الغالبية العربية، فيقول الأحمد إن “التعامل مع هذه الوسائل يكون براغماتيًا أكثر”، حيث يتابعها السكان للحصول على المعلومات الخدمية دون تبني روايتها السياسية.
ويضيف الصحفي الكردي أن هذا التفاوت “مرتبط أيضًا بالثقة السياسية”، موضحًا أن “جزءًا من الجمهور يتابع هذه الوسائل باعتبارها المصدر الرسمي الوحيد للمعلومات، بينما يتعامل معها آخرون بحذر أو مسافة نقدية”.
شهادات من داخل المؤسسات الإعلاميةيقول صحفي سابق عمل في إحدى المؤسسات الإعلامية التابعة لـ “الإدارة الذاتية” في الرقة، وعرّف نفسه باسم “علي”، إن العمل الإعلامي “لم يكن قائمًا على اجتهادات فردية”، بل كان يخضع لـ“سقف سياسي واضح”.
سامر الأحمد يرى أن هذا النوع من التنظيم “أقرب إلى بيئة إعلامية مرتبطة بالسلطة السياسية، حيث تتداخل السياسة بالإعلام بشكل كبير”، مشيرًا إلى أن “هذا لا يلغي وجود محاولات مهنية داخل بعض المنصات”.
في المقابل، يرى الصحفي الكردي أن هذه الشهادات “تعكس جانبًا مهمًا من الواقع”، موضحًا أن “وجود تعليمات غير مباشرة أو مباشرة يحدّ من حرية التحرير، حتى لو اختلفت درجة التطبيق بين مؤسسة وأخرى”.
ويؤكد أن “بعض المصطلحات كانت تُفرض بشكل إلزامي، خاصة في القضايا السياسية والعسكرية”.
علاقة الإعلام بالبنية السياسيةفي حديث “علي” يتكرر اسم القيادي في حزب الاتحاد الديمقراطي، آلدار خليل، في سياق الحديث عن إدارة الملف الإعلامي، رغم عدم وجود هيكلية رسمية معلنة تحدد طبيعة هذه العلاقة.
ويقول سامر الأحمد إن “الإعلام في هذه الحالة جزء من بنية سياسية أوسع”، موضحًا أن “المؤسسات الإعلامية تعمل ضمن شبكة نفوذ مرتبطة بـ “الإدارة الذاتية”، ما يجعل الفصل بين الإعلام والسياسة أمرًا معقدًا”.
في المقابل، يرى الصحفي الكردي أن العلاقة “ليست فقط سياسية بل تنظيمية أيضًا”، مضيفًا أن “كوادر حزب العمال الكردستاني تسيطر على مفاصل القرار، ما يجعل الإعلام جزءًا من منظومة متكاملة لإدارة الخطاب العام”.
اتهامات بالقيود على العمل الصحفيواجهت “الإدارة الذاتية” انتقادات متكررة من منظمات حقوقية، بينها “مراسلون بلا حدود”، بشأن قيود على حرية الصحافة واعتقالات طالت صحفيين خلال السنوات الماضية.
ويقول سامر الأحمد إن هذه الاتهامات “تعكس وجود إشكال حقيقي في البيئة الإعلامية”، لكنه يضيف أن “جزءًا من ذلك مرتبط بطبيعة الصراع المستمر وعدم استقرار المنطقة”.
أما الصحفي الكردي فيذهب أبعد من ذلك، مؤكدًا أن “التضييق على الصحفيين قائم بشكل واضح”، مشيرًا إلى أن “بعض الصحفيين تعرضوا لاعتقالات أو تهديدات بسبب تغطيات ناقدة”.
ويضيف أن “غياب قانون إعلامي مستقل يجعل البيئة الإعلامية عرضة للضبط الأمني والسياسي”.
من إعلام الحرب إلى إعلام الإدارةيرى سامر الأحمد أن الحرب ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” شكّلت “نقطة تحول أساسية” في تطور الإعلام في شمال شرقي سوريا، حيث تحولت وسائل إعلام محلية محدودة إلى شبكة واسعة متعددة اللغات.
ويضيف أن هذا التحول جعل الإعلام “جزءًا من سردية الحرب وبناء الشرعية السياسية والعسكرية لـقوات سوريا الديمقراطية”.
في المقابل، يرى الصحفي الكردي أن هذا التحول “لم يكتمل باتجاه إعلام إدارة ومساءلة”، موضحًا أن “الإعلام بقي أقرب إلى أدوات التعبئة، ولم يتحول إلى سلطة رقابية مستقلة”.
النقد وحدوده داخل المنظومة الإعلاميةيتفق الطرفان على وجود نقد محدود داخل وسائل الإعلام التابعة لـ “الإدارة الذاتية”، لكنهما يختلفان في تفسير حدوده.
يقول سامر الأحمد إن “النقد موجود لكنه محدود بالملفات الخدمية والإدارية”، مشيرًا إلى أن “القضايا الأمنية والعسكرية تبقى خارج نطاق النقد الجاد”.
أما الصحفي الكردي فيؤكد أن “النقد يتوقف بالكامل عند الملفات الحساسة”، مضيفًا أن “حتى المواضيع البسيطة قد تخضع لاعتبارات سياسية إذا ارتبطت بالسياق العام”.
تحديات مهنية وأمنيةيواجه الصحفيون في شمال شرقي سوريا، وفق الطرفين، مجموعة من التحديات تشمل الضغوط الأمنية، وضعف التمويل، وغياب المؤسسات المستقلة، إضافة إلى التهديدات المرتبطة بالعمل في مناطق نزاع.
ويقول سامر الأحمد إن “أبرز التحديات هي استمرار عدم الاستقرار وغياب بيئة إعلامية آمنة ومستقلة بالكامل”.
في المقابل، يشدد الصحفي الكردي على أن “التحدي الأكبر هو التوازن بين السلامة الشخصية والاستقلال المهني”، في ظل بيئة “يُنظر فيها إلى الإعلام كجزء من الصراع السياسي”.
تعددية إعلامية داخل سقف واحدبين رأي سامر الأحمد الذي يركز على البنية السياسية والتاريخية للإعلام، ورؤية الصحفي الكردي التي تشدد على حدود الحرية والسقف غير المعلن، يتضح أن المشهد الإعلامي في مناطق “الإدارة الذاتية” يجمع بين تعددية في المنصات ووحدة في الإطار العام.
فبينما يرى الأحمد أن التطور المهني موجود لكنه محكوم بالسياق السياسي، يعتبر الصحفي الكردي أن هذا السياق نفسه هو ما يحدد جوهر العمل الإعلامي ويحد من استقلاليته.
وبين هذين التصورين، يبقى الإعلام في شمال شرقي سوريا مساحة تتقاطع فيها السياسة بالصحافة، وتتداخل فيها الرواية مع الخبر، في بيئة لم تستقر بعد على نموذج إعلامي واضح بين المهنية والتعبئة.
Related
إقرأ المزيد


