طاقة محدودة وإقبال متزايد.. فجوة تعوق عمل مستشفى “حماة الوطني”
عنب بلدي -

يواجه مستشفى “حماة الوطني” تحديات متفاقمة تعكس أزمة القطاع الصحي في المدينة، فالمستشفى الحكومي الوحيد الذي يخدم مئات آلاف السكان يعمل بإمكانات محدودة أمام أعداد متزايدة من المرضى، بينما يجد الأهالي أنفسهم عالقين بين الحاجة للعلاج وواقع خدمي يزداد إنهاكًا يومًا بعد آخر.

المستشفى الذي يخدم قرابة 1.5 مليون نسمة، ويستقبل نحو 75% من مرضى الأرياف والمحافظات المجاورة التي دمرت الحرب مرافقها الصحية، يعاني ضغطًا يفوق طاقته الاستيعابية بأضعاف.

ويروي أهالي حماة قصص معاناة الانتظار الطويلة، وأجهزة طبية معطلة، وأسرّة لا تكفي.

انتظار طويل وخدمات متواضعة

“أصعب ما تواجهه في المستشفى الوطني بحماة هو فترات الانتظار الطويلة التي تمتد لساعات بحثًا عن سرير شاغر”، هذا ما قاله حسن المحمد، من سكان مدينة حماة، واصفًا حالة المستشفى.

وأضاف حسن لعنب بلدي أن قسم الإسعاف مكتظ، ويضطر الطاقم الطبي إلى متابعة حالات حرجة على عربات الإسعاف نفسها.

أما زيد حسين، وهو من سكان المدينة أيضًا، فاشتكى من تعطل الأجهزة الطبية، وقال لعنب بلدي، إن المريض إذا كان بحاجة لصورة “طبقي محوري” أو “رنين مغناطيسي”، يُفاجأ بأن الجهاز معطل لأيام بانتظار الصيانة، ويُحوّل إلى المستشفيات الخاصة حيث تفوق التكلفة قدرته المالية.

ولا تقف المعاناة عند هذا الحد، إذ تطرق زيد إلى موضوع النظافة في المستشفى بقوله، “دورات مياه غير صالحة للاستخدام في أوقات الذروة، وممرات بحاجة للكنس، وتهالك البنية التحتية من بلاط متكسر وجدران متسخة يضاعف الإحساس بعدم النظافة مهما بذل العمال من جهد”.

300 سرير لـ1.5 مليون نسمة

مدير مستشفى “حماة الوطني”، محمود مخيبر، تحدث لعنب بلدي عن التحديات التي تواجه المستشفى والحلول المؤقتة التي تدير بها إدارة المستشفى الأزمة.

وقال مخيبر، إن أبرز تحدٍّ يومي هو أن عدد الأسرّة الفعلي (300 سرير) لا يتناسب مع حجم الإقبال، مضيفًا، “متوسط الإشغال يتجاوز طاقتنا بشكل دائم، فنضطر أحيانًا لوضع أسرّة إضافية في الأماكن غير المخصصة أو علاج بعض الحالات الحرجة على عربة الإسعاف نفسها، ونشهد يوميًا عشرات الحالات التي تنتظر ساعات طويلة في قسم الإسعاف بحثًا عن سرير شاغر”.

أما عن المستلزمات الطبية، فهناك نقص في مواد التعقيم ومستلزمات الجراحة نتيجة محدودية الميزانية وتأخر وصول الدفعات من المستودعات المركزية، بحسب مدير المستشفى.

وأرجع مخيبر تفاقم الأزمة إلى ثلاثة أسباب هي:

  • المستشفى هو الحكومي الوحيد في المدينة، ويقدم خدماته لقرابة 1.5 مليون نسمة، ويستقبل نحو 75% من مرضى الأرياف والمحافظات المجاورة التي دمرت الحرب مرافقها الصحية.
  • قِدم البناء وتهالك البنية التحتية في بعض الأقسام يطيل فترة بقاء المريض، ما يخفض معدل دوران الأسرة.
  • توقف عجلة الاقتصاد بعد 14 عامًا من الحرب جعل الدعم الوزاري دون الحاجة بكثير، والاعتمادات المالية لا تواكب تكاليف السوق المتضخمة.

ورغم ذلك، أكد مخيبر أن الإدارة تنسق مع لجان المجتمع المحلي والمنظمات غير الحكومية للحصول على دفعات طارئة، وتتبع نظام فرز صارم في الإسعاف لإعطاء الأولوية للحالات الحرجة.

النظافة دون المستوى المطلوب

بخصوص شكاوى النظافة، قال مدير المستشفى إن الوضع الحالي “ليس بالمستوى الذي نطمح إليه، وهذا أمر لا نتهرب من الاعتراف به”.

وعزا مخيبر العوامل التي تجعل الحفاظ على نظافة مثالية تحديًا مستمرًا إلى قدم المبنى وشبكات الصرف الصحي المتهالكة ونقص عمال النظافة والمنظفات، والضغط الهائل للمراجعين والمرافقين.

وتطرق مدير المستشفى إلى عدد من الإجراءات المتخذة، ومنها وضع جداول نظافة صارمة ومتابعتها يوميًا، وتشديد الرقابة على استخدام المطهرات، وإشراك المجتمع المحلي عبر مبادرات تطوعية، وتركيز الوعي الداخلي لدى الكوادر بأهمية النظافة.

وأضاف، “نعلم أن الحل الجذري يحتاج إلى تمويل لتأهيل البنية التحتية وزيادة أفراد النظافة، وهذا ما نضعه في رأس قائمة الاحتياجات التي نرفعها للوزارة”.

وعن شكاوى التعامل مع المرضى، قال مخيبر إنه نتيجة لضغط العمل والإرهاق ونقص الكادر “قد يفقد بعض الزملاء صبرهم، وهذا لا يعكس قيم مهنتنا ولا نبرره”.

وأكد وجود آلية واضحة للتعامل مع الشكاوى عبر مكتب شؤون المرضى وصندوق الاقتراحات، حيث تُوثّق كل شكوى ويُفتح فيها تحقيق إداري، وتُتخذ الإجراءات التأديبية بحق المقصرين وفق النظام الداخلي، كما تُعقد ورشات داخلية دورية حول أخلاقيات المهنة ومهارات التواصل مع المريض.

إجراءات لضبط نتائج التحاليل

أما فيما يتعلق بدقة نتائج التحاليل وزمن الحصول عليها، فأقرّ مخيبر بوجود تحديات متشابكة تتمثل بالأجهزة القديمة التي يعمل بعضها منذ أكثر من 15 عامًا، وقلة عدد فنيي المخبر مما يسبب ضغطًا هائلًا، وتأخر توريد المستلزمات من المستودعات المركزية وضعف تنسيق الصيانة لعدم وجود عقود شاملة.

وقال، “المواطن يلمس في بعض الأحيان تأخرًا وبعض التباين، وهذا حقيقي، ونحن نسعى كل يوم لضمان أقصى درجات الدقة الممكنة”.

ولضبط الجودة، يطبق المستشفى برنامجًا داخليًا للمراقبة باستخدام عينات ضابطة، ويعتمد مبدأ “التحقق المزدوج” لأي نتيجة حرجة، مع وجود مسؤول جودة في المخبر يراجع دوريًا دفاتر الصيانة والمعايرة، بحسب مدير المستشفى.

 1000 مراجع يوميًا

كشف مدير المستشفى عن فجوة هائلة بين الطاقة الاستيعابية وحجم الإقبال، ففي حين يضم المستشفى 300 سرير فقط، يراجعه يوميًا بمعدل وسطي 1000 مريض بين الإسعاف والعيادات التخصصية ومرضى التسريب والعلاج الكيماوي وغسل الكلى.

ولمواجهة هذه الفجوة بأقل التكاليف، أشار مخيبر إلى أن الإدارة تتّبع  عدة مسارات: تطبيق نظام “الفرز المتقدم” في الإسعاف لتوجيه الحالات البسيطة إلى مراكز الرعاية الأولية، تفعيل “الجراحة اليومية” للحالات التي لا تتطلب المبيت، إعادة هندسة جداول المناوبات لتغطية أوقات الذروة، والاستفادة من أطباء الامتياز والمقيمين الجدد كقوة عمل مساعدة.

لكنه وصف هذه الإجراءات بأنها “حلول مؤقتة” أشبه بـ”جراحة ميدانية لإدارة الموارد”، مؤكدًا أن الحل الجذري يحتاج رفدًا حكوميًا ودوليًا كبيرًا.

الاحتياجات العاجلة

تتركز الاحتياجات العاجلة، بحسب مخيبر، في ثلاثة محاور: أجهزة طبية (جهاز رنين مغناطيسي حديث، جهاز طبقي محوري جديد، أجهزة تنفس صناعي، أوتوكلاف تعقيم مركزي)، ومستلزمات طبية وأدوية متنوعة، وكادر بشري متزايد من التمريض وفنيي التخدير والأشعة والمخبر.

وعن استجابة الجهات المعنية، قال، “الوزارة والمحافظة شريكان نعمل معهما يدًا بيد، يقدمون ما استطاعوا من دعم، لكن هذا الدعم لا يرقى إلى 30% من الحد الأدنى للاحتياج، وليس تقصيرًا منهم بل لأن الأزمة الاقتصادية أعمق من قدرات الجميع”.

استحداث أقسام جديدة

أشار مدير المستشفى إلى إجراءات يتم العمل عليها، إذ كشف عن أعمال ترميم كامل لاستحداث شعبة الأمراض العصبية وشعبة العناية الداخلية العصبية وقسم خاص لمرضى القدم السكرية، إضافة إلى ترميم شامل لقسم الإسعاف الخارجي مع توسعته وإضافة 20 سرير قبول مؤقت.

كما لفت إلى وصول دعم من حملة “فداء لحماة”، أسهم في صيانة أجهزة التصوير الشعاعي بالرنين المغناطيسي والطبقي المحوري، معربًا عن أمله في استمرار مثل هذه المبادرات لأن “أثرها يذهب مباشرة إلى صميم معاناة المواطن”، بحسب تعبيره.

ودعا مدير المستشفى إلى تشكيل “مجلس مساندة صحية” مشترك يضم صحفيين ووجهاء أحياء ومتطوعين، وإطلاق حملات مناصرة لتأمين الأجهزة المعطلة، وتنظيم أيام تطوعية لتحسين بيئة المستشفى.

Related



إقرأ المزيد