فلاحو الحسكة يشكون غياب اتحاد الفلاحين.. الاتحاد يبرر بالعوائق
عنب بلدي -

تعيش محافظة الحسكة، التي طالما وُصفت بأنها “سلة غذاء سوريا”، واحدة من أكثر المراحل الزراعية تعقيدًا منذ عقود، في ظل تراجع الدعم الحكومي، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وغياب التمويل الزراعي، إلى جانب استمرار حالة عدم الاستقرار الإداري والسياسي في المحافظة.

وفي خضم هذه التحولات، يبرز سؤال متكرر بين الفلاحين: أين دور “اتحاد الفلاحين” في الدفاع عن مصالحهم؟ وهل لا يزال قادرًا على تمثيلهم في مرحلة تشهد تغييرات واسعة بعد سقوط نظام الأسد وإعادة تشكيل المؤسسات الرسمية والنقابية؟

ورغم تأكيد رئاسة الاتحاد في الحسكة استمرار العمل التنظيمي والتواصل مع الجهات الرسمية، فإن كثيرًا من الفلاحين يرون أن دور الاتحاد بات محدودًا، وأن تأثيره على القرارات الزراعية يكاد يكون غائبًا، في وقت تتفاقم فيه أزمات القطاع الزراعي عامًا بعد آخر.

“لم نعد نرى الاتحاد كما كان”

قال الفلاح جمعة الخلف، من ريف الحسكة الشمالي، إن الفلاحين في الحسكة لم يعودوا يشعرون بوجود حقيقي لاتحاد الفلاحين في حياتهم اليومية، مضيفًا أن الاتحاد “تحول إلى جهة تنظيمية أكثر من كونه جسمًا يدافع عن الفلاحين أو يضغط لتحسين واقعهم”.

وأضاف الخلف، في حديثه إلى عنب بلدي، أن الفلاح اليوم يواجه ارتفاعًا غير مسبوق في أسعار البذار والأسمدة والمحروقات، بينما تغيب أي جهة قادرة على فرض سياسات تحمي المنتج الزراعي أو تؤمن الحد الأدنى من الدعم.

وتساءل الخلف عن أسباب غياب الاتحاد عن الملفات الأساسية المرتبطة بالزراعة في الحسكة، مثل تسعير المحاصيل، وتأمين مستلزمات الإنتاج، وتعويض المتضررين من الجفاف، معتبرًا أن الفلاحين “يُتركون وحدهم في مواجهة الخسائر”.

وأشار إلى أن المحافظة، رغم إمكانياتها الزراعية الكبيرة، تعاني غياب خطة زراعية واضحة، الأمر الذي انعكس على تراجع المساحات المزروعة وانخفاض الإنتاج خلال السنوات الأخيرة.

هذه التساؤلات يرد عليها رئيس اتحاد الفلاحين في الحسكة، عبد الحميد الكركو، بالقول إن الظروف التي تعيشها المحافظة “تجعل تجاوز التحديات الزراعية أمرًا بالغ الصعوبة”، موضحًا أن الواقع الحالي لا يسمح بتنفيذ خطط حكومية أو زراعية متكاملة كما هو الحال في بقية المحافظات السورية.

وقال الكركو إن التحديات “كبيرة وكثيرة”، مضيفًا أن استمرار الأوضاع الحالية في الحسكة يحد من قدرة المؤسسات والمنظمات الزراعية على القيام بدورها الكامل، لكنه أبدى تفاؤله بأن “الأيام المقبلة ستكون أفضل” في حال تحقق الاستقرار في المحافظة.

تحولات ما بعد سقوط النظام

التغيرات السياسية التي شهدتها سوريا بعد سقوط نظام الأسد انعكست على مختلف المؤسسات النقابية والتنظيمية، ومنها اتحاد الفلاحين، الذي كان طوال عقود مرتبطًا بشكل مباشر بحزب البعث وهيكليته السياسية.

وفي هذا السياق، قال الكركو إن الاتحاد شهد “تغيرات إيجابية” بعد سقوط النظام، موضحًا أن المنظمة كانت سابقًا “تخضع لوصاية وإشراف حزب البعث”، الأمر الذي كان يقيّد قدرتها على اتخاذ القرارات أو تمثيل الفلاحين بحرية.

وأضاف أن الهيكلية التنظيمية بقيت كما هي من حيث التسلسل الإداري، “لكن تمت إعادة صياغة تشكيل القيادات بحيث أصبحت المنظمة العليا تشرف على المنظمات الأدنى دون وصاية من أي جهة سياسية”.

وبحسب الكركو، فإن العلاقة بين الاتحاد والفلاحين “ما تزال جيدة”، مشيرًا إلى أن الاتحاد يعمل على نقل هموم الفلاحين ومطالبهم إلى الجهات المعنية محليًا ومركزيًا، مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصية وضع الحسكة مقارنة ببقية المحافظات.

لكن فلاحين في المحافظة يرون أن هذه التغييرات لم تنعكس فعليًا على أرض الواقع، وأن الفلاح ما يزال يفتقد إلى جسم نقابي قادر على انتزاع حقوقه أو التأثير في السياسات الزراعية.

“الاتحاد لا يملك أدوات الضغط”

من جهته، قال الفلاح خالد العلي، من ريف الحسكة الجنوبي، إن المشكلة الأساسية لا تتعلق بوجود الاتحاد من عدمه، بل بقدرته على التأثير.

وأضاف لعنب بلدي أن الفلاحين يسمعون باستمرار عن اجتماعات ومطالبات ومراسلات، “لكن لا توجد نتائج ملموسة على الأرض”، معتبرًا أن الاتحاد لا يمتلك اليوم أدوات ضغط حقيقية تدفع الجهات المعنية إلى الاستجابة لمطالب الفلاحين.

وأشار العلي إلى أن أبرز ما يحتاجه الفلاح اليوم هو التمويل الزراعي وتأمين المحروقات وشراء المحاصيل بأسعار عادلة، لافتًا إلى أن كثيرًا من المزارعين باتوا عاجزين عن الاستمرار في الزراعة بسبب ارتفاع التكاليف مقارنة بالعائد.

وتابع أن السنوات الأخيرة شهدت عزوفًا متزايدًا عن زراعة بعض المحاصيل الاستراتيجية، في ظل غياب سياسة سعرية مستقرة، الأمر الذي أدى إلى تراجع الإنتاج الزراعي في المحافظة.

وفي رد متصل بهذه الانتقادات، أكد الكركو أن مطالب الفلاحين الأساسية تتمثل في دعم مستلزمات الإنتاج الزراعي، وتأمين القروض المصرفية، واعتماد سياسة تسعير “متوازنة” للمحاصيل الزراعية تحقق هامش ربح يساعد الفلاح على مواجهة أعباء المعيشة.

وأضاف أن الاتحاد يطالب أيضًا بإشراك ممثلي الفلاحين في جميع القرارات المتعلقة بالقطاع الزراعي، “من خلال تنظيمهم الشعبي الاتحاد العام للفلاحين وعلى مختلف المستويات”.

زراعة متراجعة ودعم محدود

ويجمع فلاحون في الحسكة على أن القطاع الزراعي يشهد تراجعًا واضحًا مقارنة بما كانت عليه المحافظة قبل سنوات، سواء من حيث المساحات المزروعة أو حجم الإنتاج.

ويربط كثيرون هذا التراجع بعوامل متعددة، بينها الجفاف، وارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج، وضعف البنية التحتية الزراعية، إلى جانب غياب التنسيق بين الجهات المسيطرة على الأرض والمؤسسات الرسمية المعنية بالزراعة.

وفي تقييمه لواقع الزراعة، قال الكركو إن القطاع الزراعي في الحسكة “تراجع بشكل كبير”، مرجعًا ذلك إلى “غياب الجهات الرسمية المعنية بالمسألة الزراعية”، وعدم القدرة على تنفيذ الخطط الزراعية الحكومية في المحافظة.

وأوضح أن الحسكة اليوم تفتقد إلى خطة زراعية واضحة لأي محصول، كما تعاني غياب التمويل المصرفي والخدمات الزراعية الأساسية، الأمر الذي انعكس سلبًا على الفلاحين والإنتاج الزراعي.

وأشار إلى أن الاتحاد يواصل مراسلة الجهات المعنية لنقل مطالب الفلاحين ومشكلاتهم، مؤكدًا أن المنظمة تسعى إلى معالجة القضايا الزراعية “حسب الإمكانيات المتاحة”.

ورغم هذا الواقع، يعتقد الكركو أن الحسكة ما تزال قادرة على استعادة مكانتها الزراعية، واصفًا المحافظة بأنها “السلة الغذائية لسوريا”.

هل تستعيد الحسكة دورها الزراعي؟

عبد الحميد الكركو أشار إلى أن استعادة الحسكة لمكانتها الزراعية تتطلب “تحقيق بعض المطالب”، في مقدمتها الاستقرار وعودة المحافظة إلى العمل ضمن مؤسسات الدولة بشكل كامل.

وأضاف أن الفلاحين مستعدون لزيادة الإنتاج “رغم المعوقات والعراقيل”، لأن مسؤوليتهم الأساسية تتمثل في تأمين الغذاء للسوريين وتحقيق الاكتفاء الذاتي.

كما دعا الجهات الرسمية والمنظمات المحلية والدولية إلى الاهتمام بالقطاع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني، ودعم المشاريع التعاونية والإنتاجية، وتطوير استراتيجيات التسويق الزراعي، إلى جانب تقديم القروض للمشاريع الصغيرة والمتوسطة في الريف.

وأكد الكركو أهمية إدخال أساليب الري الحديثة واستنباط أصناف بذور تتناسب مع طبيعة المنطقة وتتحمل الظروف المناخية، بما يساعد على رفع الإنتاج وتحسين جودته.

فجوة بين الخطاب والواقع

ورغم استمرار خطاب التفاؤل الرسمي بإمكانية تعافي القطاع الزراعي في الحسكة، يرى كثير من الفلاحين أن الواقع الحالي ما يزال بعيدًا عن هذه الطموحات، في ظل غياب خطوات عملية تعيد الثقة إلى المزارعين.

ويعتقد كل من جمعة الخلف وخالد العلي أن اتحاد الفلاحين يقف اليوم أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرته على التحول من إطار تنظيمي تقليدي إلى جسم نقابي قادر على الدفاع عن مصالح المزارعين في مرحلة مليئة بالتحولات السياسية والاقتصادية.

وبينما يؤكد الاتحاد استمراره في نقل مطالب الفلاحين والتواصل مع الجهات المعنية، يطالب مزارعون بأن ينعكس هذا الحراك على إجراءات ملموسة تتعلق بالدعم والتسعير والتمويل الزراعي.

وفي محافظة يعتمد جزء كبير من سكانها على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل، تبدو الحاجة ملحّة اليوم إلى إعادة بناء العلاقة بين الفلاح ومؤسساته الزراعية، في وقت تواجه فيه الحسكة تحديات معيشية واقتصادية متزايدة، تجعل مستقبل الزراعة فيها مرتبطًا بقدرة هذه المؤسسات على استعادة دورها وتأثيرها الفعلي على الأرض.

Related



إقرأ المزيد