عنب بلدي - 5/24/2026 2:53:21 PM - GMT (+2 )
عنب بلدي – شعبان شاميه
تتجاوز مرحلة المراهقة المفهوم التقليدي القائم على التغيرات الجسدية والعمرية، لتشكل مرحلة هدم وإعادة بناء للهوية النفسية والاجتماعية للإنسان.
في هذا السياق، كشفت الاستشارية النفسية الأسرية الدكتورة هبة كمال العرنوس، في حديث إلى عنب بلدي، أن السلوكيات الاندفاعية والمتناقضة للمراهق ترتبط مباشرة بعدم اكتمال نضج الدماغ، وتحديدًا المراكز المسؤولة عن اتخاذ القرار والتحكم بالانفعالات، لذلك يكون أكثر اندفاعًا وأكثر حساسية للنقد وأكثر تأثرًا بالرفض الاجتماعي مقارنة بالبالغين.
وأشارت العرنوس إلى أن المراهق يعيش صراعًا داخليًا حادًا يُترجم على شكل تناقضات سلوكية، تتأرجح بين الرغبة في التحرر والاستقلال وبين الحاجة إلى الأمان والاحتواء، فقد يطلب الحرية ثم يغضب عندما يشعر بالإهمال، وقد يرفض النصيحة لكنه في داخله يبحث عمن يفهمه ويطمئنه.
كما تبدو مراهقة هذا الجيل أكثر تعقيدًا من الأجيال السابقة، بحسب الاستشارية، لأن مراهق اليوم لا يعيش فقط داخل أسرته أو مدرسته، بل داخل عالم رقمي مفتوح يعمل على مدار الساعة، إذ يتعرض يوميًا لآلاف الصور والأفكار والمعايير التي تؤثر في إدراكه لذاته وشكله وقيمته الاجتماعية.
ولفتت إلى أن المراهق في الماضي كان يقارن نفسه بدائرة محدودة من الناس، أما اليوم فهو يقارن حياته كلها بحياة مشاهير ومؤثرين وصور مصنوعة بعناية، وهو ما خلق جيلًا يعاني بدرجات مرتفعة من القلق الاجتماعي والشعور بالنقص والخوف من عدم الكفاية.
كما خلصت دراسات نفسية حديثة إلى أن كثرة التحفيز الرقمي السريع تؤثر في قدرة بعض المراهقين على الصبر والتركيز وتحمل الضغوط، إذ أصبح كثير منهم يبحثون عن الإشباع الفوري والهروب السريع من المشاعر المزعجة.
مشكلات نفسية شائعةأصبح القلق المزمن من أكثر الاضطرابات انتشارًا بين المراهقين، وفقًا للاستشارية النفسية الأسرية هبة كمال العرنوس، والقلق الحديث لا يرتبط فقط بالدراسة أو المستقبل، بل أيضًا بالخوف من الفشل الاجتماعي ومن عدم القبول ومن فقدان الصورة المثالية أمام الآخرين.
وقالت الاستشارية، إن بعض المراهقين يعيشون في حالة مراقبة دائمة لأنفسهم: “كيف أبدو؟”، “هل أنا محبوب؟”، “هل حياتي أقل من الآخرين؟”، لافتة إلى أن هذا الاستنزاف النفسي المستمر يخلق توترًا داخليًا حادًا قد يظهر في صورة عصبية أو انسحاب أو اضطرابات نوم أو نوبات بكاء مفاجئة.
الاكتئاب الصامتأخطر ما في اكتئاب المراهقين اليوم أنه لا يكون دائمًا في شكل حزن واضح، بحسب العرنوس، إذ يظهر أحيانًا على هيئة برود عاطفي أو عزلة أو فقدان الشغف أو الإدمان الرقمي أو العدوانية.
وقالت الاستشارية، إن كثيرًا من الأسر لا تلاحظ الاكتئاب، لأن المراهق يضحك أحيانًا أو يستخدم هاتفه باستمرار، بينما يكون داخليًا منهكًا وفاقدًا للمعنى.
كما تؤكد تقارير نفسية حديثة ارتفاع معدلات الشعور بالوحدة رغم كثرة التواصل الرقمي، باعتبار أن العلاقات الافتراضية لا تمنح غالبًا الإشباع العاطفي الحقيقي الذي يحتاج إليه الإنسان.
اضطراب الهويةيعيش “مراهق العصر” وسط تضارب هائل في القيم والمعايير، فهو يسمع قيمًا من الأسرة، ويرى قيمًا مختلفة على الإنترنت، ويتعرض لضغوط من الأصدقاء والمشاهير والمجتمع.
لهذا يعاني بعض المراهقين من الحيرة وفقدان الاتجاه وعدم وضوح الشخصية، وفقًا لعرنوس، مشيرة إلى أن ذلك يظهر في التقليد المفرط أو التمرد أو تبدل الأفكار والسلوكيات بشكل سريع.
اختلاف مراهقة الذكور عن الإناثهناك فروق نفسية وعاطفية مهمة يجب فهمها بوعي بعيدًا عن الأحكام السطحية، بحسب الاستشارية، إذ يميل المراهق الذكر غالبًا إلى إخفاء ضعفه العاطفي بسبب الضغوط الاجتماعية المرتبطة بفكرة القوة والصلابة.
لذلك يعبّر كثير من الذكور عن الألم النفسي بطريقة غير مباشرة، مثل العصبية أو العناد أو الانسحاب أو السلوك العدواني.
كما أن الذكور أكثر ميلًا للمخاطرة وإثبات الذات والتحدي، إذ يرتبط تقديرهم لذاتهم بالإنجاز أو القوّة أو المكانة الاجتماعية.
أوضحت العرنوس أن أبرز المشكلات المنتشرة بين المراهقين الذكور تشمل: الإدمان الرقمي والألعاب الإلكترونية، ضعف التعبير عن المشاعر، السلوك الاندفاعي، البحث المفرط عن إثبات الرجولة، التأثر بجماعات الأصدقاء، الهروب من الضغوط عبر العزلة أو العنف.
وذكرت الاستشارية النفسية الأسرية، أن المراهق الذكر يخفي حزنه في كثير من الأحيان خلف السخرية أو الصمت لأنه تعلم أن التعبير عن الضعف أمر غير مقبول.
المشاعر المعقدة للمراهقة الأنثويةالمراهقة الأنثى تكون غالبًا أكثر حساسية للتقييم الاجتماعي والعاطفي، بحسب العرنوس، لذلك تتأثر بشكل أكبر بالمقارنة الجمالية والعلاقات والصورة الذاتية.
تشير دراسات إلى أن الفتيات أكثر عرضة للقلق المرتبط بالمظهر والقبول الاجتماعي، خاصة مع التأثير الكبير لمنصات التواصل والصور المثالية المعدلة.
ويعتبر انخفاض تقدير الذات واضطرابات صورة الجسد والحساسية الزائدة للنقد والقلق الاجتماعي والتعلق العاطفي السريع والتقلبات المزاجية المرتبطة بالتغيرات الهرمونية والانفعالية، من أبرز التحديات النفسية لدى المراهقات، بحسب ما أوضحته الاستشارية لعنب بلدي.
وأضافت العرنوس أن الفتاة المراهقة تميل إلى التعبير عن ألمها داخليًا عبر الحزن أو جلد الذات أو الانسحاب، بينما يميل الذكور أكثر إلى التعبير الخارجي عبر السلوك.
أخطاء ترتكبها الأسرة مع المراهقينأشارت العرنوس إلى أن الخطأ الأكبر هو التعامل مع المراهق باعتباره طفلًا كبيرًا وليس إنسانًا يمر بمرحلة إعادة بناء نفسي كاملة.
ومن الأخطاء المتكررة التي يرتكبها الأهالي: السخرية من مشاعر المراهق، المقارنة المستمرة بالآخرين، الرقابة القاسية دون حوار، التقليل من الضغوط النفسية التي يعيشها، استخدام التهديد والإهانة كأسلوب تربية، غياب الإصغاء الحقيقي.
وقالت الاستشارية النفسية الأسرية، إن المراهق قد ينسى كثيرًا من الكلمات، لكنه لا ينسى الشعور الذي تركته داخله طريقة التعامل معه.
وشرحت أن الحماية النفسية لا تعني السيطرة الكاملة، بل بناء علاقة آمنة يشعر فيها المراهق أنه مسموع ومفهوم ومحترم.
توصيات للدعم والحماية من الانهيارأوصت العرنوس الأهالي بمجموعة نصائح في أثناء التعامل مع المراهقين، تتضمن: بناء حوار هادئ ومنتظم مع الأبناء، تقليل الأحكام الجارحة والنقد المستمر، تعليم المراهق إدارة المشاعر وليس قمعها، مراقبة عالمه الرقمي بوعي لا بتجسس، تشجيع الرياضة والهوايات والعلاقات الواقعية، الانتباه المبكر لأعراض القلق والاكتئاب، طلب المساعدة النفسية عند الحاجة دون خوف من الوصمة.
وترى العرنوس أن الرسالة الأهم التي يجب أن يفهمها المجتمع أن المراهق ليس متمردًا بطبيعته، بل إنسان يعيش صراعًا داخليًا معقدًا بين الطفولة والنضج وبين الحاجة إلى الحرية والحاجة إلى الأمان.
وفي زمن السرعة الرقمية والضغوط النفسية المتزايدة، أصبح المراهق أكثر احتياجًا إلى الاحتواء العاطفي والفهم العميق وليس فقط إلى القوانين والعقوبات.
وختمت الاستشارية حديثها لعنب بلدي بالتأكيد على أن كل كلمة دعم قد تنقذ ثقة المراهق بنفسه، وكل علاقة آمنة قد تحميه من الانهيار النفسي، وكل أسرة واعية تستطيع أن تصنع جيلًا أكثر توازنًا وقدرة على مواجهة الحياة.
Related
إقرأ المزيد


