التكيف والبحث عن الأمان.. نساء علويات يرتدين الحجاب
عنب بلدي -

عنب بلدي – آلاء شعبو

بعد سنوات من التنقل اليومي بين اللاذقية ودمشق من دون أن تفكر يومًا بالحجاب، بدأت حنان (40 عامًا) تراجع علاقتها بشكل حضورها الاجتماعي عقب موقف وصفته بالمزعج داخل وسيلة نقل عامة.

قالت الموظفة، التي تقيم بين المدينتين، إن تعليقًا ساخرًا من فتاة بسبب عدم ارتدائها الحجاب دفعها لاحقًا إلى التفكير بطريقة مرورها في الشارع وأماكن العمل، قبل أن تقرر ارتداءه باعتباره خيارًا يمنحها شعورًا أكبر بالراحة، ويخفف من لفت الانتباه خلال التنقل اليومي.

أكدت حنان لعنب بلدي أن القرار لم يكن نتيجة طلب مباشر من أحد أو تعرضها لأي نوع من الفرض، بقدر ما ارتبط برغبتها في “المرور بهدوء”، بعيدًا عن الأسئلة أو الملاحظات المرتبطة بشكلها أو انتمائها، في ظل أجواء اجتماعية تصفها بأنها أصبحت أكثر حساسية خلال السنوات الأخيرة.

نقاشات متصاعدة حول أوضاع النساء العلويات

لا تبدو تجربة حنان معزولة تمامًا عن التحولات التي شهدتها سوريا منذ سقوط نظام الأسد نهاية عام 2024، وما تبع ذلك من تغيرات سياسية وأمنية انعكست، بدرجات متفاوتة، على تفاصيل الحياة اليومية لدى بعض السوريين، بما في ذلك شعور النساء بالأمان في أثناء التنقل والعمل.

وخلال العامين الماضيين، تصاعدت النقاشات المرتبطة بأوضاع النساء العلويات، بعد تداول تقارير حقوقية وإعلامية تحدثت عن حالات اختفاء أو خطف في محافظات الساحل وحمص وحماة، ما عزز لدى بعض النساء شعورًا متزايدًا بالحذر في التعامل مع محيطهن الاجتماعي.

وفي تموز 2025، قالت منظمة العفو الدولية، إنها تلقت تقارير وصفتها بـ”الموثوقة” حول اختفاء أو خطف عشرات النساء والفتيات العلويات، داعية السلطات السورية إلى فتح تحقيقات مستقلة وفعالة، ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات محتملة.

كما أعاد تحقيق نشرته صحيفة “نيويورك تايمز”، في نيسان الماضي، تسليط الضوء على الملف، مستندًا إلى مقابلات مع عائلات وناجين وشهود، تحدثوا عن حوادث اختطاف طالت نساء وفتيات علويات في مناطق سورية مختلفة منذ أواخر عام 2024.

في المقابل، نفت الجهات الرسمية السورية وجود عمليات خطف ممنهجة تستهدف النساء العلويات، وقالت وزارة الداخلية، إن لجان التحقيق التي شكلتها للنظر في عشرات البلاغات المتعلقة باختفاء نساء أظهرت أن معظم الحالات ارتبطت بأسباب اجتماعية أو عائلية أو بحالات مغادرة طوعية، مع تأكيدها تسجيل بعض الحوادث الفردية التي يجري التعامل معها قضائيًا.

كما انتقدت وزارة الإعلام السورية بعض التغطيات الغربية المتعلقة بهذا الملف، معتبرة أنها اعتمدت على روايات غير موثقة أو شهادات مجهولة، وقدمت صورة غير دقيقة عن الواقع السوري، وفق تعبيرها.

خيارات يومية تتجاوز مسألة اللباس

رغم حضور هذه المخاوف في شهادات بعض النساء، يصعب قياس مدى انتشارها أو التعامل معها بوصفها حالة عامة، في ظل غياب إحصاءات أو دراسات ميدانية مستقلة تتناول بشكل مباشر تأثير التحولات الأخيرة على خيارات اللباس لدى النساء العلويات.

كما تتداخل في هذا الملف عوامل متعددة، بينها التجارب الشخصية، والبيئة الاجتماعية، وطبيعة المناطق التي تعيش فيها النساء أو يتنقلن بينها، إلى جانب التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي وما تخلقه أحيانًا من شعور بالاستقطاب أو المراقبة المجتمعية.

وفي حين تربط بعض النساء قراراتهن المتعلقة باللباس بالشعور براحة أكبر في الفضاء العام، تؤكد أخريات أن هذه التحولات تبقى فردية ولا يمكن تعميمها على المجتمع العلوي ككل، خاصة مع استمرار وجود نساء لم يغيّرن نمط لباسهن أو حضورهن الاجتماعي رغم الظروف المحيطة.

ويشير متابعون للشأن الاجتماعي إلى أن التحولات المرتبطة بالمظهر أو السلوك غالبًا ما تظهر في المجتمعات الخارجة من فترات النزاع أو التوتر، حيث يعيد الأفراد أحيانًا صياغة علاقتهم بالفضاء العام بما ينسجم مع شعورهم بالأمان أو القبول الاجتماعي.

وبعيدًا عن السجال السياسي والإعلامي، تقول نساء تحدثن إلى عنب بلدي، إن أثر هذه النقاشات لم يبقَ محصورًا في الأخبار أو وسائل التواصل الاجتماعي، بل امتد إلى تفاصيل يومية صغيرة، مثل طريقة التنقل أو اختيار اللباس أو أوقات الخروج من المنزل.

وترى الناشطة الصحفية والاجتماعية حنين أحمد، أن بعض هذه الحالات أصبحت ملحوظة في مدن مثل حمص وحماة ومناطق الساحل، خصوصًا لدى نساء يتنقلن بين الأرياف والمدن للعمل أو الدراسة، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أنه لا يمكن اعتبارها ظاهرة عامة أو تعميمها على جميع النساء العلويات.

وقالت حنين لعنب بلدي، إن بعض النساء بدأن يتجهن إلى ارتداء الحجاب باعتباره خيارًا يمنحهن شعورًا أكبر بالاطمئنان أو يساعدهن على تجنب الاحتكاك والأسئلة غير المريحة خلال التنقل، مضيفة أن ذلك يرتبط، جزئيًا، بحالة الاستقطاب التي رافقت السنوات الأخيرة.

وبحسب حنين، فإن النساء غالبًا ما يكنّ الفئة الأكثر تأثرًا بالتحولات الأمنية والاجتماعية خلال الأزمات، ما يدفع بعضهن إلى تبني خيارات معينة في اللباس أو السلوك باعتبارها وسيلة للتكيف مع الظروف المحيطة.

تباين في التجارب والمواقف

في المقابل، لا تبدو جميع التجارب متشابهة، إذ قالت لين معروف (20 عامًا)، وهي طالبة في كلية الاقتصاد بجامعة “اللاذقية”، إنها لم تفكر يومًا بارتداء الحجاب رغم شعورها أحيانًا بالتوتر أو الانتباه الزائد في بعض الأماكن.

وأضافت لين لعنب بلدي أنها لا ترى في تغيير نمط لباسها حلًا فعليًا، معتبرة أن التعامل مع النساء بناء على مظهرهن أو خلفياتهن الاجتماعية يعكس مشكلة أعمق من مسألة الحجاب نفسها.

ومن زاوية مختلفة، يرى أحد رجال الدين العلويين، الذي فضّل عدم نشر اسمه، أن ارتداء الحجاب داخل البيئة العلوية بقي تاريخيًا أقرب إلى الخيار الشخصي منه إلى الواجب الاجتماعي المفروض.

وقال الشيخ لعنب بلدي، إن النظرة الدينية داخل المجتمع العلوي لا تختزل الحجاب بشكل اللباس فقط، موضحًا أن المسألة ارتبطت تاريخيًا بالقناعة الشخصية والعادات الاجتماعية أكثر من ارتباطها بالإلزام الديني.

ويرى أن التحولات الحالية تبدو مرتبطة، إلى حد كبير، بالظروف الاجتماعية المحيطة والتغيرات التي شهدها المشهد العام خلال السنوات الأخيرة، أكثر من ارتباطها بتحولات عقائدية داخل المجتمع العلوي نفسه.

التكيف مع واقع اجتماعي متبدل

بدورها، الباحثة في علم الاجتماع فاطمة قنجراوي، قالت لعنب بلدي، إن جزءًا من النساء بات يتعامل بحذر أكبر مع الحياة اليومية خلال الفترة الأخيرة، سواء عبر تعديل أنماط اللباس أو تقليل الحركة والتنقل في أوقات معينة.

وترى قنجراوي أن هذا السلوك لا يرتبط دائمًا بوجود خطر مباشر، بل أحيانًا بالخوف من التعرض للأحكام أو التعليقات، خاصة مع ارتفاع الحساسية الاجتماعية المرتبطة بالهوية والانتماء.

وبينما تختلف تفسيرات هذه التحولات بين من يراها استجابة مؤقتة لشعور متزايد بعدم الارتياح، ومن يعتبرها مجرد خيارات فردية لا يمكن البناء عليها اجتماعيًا، تبقى تجارب النساء أنفسهن الأكثر تعبيرًا عن التعقيد الذي فرضته السنوات الأخيرة على تفاصيل الحياة اليومية في سوريا.

بالنسبة لبعض النساء، لم يعد اختيار اللباس مرتبطًا بالقناعة الشخصية أو الخلفية الثقافية فقط، بل تحول أحيانًا إلى محاولة للعبور بأقل قدر ممكن من الأسئلة والانتباه، وسط واقع اجتماعي متبدل لا تزال حدوده ومعاييره غير مستقرة بالكامل.

Related



إقرأ المزيد