سيناريوهات إصلاح المصارف السورية بعد تقييم “أوليفر وايمن”
عنب بلدي -

عنب بلدي – وسيم العدوي

دخلت المصارف الحكومية السورية مرحلة مفصلية قد تعيد رسم مستقبل القطاع المصرفي بالكامل، بعد أن أنهت شركة “أوليفر وايمن” (Oliver Wyman) العالمية المرحلة الأولى من تقييم شامل لأداء وهيكلية المصارف العامة الستة.

فريق متخصص من الشركة العالمية يتألف من مصرفيين أجانب ولبنانيين، عقد خلال الأسابيع الماضية سلسلة اجتماعات مكثفة مع إدارات المصارف (العقاري والتجاري والتسليف الشعبي والتوفير والزراعي التعاوني والصناعي)، ضمن حدود مذكرة تفاهم وقعتها وزارة المالية السورية و”صندوق قطر للتنمية” وشركة “أوليفر وايمن”، بدعم من جهات دولية بينها وزارة الخزانة الأمريكية والبنك الدولي.

وتكشف المعطيات الأولية أن المصارف الحكومية باتت أمام ثلاثة سيناريوهات كبرى:

  • إعادة الهيكلة وتحويلها إلى شركات مساهمة مملوكة للدولة بإدارات جديدة ورواتب مختلفة.
  • خصخصتها وفتح الباب أمام استحواذ مصارف خارجية عليها.
  • إدخالها في شراكات استراتيجية مع بنوك عربية وأجنبية، يُرجّح أن يكون للخليج دور أساسي فيها.

عنب بلدي تناقش مع خبير اقتصادي ومصرفي سوري الخيارات المطروحة لإصلاح المصارف العاملة سواء كانت عامة أم خاصة، والمخاطر والمقترحات لإيجاد حلول تنشط الاقتصاد، مع استعراض تجارب دول أخرى، دون إغفال أن عملية الإصلاح برمتها تندرج ضمن شروط وتوصيات المؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي.

شلل في الجهاز المصرفي وتآكل رأس المال

يبلغ إجمالي رأس المال المصرح به للمصارف الحكومية الستة في سوريا 134 مليار ليرة سورية قديمة، في حين يبلغ إجمالي رأس المال المدفوع لها 126.5 مليار ليرة سورية قديمة، وتمثل هذه الأرقام القيمة الاسمية الرسمية المسجلة لدى مصرف سوريا المركزي (نحو 19 مليون دولار بسعر الصرف الحالي).

الخبير الاقتصادي والمصرفي السوري الدكتور إبراهيم نافع قوشجي

ويرى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي، في حديث إلى عنب بلدي، أن الجهاز المصرفي في سوريا تعرض خلال العقدين الماضيين لضغوط عميقة أدت إلى:

  • تعطل دوره الطبيعي.
  • تراجع قدرته على الإقراض.
  • ابتعاده عن وظيفته الأساسية في إدارة النقود وتمويل النشاط الاقتصادي.

وقد دفع هذا الواقع إلى التفكير بإعادة هيكلة شاملة للمصارف الحكومية، وإعادة “رسملة” المصارف الخاصة، بهدف استعادة الثقة وتعزيز الكفاءة.

وتواجه المصارف الحكومية مجموعة من الاختلالات التي تراكمت عبر سنوات طويلة، تمثلت بـ:

  • تآكل رأس المال بفعل التضخم.
  • ارتفاع قيم الديون المتعثرة.
  • ضعف البنية التكنولوجية.
  • غياب المعايير المحاسبية الدولية عن إعداد البيانات المالية.
  • هيمنة التوجيهات الحكومية على قرارات الإقراض والتي حدت من استقلالية الإدارة، وأضعفت القدرة على تقييم المخاطر.
  • تراجع ثقة المواطنين بالمصارف نتيجة القيود على السحب، وارتفاع العمولات، وضعف الخدمات.

وكل ذلك، بحسب الخبير قوشجي، جعل الجهاز المصرفي عاجزًا عن أداء دوره في تمويل الاستثمار أو دعم الاستقرار النقدي.

الخيارات وضعف الثقة بين المصارف والمركزي

أدى ضعف التنسيق بين المصارف الحكومية والمصرف المركزي إلى تراجع فعالية السياسة النقدية، فالمصارف أصبحت مترددة في الإقراض بسبب غياب ضمانات واضحة حول استقرار سعر الصرف، بينما يجد المركزي صعوبة في فرض أدواته النقدية على مؤسسات تعاني من نقص السيولة وتآكل رأس المال.

وهذا التباعد بين الطرفين خلق حالة من الشلل في الإقراض الإنتاجي، وأفقد السياسة النقدية قدرتها على التأثير في النشاط الاقتصادي.

ويعد خيار تحويل المصارف الحكومية إلى شركات مساهمة مملوكة للدولة محاولة للفصل بين الملكية والإدارة، بحيث تبقى الدولة مالكة للمصرف، بينما تُدار المؤسسة وفق قواعد الحوكمة الحديثة.

ويتيح هذا النموذج، وفقًا لقوشجي، تشكيل مجالس إدارة مستقلة، واعتماد هياكل رواتب مرنة، وتطبيق معايير محاسبية دولية، دون اللجوء إلى الخصخصة الكاملة، والفرق الجوهري بين هذا النموذج والخصخصة هو أن الدولة تحتفظ بالملكية الكاملة، بينما تهدف الخصخصة إلى نقل الملكية للقطاع الخاص.

وتتراوح الخيارات بين إعادة الهيكلة والخصخصة والشراكات الاستراتيجية مع مستثمرين خارجيين.

وفي السياق السوري الحالي، يبدو خيار إعادة الهيكلة والتحويل إلى شركات مساهمة هو الأكثر واقعية، نظرًا إلى عدم توفر بيئة سياسية واقتصادية تسمح بالخصخصة الكاملة أو دخول استثمارات أجنبية واسعة، بحسب الدكتور قوشجي، كما أن الشراكات الاستراتيجية تحتاج إلى بيئة قانونية مستقرة وإلى رفع جزء من القيود والعقوبات، وهو ما لا يتوفر في الوقت الراهن.

المخاطر الاقتصادية والاجتماعية للخصخصة

تحمل الخصخصة في الظروف الحالية مخاطر كبيرة، بحسب قوشجي، من بينها:

  • احتمال تسريح أعداد كبيرة من الموظفين.
  • ارتفاع تكلفة الخدمات المصرفية.
  • تراجع الإقراض للقطاعات الإنتاجية التي لا تحقق ربحية سريعة.
  • فقدان الدولة إحدى أدواتها الأساسية في السياسة النقدية، مما يزيد من هشاشة الاستقرار الاقتصادي.

لذلك، فإن الخصخصة في هذه المرحلة قد تكون أكثر ضررًا من فائدتها.

وأوضح الخبير قوشجي أنه يمكن لدخول مصارف أجنبية أن يرفع مستوى التكنولوجيا المصرفية ويحسّن جودة الخدمات، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى تحويل الأرباح للخارج، وتركّز الإقراض في القطاعات الأكثر ربحية، وخلق تبعية مالية إذا أصبحت هذه المصارف مهيمنة.

ويرى أنه في الحالة السورية، لا يمكن الاستفادة من المصارف الأجنبية إلا بعد إصلاح الإطار القانوني والرقابي، وضمان قدرة الدولة على ضبط حركة رأس المال.

بينما ستؤدي إعادة الهيكلة إلى إعادة توصيف الوظائف، ورفع رواتب الكفاءات، وإطلاق برامج تدريب واسعة، مع احتمال حدوث تسريح محدود للوظائف غير الضرورية، بحسب قوشجي، مؤكدًا أن تحويل المصارف إلى شركات مساهمة مملوكة للدولة يحدّ من الصدمات الاجتماعية، مقارنة بالخصخصة التي قد تؤدي إلى تغييرات جذرية في التوظيف.

مصارف سوريا الخاصة بحجم بنك أردني واحد

لا تبتعد ضرورات الإصلاح القطاع العام المصرفي عن المصارف الخاصة العاملة، حيث بلغ إجمالي حقوق الملكية لجميع المصارف الخاصة السورية حتى نهاية الربع الرابع من عام 2025، 8.7 تريليون ليرة سورية قديمة، أي ما يعادل حوالي 795 مليون دولار فقط.

ويعادل هذا الرقم، وفقًا لدراسة أعدّها مركز “كرم شعار للاستشارات”، تقريبًا حقوق ملكية مصرف واحد في الأردن أو مصر أو تونس، ما يضع القطاع المصرفي السوري بمجمله ضمن الربع الأدنى في قائمة أكبر 100 مصرف عربي.

ورغم محدودية قاعدة رأس المال الإجمالية هذه، تلتزم معظم المصارف شكليًا بمتطلبات رأس المال التنظيمية المحلية، إذ يحدد التشريع السوري الحد الأدنى لمتطلبات رأس المال عند عشرة مليارات ليرة سورية قديمة للمصارف التقليدية (نحو 0.9 مليون دولار)، و15 مليار ليرة سورية قديمة للمصارف الإسلامية (نحو 1.3 مليون دولار).

وتستوفي المصارف الخاصة هذه الحدود أو تتجاوزها، حيث يحتفظ بعضها برأس مال مدفوع يفوق الحد الأدنى المطلوب بعدة مرات.

وفي عام 2010، كان سعر الصرف 47 ليرة سورية للدولار، أي أن الحد الأدنى لرأس المال كان يعادل 212.7 مليون دولار للمصارف التقليدية و319.1 مليون دولار للمصارف الإسلامية، وهي مستويات كانت متقاربة إلى حد كبير مع المتطلبات المعتمدة لدى الدول المجاورة آنذاك.

ومع تسارع التضخم وتدهور قيمة العملة، أصبح الحد الأدنى لرأس المال المذكور لا يمثل سوى جزء بسيط من قيمته قبل الحرب بالدولار، كما بقي منخفضًا بشكل استثنائي مقارنة بالمصارف في الدول المجاورة، باستثناء لبنان الذي يمر بأزمة مصرفية حادة.

عجز المصارف الخاصة عن الإقراض

لم تكن المصارف الخاصة في وضع أفضل بكثير، رغم أنها دخلت السوق السورية في بداية الألفية بوصفها رافعة للتحديث المصرفي، فهي تواجه حاليًا تحديات كبيرة، أبرزها:

  • تآكل رأس المال بفعل التضخم.
  • تراجع القيمة الحقيقية للودائع.
  • ارتفاع المخاطر التشغيلية.
  • القيود المفروضة على الإقراض بالعملات الأجنبية.
  • بيئة تشريعية وتنظيمية لم تسمح لها بالعمل بكفاءة عالية.
  • بقيت محكومة بسقوف الفائدة، وقيود التمويل، وغياب أدوات التحوط، وضعف البنية التكنولوجية الوطنية التي تعتمد عليها.

ومع مرور الوقت، يرى الدكتور قوشجي أن المصارف الخاصة أصبحت عاجزة عن التوسع في الإقراض الإنتاجي، وتركز نشاطها في الخدمات الأساسية، بينما تراجعت قدرتها على المنافسة أو الابتكار، وقد أدى ذلك إلى الحاجة الملحّة لإعادة “رسملتها”، وتحديث أنظمتها، وتعزيز الرقابة على أدائها، بما يضمن قدرتها على الاستمرار في بيئة اقتصادية شديدة التقلب.

التجارب الدولية في إصلاح القطاع المصرفي

شهدت دول مثل مصر والأردن وباكستان إصلاحات مصرفية بإشراف صندوق النقد الدولي، وقد نجحت هذه الإصلاحات في تحسين الكفاءة والحوكمة، لكنها كانت مشروطة ببيئة قانونية مستقرة ومؤسسات رقابية قوية.

وفي بعض الحالات، بحسب الدكتور قوشجي، أدت الخصخصة إلى تحسين الأداء لكنها ترافقت مع تسريح واسع للعمالة، ما يؤكد ضرورة مراعاة البعد الاجتماعي في أي إصلاح مصرفي.

وبالنسبة لسوريا، تواجه توصيات “أوليفر وايمن” المرتقبة تحديات كبيرة، أبرزها:

  • آثار العقوبات التي تعوق الاندماج المالي.
  • ضعف البنية التكنولوجية، وتضارب الصلاحيات بين الجهات الحكومية.
  • صعوبة توحيد البيانات المالية، إضافة إلى مقاومة التغيير داخل المؤسسات.
  • غياب الاستقرار السياسي والاقتصادي يجعل تنفيذ الإصلاحات عملية معقدة وطويلة الأمد.

وبناء على ما تقدم، تبدو الإصلاحات المصرفية في سوريا مزيجًا بين الحاجة الداخلية والضغوط الخارجية، في ظل التراجع الحاد في القوة الشرائية، وعجز المصارف عن تمويل الاستثمار، وفقدان الثقة الشعبية بالقطاع المصرفي ككل.

Related

اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا

إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى



إقرأ المزيد