خطيب بدلة
يرد ذكر المعتقدات الدينية، في أحاديثنا اليومية، على نحو واسع. إذا غشك بائع ما، تقول لك زوجتك: هذا رجال قليل دين، لا عاد تشتري من عنده! هذا مع أن عددًا لا بأس به من الغشاشين، الذين عرفتهم في حياتي، متدينون.. وعندما يتزوج زيد من الناس، يستخدم الناس، في نقل خبر زواجه، مبدأ الكناية، فيقولون لك: فلان كمل نصف دينه.. وهذه الفكرة، لو دققت فيها، لاستنتجت أن الشبان غير المتزوجين بنصف دين! وهنا نستطيع أن نتساءل: هل يوجد في متناول الناس مقياس معتمد في معرفة كمية الدين المتوفرة لدى الناس؟
إذا كان المقصود بنقص دين الشاب الأعزب، نقص العفة، فهذا، أيضًا، مفهوم خاطئ، لأن الشائع بين الناس أن الرجل، بعد أن يتزوج، تصبح عينه تجاه النساء “فارغة” أكثر من السابق، ويقال، عندنا: طق عنده عَرق الحياء.. وهذا، ربما، يساعدنا في تفسير ظاهرة تعدد الزوجات، ومنها ننتقل إلى مفهوم آخر، هو مفهوم العدالة، فكثيرًا ما تسمع رجلًا يدعي أنه إنسان عادل، فإذا طالبته بالبرهان، يقول لك إنه يعدل بين زوجاته.
هذا الخلط، بدوره، يعيدنا إلى سؤال، أو لغز كان يحير الناس، قبل أن يخترع العلماء جهاز الإيكو غراف الذي يكشف جنس الجنين في أثناء الحمل، وهو: هل سيكون الأب والأم، والأقارب، والناس، والمجتمع، وقانون البلاد، عادلين مع الجنين الذي سيشرفنا بحضوره عما قريب، بغض النظر عن جنسه؟
هل نستطيع أن ننتزع من هؤلاء، كلهم، وعدًا، بأن يعاملوا الإنسان القادم، بلا تمييز، سواء أكان ذكرًا أم أنثى؟ الجواب البديهي، لا، أبدًا، فإذا كان ذكرًا سيأكل الحق، طوال حياته، وثلثي الباطل، وإن كانت أنثى، فما عليها إلا أن تخرس، وترضى بالقليل القليل، منذ لحظة نزولها وصياحها “واع ويع”، إلى لحظة نزولها في اللحد الذي قال أبو العلاء المعري إنه قد صار لحدًا مرارًا.
زواج الذكر، في هذه البلاد، فاتحة خير للأسرة، فهو سيخلف الأبناء، الذكور، الذين يحفظون اسم الأب، والجد، والسلالة.. وإذا شئت أن تتعجب من عدالتهم أكثر، ارجع بذاكرتك إلى لحظة خروج الذكر من رحم أمه، وهو يصيح “واع ويع”، وانظر إلى الفرح الذي يعم على الجميع، والتكاليف الباهظة التي تدفع، ابتداء من ذبح الكبشين الأقرنين، مرورًا بالولائم، وأهازيج “سلامٌ سلامْ، جينا نهنيكم بهذا الغلام”، إلى قرع الطبول، وجدل الشملات، والنزول إلى ساحة الدبكة، إلى إطلاق النار في الهواء.. وعندما يشب ويكبر، تراه يسير بين إناثه مثل طاووس بذيل مزركش، وفوق كل هذا، وذاك، يجلس، حضرته، في المضافة، متكئًا على الوسائد، ويحدث الناس عن العدل بين زوجاته، وهيبته المنزلية، لأنه، كما يعلم مستمعوه، زلمة، إذا تنحنح، تتيبس المياه في زلاعيم نسائه، وأطفاله، وربما جيرانه!
ما يغيظ في هذه البلاد، أنك تسمعه يتحدث عن العدل، في تلك المضافة، ولا تجرؤ أن تقول له، على سبيل الافتراض، أو الدعابة، ما يلي: ما المانع أن تتزوج المرأة أكثر من رجل، شرط أن تكون عادلة بينهم!
Related


