“الليلة التي سبقت الغابات”.. صرخة المشردين على خشبة المسرح
عنب بلدي -

“في ليلة يهرب فيها الناس من المطر، يقف المشردون وحدهم في العراء، لا يملكون سوى أكياسهم البالية، ودفاتر تحولت إلى وسائد، وأحلام صغيرة تبحث عن مأوى”، هكذا يفتح عرض “الليلة التي سبقت الغابات” أبوابه أمام الجمهور، لا بوصفه مسرحية فحسب، بل كصرخة إنسانية طويلة في وجه عالم لا يسمع المهمشين.

تستند المسرحية إلى نص الكاتب الفرنسي برنار ماري كولتيس، بإخراج منتجب صقر، حيث تدور الأحداث داخل كراج سيارات احتمى فيه مشردان من المطر، بينما يبدأ رجل مشرد حديثًا عفويًا أشبه بفضفضة طويلة مع الجمهور.

ومن خلال هذا المونولوج، تنكشف تفاصيل حياة قاسية يعيشها المهمشون في المدن الحديثة، كالنوم على الأرصفة، والبحث الدائم عن زاوية نظيفة لقضاء الليل، والخوف المستمر من المطر والبرد والوحدة.

من سوداوية الواقع إلى أمل تأسيس نقابة

لا يكتفي العرض بسرد معاناة التشرد، بل يمنح شخصياته صوتًا إنسانيًا حادًا، فالرجل يتحدث عن صورته المنعكسة في مرايا السيارات وواجهات المحال، وعن شعوره بأنه غير مرئي في مجتمع رأسمالي لا يلتفت إلا للأثرياء وأصحاب الحظ.

أما المرأة المشردة، فتروي كيف دفعتها قسوة الأب وخسارة البيت إلى الشارع، لتبدأ رحلة طويلة من الخوف والتشرد والتعرض للسرقة والعنف.

وفي قلب هذا الألم، يزرع النص قدرًا من السخرية السوداء والأمل الهش، إذ تحلم الشخصيتان بتأسيس “نقابة دولية للمشردين”، تختار علمًا أبيض وشعارًا يحمل عبارة “التقت الطاسة”، فيما يدور الجدل حول مكان مقر النقابة بين الحمامات العامة والمقاهي الشعبية، فالحلم يبدو عبثيًا، لكنه يكشف حاجة هؤلاء الناس للاعتراف بوجودهم وحقوقهم الإنسانية.

ديكور قاتم يرسم عزلة المشردين

يعتمد العرض على أجواء بصرية قاتمة تعكس هشاشة الشخصيات، ثياب مهترئة، أكياس متناثرة، وديكور بسيط يمثل ركنًا من كراج سيارات، وعلى درجين صغيرين، يفرد المشردون ما تبقى من مقتنياتهم، وكأنهم يبنون وطنًا مؤقتًا في مساحة لا تشبه البيت، فيما جاءت الإضاءة الحمراء الخافتة لتزيد الإحساس بالاختناق والعزلة.

“الليلة التي سبقت الغابات”، عمل مسرحي عرض على مسرح دار “الأوبرا” السورية بين 18 و20 من أيار الحالي، من بطولة غسان الدبس ورشا الزغبي، وإخراج منتجب صقر.

دعوة للإنسانية

الممثلة رشا الزغبي، قالت لعنب بلدي، إن رسالة العمل تتمثل في الدعوة إلى المزيد من الإنسانية خاصة تجاه فئة المشردين، معتبرة أنها فئة مهمشة وبلا حماية، رغم معاناتها اليومية مع البرد والجوع وغياب الرعاية.

وأكدت أن الوجع الذي يتناوله العرض لا يخص مكانًا بعينه، بل يعبر عن معاناة العالم كله، مشيرة إلى أن الهدف ليس تقديم حلول، وإنما طرح الألم الإنساني الذي يعاني منه الجميع دون استثناء.

وافقها الرأي الممثل غسان الدبس، مؤكدًا أن الفكرة الأساسية للعمل هي البحث عن الإنسان والإنسانية بعيدًا عن أي اعتبارات أخرى، معتبرًا أن رسالة العرض تقوم على فكرة بسيطة تتمثل في إيجاد إنسان يمكن الجلوس معه وتبادل الحديث بصدق، قبل أي شيء آخر.

وعن تجربته في تجسيد شخصية رجل مشرد، أوضح الدبس أن الدور كان صعبًا للغاية، لأنه حاول تقديم الشخصية بصدق ومن دون أن يجرح الآخر أو يتأذى منه، مؤكدًا أهمية الحفاظ على المحبة والتفاهم بين الناس.

استبدال الإسقاطات السورية بالفرنسية

المخرج منتجب صقر، شرح أن النص الأصلي الفرنسي يعتمد على شخصية واحدة، إلا أنه اختار في هذا العرض توظيف ما يُعرف بـ”الدراماتورجيا”، عبر تقسيم الشخصية إلى رجل وامرأة، بهدف التأكيد على أن مأساة الإنسان واحدة، سواء كان رجلًا أو امرأة.

وبيّن أن العرض ينتمي إلى أسلوب “البوست دراماتيك”، المرتبط بالنصوص التي كُتبت في أواخر السبعينيات وبدايات الثمانينيات، وأنه يختلف قليلًا عن النص الأصلي، رغم احتفاظه بالفكرة الأساسية، مع إضافة مشاهد قريبة من البيئة السورية، بهدف تقريب العمل من الجمهور.

كما أوضح أنه استبدل بالإسقاطات الثقافية المرتبطة بفرنسا في النص الأصلي إسقاطات تنتمي إلى البيئة السورية، فنقل الأحداث من الطريق إلى كراج ومكان يشبه المطار، ليصبح فضاء للبوح واللقاء الدرامي بين الشخصيات.

وختم بالقول، إن المسرحية تشكل دعوة للاستماع إلى الآخر، والاستماع إلى الإنسان المشرد والمظلوم، معتبرًا أن النص يحمل بعدًا إنسانيًا عالميًا، ويقدّم المشردين بوصفهم أناسًا محترمين، لا يفقدون أخلاقهم رغم فقدانهم لمنازلهم.

Related

اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا

إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى



إقرأ المزيد