عنب بلدي - 5/25/2026 11:16:08 PM - GMT (+2 )
تبدو أسواق الألبسة في دمشق مع اقتراب عيد الأضحى أقل حيوية من مواسم الأعياد السابقة، فارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية دفعا كثيرًا من العائلات إلى تقليص مشتريات “كسوة العيد” أو الاكتفاء بالضروريات فقط.
وتعكس حال الأسواق خلال موسم العيد جانبًا من الضغوط الاقتصادية المتزايدة التي تعيشها الأسر السورية، في حين يشكو التجار من ضعف حركة البيع وتراجع الإقبال مقارنة بالأعوام الماضية.
ويشتكي أهالٍ في دمشق من غلاء الألبسة والأحذية، معتبرين أن “كسوة العيد” تحولت إلى عبء إضافي على الأسر، خاصة مع تراجع الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة.
تباين الأسعار في أسواق دمشقخلال جولة قامت بها عنب بلدي في عدد من أسواق دمشق، كالحميدية والحمراء والشعلان والصالحية والصناعة، تباينت الأسعار بين محل وآخر، وذلك تبعًا لمكانه ومصدر البضاعة وجودتها.
تراوح سعر الطقم الولادي الكامل (من عمر سنة حتى 12 سنة) بين 750 ألف ليرة سورية ومليون ليرة، أما سعر البنطال فتراوح بين 100 و350 ألفًا، والكنزة بين 175 و450 ألفًا.
أما الألبسة الشبابية فتراوح سعر البنطال بين 150 و400 ألف ليرة سورية، والكنزة بين 175 و425 ألف ليرة سورية، والقميص بين 225 و900 ألف ليرة سورية.
بينما الألبسة النسائية، فسجل سعر البنطال بين 250 و450 ألف ليرة سورية، والكنزة بين 250 و500 ألف ليرة سورية، أما سعر الطقم الكامل فتراوح بين 450 ألف و1.2 مليون ليرة سورية.
أسعار تفوق قدرة العائلاتقالت سعاد، وهي أم لثلاثة أطفال، لعنب بلدي، إن شراء ملابس العيد هذا العام أصبح “خارج حسابات كثير من العائلات”، موضحة أن الأسعار ارتفعت مقارنة بالعيد الماضي بشكل واضح.
وأضافت، “أصبحنا نفكر كيف نؤمّن الأساسيات قبل أي شيء آخر، وحتى الأطفال باتوا يدركون أن الوضع لا يسمح بشراء كل ما يريدونه”.
أما أحمد العيني، وهو موظف في القطاع الخاص، فقال إن جولة التسوق هذا العام تقتصر على السؤال عن الأسعار والمقارنة بين المحال، مضيفًا أن معظم العائلات لم تعد قادرة على شراء كسوة كاملة لأفرادها.
وأضاف أن الأهالي في السابق كانوا يخصصون مبلغًا للعيد، أما اليوم فالراتب بالكاد يكفي الطعام والفواتير.
أصحاب المحال يشتكون الركودفي المقابل، يؤكد أصحاب محال الألبسة أن الموسم الحالي يشهد ضعفًا واضحًا في حركة الشراء، رغم محاولات بعض التجار تقديم حسومات أو عروض لجذب الزبائن.
وقال عمر الأسمر، صاحب محل ألبسة رجالية في سوق الحمراء لعنب بلدي، إن حركة السوق أقل من المتوقع بكثير، موضحًا أن كثيرًا من الزبائن يدخلون المحل للاستفسار فقط دون إتمام عمليات شراء.
وعزا ذلك إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والشحن وأسعار المواد الأولية، إلى جانب تراجع القدرة الشرائية لدى المواطنين.
بدوره، قال صاحب محل ألبسة ولادية في منطقة الشعلان عبد الله الأسعد، إن معظم المبيعات تتركز على القطع الأرخص سعرًا، بينما تراجعت مبيعات الأطقم الكاملة مقارنة بالأعوام السابقة.
بينما هناك زبائن يدخلون ويسألون عن سعر القطعة ثم يغادرون مباشرة، لأن الأسعار أصبحت فوق قدرة أغلب العائلات، بحسب تعبيره، مشيرًا إلى أنه حتى الآن لم تُبع ربع كمية البضاعة.
إقبال “اضطراري”وفي حديث إلى عنب بلدي، قال الخبير الاقتصادي عبد الرحمن محمد، إن الإقبال الذي وصفه الباعة بأنه ضعيف وخجول، يوصف اقتصاديًا بأنه “إقبال اضطراري”، وهو يتسم بالآتي:
- تركيز الشراء على احتياجات الأطفال الضرورية جدًا مقابل تجميد شراء متطلبات الكبار.
- تحول كبير نحو شراء الملابس الرخيصة ومنخفضة الجودة أو المستعملة (البالة).
- طول دورة الاستبدال (لم تعد الملابس تُشترى موسميًا، بل قد تمتد لسنوات).
- تركز حركة الشراء في فترات التخفيضات الحادة أو قبيل الأعياد فقط، لكن بميزانيات لا تتجاوز 10-15% مما كانت عليه قبل 2011.
الوصف يعكس فجوة بين توقعات التجار (الاستعداد لأي انتعاش) وواقع عجز الطلب الفعلي، وهو مؤشر خطير على استمرار الركود الاستهلاكي، تبعًا لمحمد.
انهيار الدخل أبرز الأسبابأما أسباب هذا الإقبال الضعيف، بحسب رأي الخبير الاقتصادي عبد الرحمن محمد، فهي:
1- انهيار الدخل الحقيقي للأسر السورية: الحد الأدنى للأجور (حتى بعد رفعه) لا يغطي سوى جزء بسيط من سلة غذاء، فكيف بالملابس؟
كما أن الكثير من الموظفين والعمال يتقاضون رواتبهم بالليرة السورية التي انهارت قيمتها مقابل الدولار، بينما الأسعار تقوّم بالدولار بشكل أو بآخر.
2- تآكل المدخرات: معظم الأسر استنفدت مدخراتها بالليرة أو حولتها للدولار، لكنها اضطرت لصرفها في أزمات سابقة، ولم يعد لديها فائض للموسمية.
3- أزمة ثقة في استقرار الأسعار: مع التضخم الجامح، يفضل الناس شراء السلع الغذائية والدوائية أولًا، ويؤجلون الملابس حتى ولو انخفض سعرها مؤقتًا، خوفًا من ارتفاع حاد لاحق في الطعام.
4- هجرة وتراجع الطبقة الوسطى: غادر سوريا جزء كبير من ذوي الدخل المتوسط والمرتفع، وبقي من فقره لا يسمح بطلب حقيقي على ملابس جيدة.
5- تخوف من تدهور مستقبلي: الترقب لمتغيرات اقتصادية كبرى (كرفع الدعم، وتغيرات سعر الصرف) يجعل الناس يمسكون بأي سيولة نقدية في صورة عملة صعبة أو ذهب، بدلًا من إنفاقها على كماليات.
هامش الربح يتجاوز 200%لم يغب حال الأسواق عن انتقادات الأهالي بسبب غلاء الألبسة بشكل اعتبره يفوق القدرة المادية وحتى المعنوية (أي حتى التفكير فيه) للأهالي.
وبدوره، يرى الخبير الاقتصادي أن انتقاد الأهالي لغلاء الألبسة دقيق اقتصاديًا، ويعكس خللًا هيكليًا ثلاثي الأبعاد:
أولًا: فك ارتباط الأسعار بالرواتب المحلية:
سوق الملابس في سوريا يعتمد بشكل كبير على المستورد أو المواد الأولية المستوردة (أقمشة، وأزرار، وصبغات).
وبما أن الاستيراد يتم بالدولار أو عبر الليرة السورية بسعر الصرف الموازي (وهو مرتفع)، فإن السعر النهائي يتحول بالدولار أو بما يعادله بالليرة، بينما الراتب يُدفع بالليرة السورية الرسمية المنهارة.
ثانيًا: هوامش ربح غير عادية في حلقات التوزيع:
بسبب ضعف المنافسة، وتركز الاستيراد بقلة من التجار، وزيادة مخاطر النقل والتخزين، أصبح هامش الربح في بعض القطع يتجاوز 200% من التكلفة الفعلية، مما يفاقم الغلاء.
ثالثًا: تقادم الموسم وغياب البدائل الإنتاجية المحلية:
دمار القطاع النسيجي في حلب وأماكن أخرى رفع الاعتماد على المستورد، وألغى إمكانية توفير ملابس متوسطة الجودة بأسعار مقبولة، مما جعل السوق قطبيًّا (إما رخيص جدًا ورديء، أو غالٍ جدًا وجيد إلى متوسط).
تحرير الاستيراد وتفعيل الرقابةختم الخبير الاقتصادي عبد الرحمن محمد بأنه كان يجب على الحكومة (ولو بعد الأوان) تدخلات هيكلية وليست فقط تسعيرية جبرية، أبرزها:
- إعادة هيكلة دعم الملابس الأساسية: دعم مباشر للأطفال وطلاب المدارس عبر كوبونات ملابس تُصرف للأسر الأشد فقرًا قبل بداية العام الدراسي والشتاء، أسوة ببعض الدول الليبية والعراقية في ظروف مشابهة.
- تحرير الاستيراد بإطار منافسة حقيقية: كسر احتكار مستوردي الملابس عن طريق تسهيل التخليص الجمركي للتجار الصغار، وإلغاء الشروط التعجيزية التي تخدم الكبار فقط.
- تفعيل الرقابة على هوامش الربح في الجملة: وضع هوامش ربح قصوى معقولة ومعلنة (مثلًا لا تتجاوز 35% من التكلفة الاستيرادية)، مع مراقبة جدية وغرامات رادعة، بدلًا من التسعير الجبري الذي يدفع التاجر للتهرب والبيع بالباطن.
- إحياء الصناعة النسيجية المحلية الصغيرة: توفير الطاقة والمواد الأولية بأسعار مخفضة مؤقتًا، لمعامل الخياطة الصغيرة والمتوسطة، مع قروض ميسرة لتأهيل ما تبقى من صناعة حلب، حتى تنتج بديلًا محليًا أرخص (وإن كان أقل جودة).
- سد منافذ إهدار القطع الأجنبي: السيطرة على سوق الصرف بشكل فاعل، لأن أي تقلب سعري في الدولار ينعكس فورًا على الملابس المستوردة.
- عدم فرض تسعير جبري للملابع بالتجزئة: التجربة السورية أظهرت أن فرض سقوف سعرية دون معالجة التكلفة والصرف يؤدي فقط لاختفاء السلعة أو هبوط جودتها.
Related
إقرأ المزيد


