عنب بلدي - 5/26/2026 10:15:12 AM - GMT (+2 )
تشهد مدينة الحسكة خلال الأشهر الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في معدلات الجريمة وحوادث القتل والسطو المسلح والسرقات، في ظل حالة من الانفلات الأمني التي يقول سكان إنها باتت تهدد حياتهم اليومية، وتنعكس على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في المدينة وضواحيها.
وتزايدت شكاوى الأهالي من تكرار حوادث “التشليح” والقتل والمشاجرات المسلحة، بالتزامن مع غياب الدور الفاعل للمؤسسات القضائية والأمنية، ما دفع السكان إلى مناشدة الجهات المعنية في وزارة الداخلية السورية، ممثلة بجهاز الأمن الداخلي في محافظة الحسكة، للتحرك وضبط الوضع الأمني المتدهور.
تغيّرات ميدانية وانعكاسات أمنيةحالة التوتر الأمني، أعقبت التطورات الميدانية التي شهدتها محافظة الحسكة منذ منتصف كانون الثاني الماضي، حين سيطر الجيش السوري على الأرياف الجنوبية والشرقية للمحافظة، بينما بقي مركز مدينة الحسكة تحت سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).
ورغم أن التفاهمات التي جرت بين الحكومة السورية و”قسد” في نهاية كانون الثاني أسهمت في تهدئة الجبهات ووقف التوتر العسكري المباشر، فإن سكان المدينة يقولون إن الحسكة بقيت تعيش حالة “هشاشة أمنية”، بحكم موقعها الجغرافي القريب من خطوط التماس، إلى جانب غياب آليات واضحة لإدارة الملف الأمني داخل المدينة.
وبحسب ما رصدته “عنب بلدي”، شهدت المدينة خلال الأسابيع الأخيرة سلسلة من الجرائم المتفرقة، من بينها عمليات قتل وسطو مسلح وسرقات استهدفت منازل ومدنيين على الطرقات العامة.
ومن أبرز الحوادث التي أثارت جدلًا واسعًا بين السكان، مؤخرًا، تعرض منزل طبيب في حي المفتي لعملية سطو مسلح، أسفرت عن سرقة نحو 100 ألف دولار أمريكي إضافة إلى كميات كبيرة من المصاغ الذهبي، وفق ما أفاد به سكان من الحي.
كما شهدت المدينة خلال الأيام الماضية مقتل أحد الأشخاص المتهمين بسرقة كابلات التيار الكهربائي، في حادثة أثارت تساؤلات حول تزايد ظاهرة سرقة البنى التحتية والخدمات العامة.
وسجلت الحسكة أيضًا جريمة قتل استهدفت شخصًا نازحًا من مدينة عين العرب (كوباني)، كان يقيم في المدينة منذ فترة، إلى جانب حادثة قتل أخرى في حي غويران قبل نحو أسبوعين.
وفي ضواحي المدينة الشرقية، ولا سيما على طريق الحسكة- الهول قرب جبل كوكب، تكررت عمليات “التشليح” والسطو المسلح خلال الشهر الأخير، وأسفرت عن سرقة سيارات ومبالغ مالية من مدنيين أثناء تنقلهم على الطريق.
كذلك شهدت أطراف المدينة الشرقية مشاجرة عشائرية أدت إلى وقوع عدد من الإصابات، وسط مخاوف من اتساع النزاعات المجتمعية في ظل ضعف الضبط الأمني.
“لم نعد نشعر بالأمان”محمد العبد الله، وهو موظف من سكان حي النشوة، قال لعنب بلدي إن حالة الخوف باتت تسيطر على كثير من العائلات في المدينة، خاصة خلال ساعات الليل.
وأضاف، “لم نكن نشهد هذا الكم من الجرائم بشكل متقارب سابقًا، اليوم الناس تخشى التنقل ليلًا أو السفر على الطرقات القريبة من المدينة، خصوصًا طريق الهول”.
وأوضح أن الأهالي يطالبون بتكثيف الدوريات الأمنية وضبط السلاح المنتشر بين المدنيين، معتبرًا أن استمرار الوضع الحالي “يهدد الاستقرار الاجتماعي بالكامل”.
من جهتها، قالت هناء الخلف، وهي معلمة تقيم في حي تل حجر، إن النساء والأطفال باتوا الأكثر تأثرًا بحالة الانفلات الأمني.
وأضافت لعنب بلدي، “أصبحنا نعيش حالة قلق يومية، كل يوم نسمع عن جريمة قتل أو سرقة أو مشاجرة مسلحة، وهذا يخلق حالة خوف مستمرة داخل المجتمع”.
وناشدت الخلف الجهات الأمنية والقضائية “التحرك بشكل جدي لإعادة الشعور بالأمان”، مشيرة إلى أن غياب المحاسبة يشجع على تكرار الجرائم.
أما سائق الأجرة، خالد المطر، فقال إن الطرق المحيطة بالحسكة أصبحت “مصدر رعب” للكثير من السائقين والمسافرين، بعد تزايد عمليات السطو المسلح.
وأضاف أن هناك سائقين باتوا يرفضون العمل على بعض الخطوط، خصوصًا طريق الحسكة- الهول، بسبب تكرار حوادث السلب وسرقة السيارات.
وطالب المطر بإنشاء حواجز أمنية ثابتة على الطرق الرئيسية، وزيادة التنسيق بين القوى المسيطرة في المنطقة لمنع تكرار الحوادث.
بدوره، اعتبر الشاب أحمد الحسين، وهو صاحب متجر في سوق المدينة، أن تدهور الوضع الأمني انعكس مباشرة على الحركة التجارية.
وقال لعنب بلدي، إن الناس أصبحت تتجنب الخروج ليلًا أو التنقل بين الأحياء، وهذا أثر على الأسواق والعمل، حتى أصحاب المحال التجارية باتوا يغلقون مبكرًا خوفًا من السرقات.
وأضاف أن كثيرًا من السكان يشعرون بغياب الثقة بقدرة الجهات المعنية على ضبط الأمن، داعيًا إلى “حلول حقيقية بدل الاكتفاء بردود الفعل المؤقتة”.
غياب القضاء وتراجع الردعيقول سكان في المدينة إن الأزمة لا ترتبط فقط بازدياد الجرائم، بل أيضًا بغياب الدور الفاعل للمؤسسات القضائية، الأمر الذي ساهم في تراجع حالة الردع القانونية.
وبحسب إفادات متقاطعة حصلت عليها عنب بلدي، فإن العديد من القضايا الجنائية تُعالج بطرق عشائرية أو تبقى دون متابعة واضحة، ما يفتح الباب أمام تصاعد النزاعات وحالات الثأر والفوضى.
ويرى الأهالي أن وجود أجهزة أمنية متعددة وتباين الجهات المسيطرة في المحافظة ينعكس على آليات الملاحقة القانونية وتطبيق الأحكام، في وقت تحتاج فيه المدينة إلى مؤسسات قضائية وأمنية أكثر فاعلية واستقرارًا.
فوضى تهدد النسيج المجتمعيالخبير الاجتماعي علي الأحمد قال لعنب بلدي، إن تصاعد الجريمة في الحسكة يرتبط بجملة من العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتداخلة.
وأوضح أن المناطق التي تعيش ظروفًا انتقالية أو حالة تعدد في مراكز النفوذ الأمني تكون أكثر عرضة لارتفاع معدلات الجريمة، خاصة مع ضعف المؤسسات القضائية وغياب الاستقرار الاقتصادي.
الضغوط المعيشية والبطالة وانتشار السلاح عوامل تساهم أيضًا في زيادة معدلات العنف والسطو، وفق الأحمد، مشيرًا إلى أن استمرار الوضع الحالي قد يترك آثارًا عميقة على البنية الاجتماعية في المدينة.
وتابع أن الخطر لا يقتصر على الجرائم نفسها، بل يمتد إلى فقدان الناس شعورهم بالأمان وثقتهم بالمؤسسات، وهذا ينعكس على العلاقات الاجتماعية وحركة الاقتصاد والتعليم والحياة العامة.
وشدد على ضرورة العمل بشكل متزامن على عدة مسارات، تشمل تعزيز العمل الأمني، وتفعيل القضاء، والحد من انتشار السلاح، إلى جانب إطلاق مبادرات مجتمعية للحد من الاحتقان والعنف.
مناشدات لتحرك عاجلفي ظل استمرار الحوادث الأمنية، تتصاعد مناشدات السكان للجهات المعنية من أجل التدخل السريع وإعادة ضبط الوضع الأمني داخل المدينة وريفها.
ويطالب الأهالي الذين التقتهم عنب بلدي بتكثيف الدوريات الأمنية داخل الأحياء وعلى الطرقات الرئيسية، وتفعيل المؤسسات القضائية، وملاحقة المتورطين في عمليات السطو والقتل، إضافة إلى وضع حد لانتشار السلاح غير المنظم.
كما يدعو سكان إلى تعزيز التنسيق بين مختلف القوى المسيطرة في المحافظة، لمنع تحوّل الحسكة إلى ساحة مفتوحة للفوضى الأمنية، خصوصًا مع حساسية موقعها الجغرافي وتعقيدات المشهد العسكري والإداري فيها.
وبينما تستمر المدينة في مواجهة تحديات أمنية متزايدة، يبقى هاجس الأمان المطلب الأكثر إلحاحًا بالنسبة للسكان، الذين يقولون إن استقرار الحياة اليومية بات مرتبطًا بقدرة الجهات المعنية على احتواء الفوضى وإعادة فرض القانون.
Related
إقرأ المزيد


