عنب بلدي - 5/26/2026 1:50:12 PM - GMT (+2 )
قبيل ساعات من دخول عيد الأضحى، بدت أسواق مدينة الحسكة أكثر ازدحامًا من المعتاد، في مشهد يتكرر كل عيد، لكنه هذا الموسم يحمل ملامح مختلفة من القلق والتردد لدى الأهالي، في ظل الارتفاع المستمر بأسعار السلع الأساسية والاستهلاكية، ولا سيما الملابس والسكاكر واللحوم، فضلًا عن المواد الغذائية المرتبطة بطقوس العيد.
ورغم الحركة النشطة في الأسواق الرئيسية، مثل شارع فلسطين وسوق الهال وسوق الصالحية، فإن كثيرًا من العائلات بدت عاجزة عن مجاراة الأسعار، وسط تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة إلى مستويات غير مسبوقة، بحسب ما رصدته عنب بلدي خلال جولة ميدانية في المدينة.
ازدحام بلا قدرة شرائيةازدحمت محال الألبسة بالمتسوقين، خاصة العائلات التي اصطحبت أطفالها لشراء ملابس العيد، إلا أن غالبية الزبائن كانوا يكتفون بالسؤال عن الأسعار أو شراء القطع الضرورية فقط.
أحمد الخلف، وهو موظف حكومي وأب لخمسة أطفال، يقول لعنب بلدي، إن شراء ملابس العيد تحوّل إلى “عبء حقيقي” على الأسر، مضيفًا: “في السابق كنا نشتري لكل طفل طقم، أما اليوم فأقصى ما نستطيع تأمينه قطعة واحدة، وبعض الأهالي باتوا يعتمدون على الملابس المستعملة أو يؤجلون الشراء بالكامل”.
وأضاف أن سعر بنطال الأطفال الجيد يتراوح بين 100 و150 ألف ليرة سورية، بينما تجاوز سعر الحذاء أحيانًا 100 ألف ليرة، وهو ما يجعل تجهيز طفل واحد يكلف ما يعادل راتب موظف تقريبًا.
في أحد محال الألبسة بسوق المدينة، قال البائع محمد العلي، إن الأسعار ارتفعت هذا العام نتيجة ارتفاع تكاليف النقل والشحن وأسعار الجملة، إضافة إلى تقلب سعر الصرف.
وأوضح لعنب بلدي أن كثيرًا من البضائع تصل من مدن سورية أخرى أو عبر تجار يستوردونها من الخارج، ما يضاعف التكاليف، مشيرًا إلى أن “الحركة موجودة، لكن البيع الفعلي أقل من الأعوام الماضية”.
وأضاف: “الناس تدخل وتسأل وتقارن كثيرًا قبل الشراء، وبعضهم يخرج دون أن يشتري شيئًا. حتى أصحاب الدخل المتوسط باتوا يشترون بالحد الأدنى”.
السكاكر والمكسرات.. رفاهية مؤجلةلم يكن الحال مختلفًا في محال السكاكر والمكسرات التي تُعد من أبرز مستلزمات العيد بالنسبة للأسر، إذ شهدت أسعارها ارتفاعًا لافتًا هذا الموسم.
في أحد المحال وسط المدينة، تراوح سعر كيلو الشوكولاتة بين 150 و300 ألف ليرة سورية بحسب النوع، بينما تجاوز سعر بعض أنواع المكسرات 250 ألف ليرة للكيلوغرام الواحد.
تقول عليا محمد، وهي ربة منزل كانت تتسوق برفقة ابنتها، إن العائلات باتت تشتري “بالمفرق” بدلًا من الكيلوغرامات الكاملة.
وأضافت لعنب بلدي: “العيد من دون سكاكر وضيافة لا يكون عيدًا، لكننا اليوم نشتري كميات قليلة جدًا فقط من أجل الأطفال والضيوف”.
أما صاحب محل لبيع الحلويات والسكاكر، عبد الرحمن الحسين، فقال إن الطلب على البضائع تراجع مقارنة بالسنوات السابقة، رغم الازدحام الملحوظ.
وأوضح أن الزبائن باتوا يركزون على الأصناف الأرخص سعرًا، بينما تراجع الإقبال على الشوكولاتة المستوردة والمكسرات الفاخرة.
وأضاف: “الناس تحاول الحفاظ على طقوس العيد قدر الإمكان، لكن الواقع الاقتصادي فرض تغييرات واضحة على العادات الاستهلاكية”.
أسعار اللحوم خارج القدرةومع حلول عيد الأضحى، تبقى اللحوم والأضاحي من أكثر الملفات حضورًا في الأسواق، غير أن الأسعار هذا العام دفعت كثيرين إلى العزوف عن شراء الأضاحي أو حتى اللحوم الحمراء، بشكل عام.
في سوق القصابين بمدينة الحسكة، قال عدد من المواطنين، إن شراء اللحوم بات يقتصر على الضرورات، في ظل تجاوز سعر كيلو لحم الغنم مستويات مرتفعة لا تتناسب مع دخل معظم السكان.
المواطن خالد السلمان، قال لعنب بلدي، إن شراء الأضحية أصبح “حلمًا بعيد المنال” بالنسبة لشريحة واسعة من الأهالي.
وأضاف: “حتى شراء عدة كيلوغرامات من اللحم للعيد أصبح مكلفًا جدًا، فما بالك بالأضحية كاملة. كثير من الناس هذا العام سيتشاركون بالأضاحي أو يلغون الفكرة بالكامل”.
من جهته، أوضح القصاب محمود الحمد، أن أسعار المواشي ارتفعت نتيجة الموسم الجيد وإحجام المربين عن البيع، فضلًا عن تراجع أعداد القطعان مقارنة بالسنوات الماضية.
وأشار إلى أن الإقبال على شراء الأضاحي أقل من المعتاد، رغم اقتراب العيد، موضحًا أن بعض الزبائن يطلبون أوزانًا صغيرة أو يتشاركون في الأضحية لتخفيف التكاليف.
الغذائيات الأساسية.. ارتفاع متواصللم تقتصر موجة الغلاء على الملابس والسكاكر واللحوم، بل شملت معظم المواد الغذائية الأساسية، وسط شكاوى الأهالي من استمرار ارتفاع الأسعار بشكل شبه يومي.
في سوق الخضار، قال أبو يوسف، وهو بائع مواد غذائية، إن الأسعار تتغير باستمرار تبعًا لسعر الصرف وتكاليف النقل.
وأضاف لعنب بلدي أن بعض المواد ارتفعت أسعارها بنسبة كبيرة خلال الأشهر الأخيرة، ما أثر على حركة البيع.
وأوضح: “حتى المواد الأساسية مثل الزيت والسكر والأرز أصبحت تُشترى بكميات أقل. الناس اليوم تحسب كل ليرة قبل الإنفاق”.
أما المواطنة هناء العبد الله، فقالت إن راتب زوجها لم يعد يكفي سوى لأيام معدودة، مضيفة أن العائلات أصبحت مضطرة للتخلي عن كثير من الاحتياجات المرتبطة بالعيد.
وتابعت: “كنا ننتظر العيد للفرح والتجمع، أما اليوم فأغلب الأهالي يدخلون السوق وهم يفكرون فقط كيف يؤمنون الضروريات”.
فجوة متزايدة بين الدخل والأسعارويرى الخبير الاقتصادي السوري ثامر الأحمد، في حديث إلى عنب بلدي، أن ما تشهده الأسواق في الحسكة يعكس أزمة اقتصادية أوسع تعيشها البلاد، في ظل التراجع الحاد بالقوة الشرائية وغياب الاستقرار السعري.
وأوضح أن ارتفاع الأسعار يرتبط بعدة عوامل، أبرزها تقلبات سعر الصرف، وارتفاع تكاليف النقل والطاقة، إضافة إلى ضعف الإنتاج المحلي واعتماد الأسواق على البضائع المستوردة أو المنقولة من مناطق بعيدة.
وأضاف: “المشكلة الأساسية ليست فقط في ارتفاع الأسعار، بل في اتساع الفجوة بين الدخل والإنفاق، إذ لم تعد الرواتب والأجور تتناسب مع الحد الأدنى من متطلبات المعيشة”.
وأشار إلى أن المواسم والأعياد تكشف بشكل أوضح حجم الأزمة الاقتصادية، لأن الطلب يرتفع خلالها على سلع مرتبطة بالعادات الاجتماعية، في وقت تعجز فيه شريحة واسعة من السكان عن تلبية تلك الاحتياجات.
وبحسب الأحمد، فإن كثيرًا من العائلات أصبحت تعتمد على تقليص الاستهلاك أو الاستدانة أو تلقي الحوالات المالية من الخارج لتغطية نفقات المناسبات والأعياد.
كما لفت إلى أن استمرار حالة عدم الاستقرار الاقتصادي يؤدي إلى تغيرات اجتماعية واضحة، تتمثل بتراجع بعض مظاهر الاحتفال التقليدية وتبدل أولويات الإنفاق لدى الأسر.
العيد بطقوس أقلورغم الضغوط الاقتصادية، يحاول كثير من أهالي الحسكة الحفاظ على الحد الأدنى من أجواء العيد، ولو بوسائل بسيطة.
وفي مقابل هذا المشهد، يرى ثامر الأحمد، أن استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية يهدد بتحويل المناسبات الاجتماعية والدينية إلى أعباء إضافية على الأسر السورية، في وقت تتزايد فيه معدلات الفقر وتراجع القدرة الشرائية.
ومع حلول عيد الأضحى، لا تعكس الحركة في أسواق الحسكة الواقع المعيشي، إذ تشهد ازدحامًا كبيرًا، وحركة واضحة، لكن بقدرة شراء محدودة، فيما يحاول الأهالي الموازنة بين الحفاظ على طقوس العيد ومواجهة ضغوط الحياة اليومية المتصاعدة.
Related
إقرأ المزيد


