عنب بلدي - 5/31/2026 10:49:10 AM - GMT (+2 )
عنب بلدي – ركان الخضر
رغم مرور أكثر من عام ونصف على سقوط نظام الأسد في 8 من كانون الأول 2024، والتعاون الذي أبدته الحكومة السورية الجديدة مع منظمة حظر الأسلحة الكيماوية لتدمير برنامج السلاح الكيماوي العائد للنظام السابق، ما زالت أسرار جديدة تتكشف حول هذا الملف الذي أقض مضاجع السوريين على مدى سنوات بعد عدة مجازر ارتُكبت بحقهم بهذا السلاح المحرّم دوليًا.
في 26 من أيار الحالي، نقلت وكالة “رويترز” عن مسؤول سوري، أن السلطات السورية عثرت على بقايا برنامج الأسلحة الكيماوية السري الذي كان يديره رئيس النظام المخلوع، بشار الأسد.
وقال المسؤول، إن المواد التي عُثر عليها تشمل مواد خام وذخائر مماثلة لتلك التي استخدمت في هجمات بالغاز خلال سنوات الحرب في سوريا.
وأضاف أن السلطات تمكنت من انتشال أكثر من 70 صاروخًا وقنبلة كانت تُستخدم ضمن برنامج الأسلحة الكيماوية.
تطور قانوني بالغ الأهميةالخبير في القانون الدولي المعتصم الكيلاني قال إن الإعلان عن اكتشاف بقايا برنامج الأسلحة الكيماوية التابع للنظام السابق يشكل تطورًا قانونيًا وحقوقيًا بالغ الأهمية، لأن أحد أبرز التحديات التي واجهت مسارات المحاسبة خلال السنوات الماضية تمثل في صعوبة الوصول إلى الأدلة المادية المباشرة المرتبطة بالبنية التنظيمية والفنية للبرنامج الكيماوي.
وأضاف الكيلاني أن وجود مستودعات أو مواد أو وثائق أو سجلات تشغيل مرتبطة بالبرنامج، يمكن أن يعزز بشكل كبير سلسلة الأدلة المطلوبة لإثبات المسؤولية الجنائية، ليس فقط بحق المنفذين المباشرين، وإنما أيضًا بحق المسؤولين السياسيين والعسكريين الذين أصدروا الأوامر أو سهلوا التنفيذ أو امتنعوا عن منع وقوع الجرائم رغم علمهم بها.
وأوضح أن استخدام الأسلحة الكيماوية يعد من الناحية القانونية انتهاكًا خطيرًا لاتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية لعام 1993، كما يمكن أن يرقى، وفق ظروف الاستخدام وطبيعته، إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بموجب القانون الدولي الإنساني ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
وانطلاقًا من الشروحات القانونية السابقة، قد يسهم الاكتشاف الجديد، وفق الكيلاني، في إعادة فتح أو تعزيز ملفات تحقيق قائمة أمام هيئات أوروبية ودولية تعتمد مبدأ الولاية القضائية العالمية، وتدعيم تقارير الآلية الدولية المحايدة والمستقلة الخاصة بسوريا (IIIM)، وتوسيع نطاق المسؤولية ليشمل البنية الإدارية والأمنية والعلمية التي شاركت في إدارة البرنامج.
كما أن العثور على أدلة جديدة قد يسمح بربط وقائع الهجمات الكيماوية المختلفة ضمن نمط ممنهج ومنظم، وهو عنصر أساسي لإثبات الجرائم ضد الإنسانية، التي تتطلب إثبات وجود سياسة دولة أو هجوم واسع النطاق ضد المدنيين.
وفي سياق العدالة الانتقالية، فإن الكشف العلني عن بقايا البرنامج، بحسب الخبير القانوني المعتصم الكيلاني، يحمل أيضًا قيمة تتعلق بحق الضحايا والمجتمع في معرفة الحقيقة، وهو أحد الأعمدة الأساسية لأي عملية عدالة انتقالية حقيقية.
نقطة تحول في ملف المحاسبةقال المندوب الدائم لسوريا لدى منظمة حظر الأسلحة الكيماوية في لاهاي، محمد كتوب، إن السلطات السورية اعتقلت 18 شخصًا يُشتبه بتورطهم في برنامج الأسلحة الكيماوية التابع للنظام السابق.
وأشار كتوب، في مقابلة مع “رويترز”، إلى أن المعتقلين بينهم مسؤولون عسكريون وسياسيون وفنيون كبار، دون الكشف عن مزيد من التفاصيل بشأن هوياتهم أو طبيعة التهم الموجهة إليهم.
الخبير القانوني المعتصم الكيلاني قال إن توقيف مسؤولين كانوا جزءًا من البرنامج الكيماوي، قد يشكل نقطة تحول حاسمة في ملف المحاسبة، لأن هذه القضايا لا تعتمد فقط على الأدلة التقنية، بل بشكل كبير على إثبات التسلسل القيادي وآليات اتخاذ القرار داخل المؤسسات العسكرية والأمنية.
وأشار الكيلاني إلى أن وجود متهمين قيد الاحتجاز، قد يسمح للجهات القضائية بالحصول على اعترافات أو إفادات مباشرة، تشمل معلومات حول أماكن تخزين الوثائق والمواد وأسماء مسؤولين أعلى رتبة وتفاصيل تتعلق بسلسلة الأوامر العسكرية والأمنية، بالإضافة إلى آليات نقل المواد الكيماوية أو استخدامها.
ونوه إلى أن توقيف المشتبه بهم يسهم من الناحية الإجرائية في حماية الأدلة من الإتلاف أو التلاعب ومنع التأثير على الشهود وتسهيل التعاون القضائي الدولي وتمكين المحققين من بناء ملفات أكثر تماسكًا أمام المحاكم.
كذلك، فإن وجود مسؤولين موقوفين داخل سوريا قد يفتح المجال، بحسب الكيلاني، أمام تعاون مباشر مع آليات التحقيق الدولية، سواء عبر تبادل المعلومات أو السماح بالوصول إلى المواقع والأرشيف، وهو أمر كان شبه مستحيل خلال فترة حكم النظام السابق.
وأوضح الكيلاني أن التعامل مع هذه الاعتقالات ضمن إطار قانوني مستقل وشفاف، قد يمثل بداية لمسار أوسع يتعلق بمساءلة كبار المسؤولين، وليس فقط الموظفين أو المنفذين الأدنى رتبة.
وربط الخبير القانوني المعتصم الكيلاني، القيمة القانونية لهذه الاعتقالات بعدد من الشروط، شملت ضمان المحاكمات العادلة واحترام حقوق الدفاع، بالإضافة إلى منع استخدام الاعترافات المنتزعة بالإكراه وإتاحة الرقابة القضائية المستقلة، لأن الإخلال بهذه الضمانات قد يضعف شرعية المحاكمات ويؤثر على إمكانية الاستفادة من نتائجها دوليًا.
فجوات قانونية تتطلب الإصلاحقال الخبير القانوني المعتصم الكيلاني، أن القانون السوري يمتلك بعض النصوص العامة المتعلقة بالقتل والتعذيب والتخريب واستخدام المواد المحظورة، إلا أن الإطار القانوني الحالي لا يزال يعاني من فجوات كبيرة عند التعامل مع الجرائم الدولية الكبرى، وعلى رأسها جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية واستخدام الأسلحة الكيماوية.
وأضاف أن أبرز الفجوات تتمثل في أن التشريعات السورية التقليدية صُممت أساسًا للتعامل مع الجرائم الجنائية العادية، وليس مع الانتهاكات واسعة النطاق والمنهجية التي ارتُكبت خلال النزاع السوري.
كما أن القانون السوري، وفق الكيلاني، لا يتضمن بصورة متكاملة تعريفات واضحة للجرائم ضد الإنسانية ومبدأ مسؤولية القادة والرؤساء وآليات حماية الشهود والضحايا، أو قواعد خاصة بالأدلة المتعلقة بالجرائم الدولية.
إضافة إلى ذلك، فإن سنوات النزاع أضعفت استقلال السلطة القضائية بشكل عميق، وكرست تدخل الأجهزة الأمنية والسياسية في عمل القضاء، وهو ما يطرح تحديات كبيرة أمام أي عملية محاسبة حقيقية، بحسب الكيلاني.
وأضاف الكيلاني أن المرحلة الانتقالية تبرز حاجة ملحة إلى إصلاحات قانونية ومؤسساتية واسعة تتضمن تعديل قانون العقوبات بما ينسجم مع القانون الدولي وإدماج الجرائم الدولية ضمن التشريعات الوطنية، بالإضافة إلى تعزيز استقلال القضاء وإنشاء دوائر أو محاكم متخصصة بالجرائم الجسيمة، وإقرار منظومة متكاملة للعدالة الانتقالية.
كما قد يكون من الضروري، بحسب الخبير القانوني الكيلاني، الاستفادة من نماذج “العدالة الهجينة”، التي تجمع بين القضاء الوطني والخبرات الدولية، لضمان النزاهة والكفاءة، خاصة في الجرائم المعقدة مثل ملف الأسلحة الكيماوية.
وأشار الكيلاني إلى أن تعذر تحقيق المحاكمات الفعالة داخليًا، سيؤكد أهمية المسارات الدولية والولاية القضائية العالمية، التي استخدمتها عدة دول أوروبية خلال السنوات الماضية لمحاكمة متهمين بارتكاب جرائم في سوريا.
ونوه إلى أن نجاح أي عملية محاسبة لن يقاس فقط بإصدار الأحكام، بل بقدرتها على كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا وضمان عدم التكرار، واستعادة الثقة بالمؤسسات القضائية في سوريا الجديدة.
مجازر بلا دماءخلال فترة حكمه، استخدم النظام السابق الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين بأماكن متفرقة في سوريا، أبرزها في ريف دمشق.
وبدأ استخدام هذا السلاح المحرّم دوليًا في 21 من آب 2013، عندما نفذ نظام الأسد هجومًا بغاز السارين السام، استهدف عدة بلدات في الغوطة الشرقية، وبلدة المعضمية بالغوطة الغربية وقصفها بأكثر من عشرة صواريخ.
وأدت الهجمات الكيماوية إلى مقتل 1119 مدنيًا و25 مقاتلًا في صفوف المعارضة حينها، وإصابة 5935 آخرين، بحسب ما وثقته “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”.
وفي 4 من نيسان 2017، قصف النظام السابق مدينة خان شيخون بغاز السارين، ما أدى إلى مقتل 91 مدنيًا بينهم 32 طفلًا و23 امرأة وإصابة 520 آخرين، وفق توثيقات ذات المؤسسة الحقوقية.
وبعد نحو ستة أشهر على الحادثة، أكد تقرير أعدته “آلية التحقيق المشتركة” مسؤولية النظام السوري عن إطلاق غاز السارين على خان شيخون.
وكانت سوريا انضمت إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية في 2013، وفق نظام تحقق صارم، وقدمت إعلانًا أوليًا عن برنامجها الكيماوي، لكنها لم تكشف عن البرنامج الكامل للأسلحة، في محاولة فاشلة لتضليل المجتمع الدولي بشأن نطاقه وحجمه، بحسب تقرير المنظمة.
وأكدت الأمانة الفنية للمنظمة بشكل مستقل استخدام الأسلحة الكيماوية في سوريا، سواء من قبل القوات السورية السابقة أو الجهات الفاعلة غير الحكومية، بما في ذلك تنظيم “الدولة الإسلامية”.
ومع سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، أتيحت فرصة للكشف الكامل عن برنامج الأسلحة الكيماوية السوري، وضمان القضاء عليه وفق الاتفاقية.
Related
إقرأ المزيد


