عنب بلدي - 5/31/2026 11:07:08 AM - GMT (+2 )
عنب بلدي – وسيم العدوي
في كواليس المالية السورية، لم يعد النقاش يدور حول ما إذا كانت البلاد ستتجه نحو الخدمات المصرفية الرقمية، بل حول السرعة التي يمكن أن تلحق بها بالتحولات الإقليمية المتسارعة، فالمقاربة التي يعتمدها القطاع المصرفي اليوم تقوم على إدارة المخاطر لا على الإغلاق أو المنع.
ويبدو أن صناع القرار في مصرف سوريا المركزي باتوا يدركون أن مستقبل القطاع المالي لن يُقاس بعدد الفروع المصرفية التقليدية، بل بقدرة النظام على الانتقال إلى منصات الدفع الذكية والخدمات المالية المرنة، وتقليص الاعتماد على النقد، وربط السوق السورية تدريجيًا بالأسواق العالمية عبر التكنولوجيا المالية.
لكن الطريق لا يزال طويلًا، فبينما يقترب المركزي، بحسب ما تم الكشف عنه في ملتقى الاستثمار السوري- الإماراتي الذي انعقد مؤخرًا، من إصدار قرارات تسمح بترخيص شركات متخصصة في التكنولوجيا المالية والتسويات الإلكترونية والمحافظ الرقمية، يبرز سؤال أكثر عمقًا: هل تمتلك البنوك السورية البنية التقنية الكافية لمواكبة هذا التحول؟
ويأتي هذا التساؤل لأن تحديث شبكات المدفوعات الرقمية لا يتطلب فقط تشريعات جديدة، بل استثمارات ثقيلة، وبنية مصرفية حديثة، وقدرة على التكيف مع معايير مالية دولية تتغير بوتيرة أسرع من قدرة كثير من الاقتصادات الناشئة على اللحاق بها.
في هذه المادة، تناقش عنب بلدي التحولات الجارية في القطاع المصرفي السوري باتجاه الخدمات المالية الرقمية، ودور المركزي في تنظيم المحافظ الإلكترونية وأنظمة الدفع الحديثة، ومفهوم الاقتصاد الرقمي وأثره المحتمل على البنية النقدية والمصرفية في سوريا.
ما المحافظ الإلكترونية؟بحسب منصة “Informa TechTarget” العالمية للتكنولوجيا، تصنف المحافظ الإلكترونية كـ”أدوات مالية رقمية” تسمح للأفراد بتخزين الأموال وإجراء عمليات الدفع والتحويل عبر الهاتف المحمول، أو التطبيقات الإلكترونية دون الحاجة إلى تداول النقد بشكل مباشر، وترتبط هذه المحافظ بأحد الخيارات التالية:
- رقم هاتف.
- حساب مصرفي.
- بطاقة دفع إلكترونية تخضع لإشراف الجهة النقدية المنظمة في الدولة.
والهدف الأساسي منها هو:
- تسهيل المعاملات اليومية.
- تسريع عمليات الدفع.
- تقليل تكاليف تداول النقد الورقي.
- توسيع الشمول المالي، عبر إدخال فئات واسعة من الناس إلى النظام المالي، حتى ولو لم يمتلكوا حسابات مصرفية تقليدية.
وفي حديث إلى عنب بلدي، يرى الخبير الاقتصادي السوري مهند الزنبركجي، أنه يمكن للمحافظ الإلكترونية أن تتحول إلى أداة مؤثرة جدًا في الاقتصادات التي تعاني ضعفًا مصرفيًا أو انتشارًا واسعًا للتعامل النقدي، فهي تتيح للأفراد إجراء عمليات مالية سريعة منخفضة التكلفة، وتخفف الضغط عن المصارف التقليدية، كما تمنح الحكومات قدرة أفضل على مراقبة حركة السيولة داخل الاقتصاد.
تحول في إدارة السياسة النقديةأكد الخبير الزنبركجي أن المركزي السوري يتجه نحو تنظيم شركات للمحافظ الإلكترونية وخدمات الدفع الرقمي، بهدف تخفيف أعباء الدفع عن كاهله ونقل جزء مهم من النشاط الاقتصادي إلى بيئة إلكترونية تعتمد على البيانات والتكنولوجيا والربط المالي الفوري، بما يشمل عمليات الدفع والتحويل والشراء والجباية، وحتى إدارة السياسات النقدية.
ولا تعتبر المحافظ الإلكترونية مجرد تطبيقات هاتفية لتحويل الأموال، لأن المسألة أوسع من ذلك بكثير، وبحسب الخبير السوري، عندما يبدأ المصرف المركزي بتنظيم المحافظ الرقمية، فإنه يضع أساسًا لمرحلة جديدة يصبح فيها جزء من حركة الأموال مراقبًا ومنظمًا إلكترونيًا، بدلًا من بقائه ضمن الاقتصاد النقدي غير المنظم.
لكن في المقابل، لا تزال البيئة السورية بعيدة عن الوصول إلى نموذج الاقتصاد الرقمي الكامل، لأن هذا التحول يحتاج إلى بنية اتصالات مستقرة، وانتشار واسع للخدمات المصرفية، وثقة المستخدمين بالقطاع المالي، إضافة إلى وجود قوانين حديثة لحماية البيانات والأمن السيبراني.
مخاطر الاختراقات الإلكترونيةتعمل المحافظ كوسيط رقمي بين المستخدم والجهات المالية أو التجار، ما يسمح بإجراء عمليات شراء وتحويل أموال دون إدخال البيانات المالية في كل مرة، وتعتمد في عملها على تقنيات تشفير متقدمة ورموز دفع مؤقتة (Tokenization)، إضافة إلى وسائل تحقق مثل بصمة الإصبع أو رمز الدخول، بهدف تعزيز الأمان وتقليل مخاطر الاحتيال، وفقًا لشركة “Capital” البريطانية لخدمات الأسواق المالية والدفع الإلكتروني.
ولكن هذه الأدوات، بحسب خبير التخطيط الاستراتيجي السوري، ليست خالية من المخاطر، فهي تعتمد بالكامل على الأنظمة الرقمية، ما يجعلها عرضة للاختراقات الإلكترونية أو عمليات الاحتيال إذا لم تكن أنظمة الحماية قوية بما يكفي، كما أن ضعف الوعي التقني لدى المستخدمين قد يزيد من احتمالات التعرض لسرقة الحسابات أو البيانات.
وفي الحالة السورية، يمكن للمحافظ الإلكترونية أن تغير تدريجيًا بنية النظام المصرفي التقليدي الذي يعتمد على الفروع الورقية والخدمات المباشرة، لأنها تعتمد على الهواتف الذكية والتطبيقات السريعة.
ومع توسع هذه الخدمات في سوريا، قد تصبح شركات التكنولوجيا المالية لاعبًا أساسيًا داخل السوق المالية، خاصة في الخدمات اليومية الصغيرة مثل التحويلات والمدفوعات والفواتير، وأوضح الزنبركجي أن هذا لا يعني أن المصارف التقليدية ستختفي، لأن البنوك لا تزال الجهة الرئيسة لتمويل المشاريع ومنح القروض وإدارة الودائع والاستثمارات الكبيرة.
تحديات قانونية للترخيصعلى المستوى القانوني، يرى المتخصص في التخطيط الاستراتيجي وإدارة المخاطر الزنبركجي، أن البيئة التشريعية السورية لا تزال في مرحلة انتقالية بالنسبة لتنظيم الاقتصاد الرقمي، فالقوانين المصرفية القائمة صيغت أساسًا لقطاع مصرفي تقليدي، ولم تُبنَ على أساس التعامل مع شركات مالية رقمية تعتمد على التكنولوجيا والبيانات الضخمة.
ولذلك، أكد الخبير أن مصرف سوريا المركزي يواجه تحديات كبيرة في تنظيم هذا القطاع، أهمها:
- وضع قواعد واضحة لحماية أموال المستخدمين.
- تنظيم عمليات الترخيص.
- ضمان أمن البيانات.
- منع استغلال المحافظ الإلكترونية في عمليات غسل الأموال أو المضاربة غير المشروعة أو السوق السوداء.
كما أن ضعف البنية التقنية والمؤسساتية قد يخلق صعوبة في فرض رقابة فعالة على هذا النوع من الخدمات.
الاستثمار في المحافظ الإلكترونيةأشار الخبير الزنبركجي إلى الفرق بين ترخيص شركة محافظ إلكترونية وترخيص بنك رقمي كامل، إذ يتم عادة منح شركة المحافظ الإلكترونية صلاحيات محدودة تتعلق بخدمات الدفع والتحويل وتخزين الأموال ضمن سقوف معينة، لكنها لا تعمل كبنك تقليدي، ولا تملك حق منح القروض أو إنشاء منتجات مصرفية معقدة.
وأما البنك الرقمي فهو مصرف متكامل يقدم جميع الخدمات البنكية لكن بشكل إلكتروني بالكامل، من دون الاعتماد الكبير على الفروع التقليدية، لذلك تكون متطلبات ترخيص البنك الرقمي أكثر تعقيدًا من حيث رأس المال والرقابة والالتزام بالمعايير المصرفية، بحسب الخبير.
وفي حال فتحت سوريا الباب أمام الاستثمارات الخارجية في قطاع التكنولوجيا المالية، فمن الممكن أن تدخل شركات عربية أو إقليمية متخصصة في المحافظ الرقمية والدفع الإلكتروني إلى السوق السورية، خاصة مع الاهتمام المتزايد بإعادة تنشيط القطاع المالي السوري.
وأضاف الزنبركجي أنه إذا حدث ذلك فعلًا، فقد تظهر منافسة حقيقية مع المصارف التقليدية، لأن شركات التكنولوجيا المالية غالبًا ما تمتلك مرونة وسرعة تشغيلية أعلى، كما أنها قادرة على الوصول إلى شرائح واسعة من المستخدمين عبر الهاتف المحمول بتكلفة أقل من البنوك التقليدية.
عندما تنتشر المدفوعات الرقمية، يصبح من الأسهل تتبع حركة الأموال، وتحسين كفاءة السياسة النقدية، وتقليل تكاليف طباعة ونقل النقد، والحد من بعض مظاهر المضاربة النقدية، وتنظيم الأسواق بشكل فعال.
مهند الزنبركجي
خبير اقتصادي سوري
محافظ بمليارات الدولاراتأبرز فوائد المحافظ الإلكترونية، تقليل الاعتماد على النقد الورقي، بحسب خبير التخطيط الاقتصادي، فالاقتصاد السوري يعتمد منذ سنوات بشكل كبير على التداول النقدي المباشر، ما يصعب عمليات الرقابة المالية، ويزيد من حجم الاقتصاد غير المنظم.
أما بالنسبة لسعر صرف الليرة السورية، فإن تأثير المحافظ الإلكترونية يكون غير مباشر في الغالب، بحسب الزنبركجي، فإذا أسهمت هذه الأدوات في زيادة الثقة بالنظام المالي وتحسين إدارة السيولة وتقليل التداول النقدي العشوائي، فقد تنعكس بشكل إيجابي على استقرار العملة المحلية.
ولكن في المقابل، إذا ما تم استخدام المحافظ الرقمية بشكل غير منظم أو أصبحت أداة للمضاربة وتحويل الأموال خارج الرقابة، فقد تتحول إلى عامل إضافي لعدم الاستقرار النقدي.
وعلى مستوى التجارب الدولية، أصبحت المحافظ الرقمية جزءًا أساسيًا من الاقتصادات الحديثة في العديد من الدول، ففي بعض الدول الآسيوية والإفريقية، تحولت المحافظ الإلكترونية إلى وسيلة الدفع الرئيسة لملايين المستخدمين، حتى إن جزءًا كبيرًا من النشاط التجاري اليومي بات يتم عبر الهاتف المحمول.
وختم الخبير مهند الزنبركجي بالقول، إن بعض شركات الدفع الرقمي العالمية أصبحت تملك قيمًا سوقية بمليارات الدولارات، بسبب توسع استخدامها واعتماد الأفراد والشركات عليها بشكل واسع، مشيرًا إلى أن الحدود المالية للمحافظ تختلف في كثير من الدول بحسب مستوى التحقق من هوية المستخدم وطبيعة النشاط المالي، حيث تكون الحدود منخفضة للحسابات العادية وترتفع للحسابات الموثقة أو التجارية.
Related
إقرأ المزيد


