عنب بلدي - 5/31/2026 12:44:12 PM - GMT (+2 )
حماة – عدي الحاج حسين
تعيش قرى وبلدات ريف حماة الشرقي أزمة مياه حادة، تتفاقم مع اقتراب فصل الصيف، في ظل غياب شبه كامل للبنية التحتية القادرة على تأمين مياه الشرب والري، وسط تحذيرات من كارثة إنسانية واقتصادية قد تدفع بموجة نزوح جديدة.
وتكشف شهادات أهالي المنطقة عن واقع مرير، إذ توقفت الشبكات الرئيسة، ودُمرت الآبار، وسُرقت المضخات، فيما يعجز السكان عن تحمل تكاليف الحلول البديلة في ظل أوضاع معيشية صعبة.
آبار مطمورة ومضخات مسروقةفيصل سيار الشهاب، وهو من أبناء قرية جروح ويقيم حاليًا في مخيم حي الجامعة بمدينة إدلب، قال لعنب بلدي، إن غياب المياه يمثل السبب الرئيس الذي يمنع عودة أهالي قريته إلى منازلهم.
ووصف فيصل الوضع المائي في قريته بأنه صعب للغاية، موضحًا أن نسبة كبيرة من سكان جروح لا تزال تقيم في القرية ذاتها، لكن أسباب العجز عن العودة بالنسبة للنازحين تتصدرها أزمة المياه الحادة.
وأضاف أن خزان المياه في القرية يفتقر إلى مولدة كهرباء لتشغيله، كما تعرضت المضخة الأساسية للسرقة سابقًا، في حين أقدمت مجموعات مسلحة على إغلاق الآبار الجوفية بالحجارة الكبيرة، ما يجعل إعادة فتحها وتأهيلها مرهونة بتكاليف مالية باهظة.
وأشار إلى أن ثمة سببًا آخر لا يقل أهمية يتمثل في الغياب التام للكهرباء عن المنطقة، فحتى لو تمكن الأهالي من حفر بئر جديدة، فإنهم لا يملكون القدرة على توصيل التيار الكهربائي إليها، معتبرًا أن إعادة تأهيل مقومات الحياة باتت تتطلب قدرة مالية لا تتوفر في ظل واقع معيشي صعب.
تلوث الآبار يقوض الاقتصاد المحليالأزمة تحولت إلى خطر يهدد بكارثة بيئية ومعيشية تضرب قطاعي الزراعة والثروة الحيوانية، وهما العمود الفقري للاقتصاد المحلي، بحسب محمد نور صلبي من قرية عكش.
وقال محمد لعنب بلدي، إن الآبار الجوفية والارتوازية التي كان يعتمد عليها الأهالي كبديل إسعافي تعرضت للتلوث، ما جعلها غير صالحة للاستخدام البشري، في وقت يزداد فيه الطلب على المياه مع اقتراب فصل الصيف.
وأضاف أن مياه الري تمثل شريان الاقتصاد الوحيد في هذه القرى، إذ يعتمد الأهالي كليًا على ما تنتجه أراضيهم من محاصيل أساسية، وأن المربين يُجبرون على نقل المياه يدويًا عدة مرات في اليوم لسقاية المواشي، في ظل انعدام مقومات الحياة الأساسية وعلى رأسها مياه الشرب.
الضرر، وفق محمد، لا يتوقف عند حد الاكتفاء الذاتي، بل يمتد إلى الأسواق المجاورة، فريف حماة الشرقي يُعد مغذيًا رئيسًا لأسواق مدينة سلمية بالمحاصيل الزراعية، ومع استمرار انقطاع المياه تتزايد المخاوف من شلل كامل في الحركة التجارية وتهديد مصادر رزق مئات العائلات.
وطالب محمد الجهات المختصة والمنظمات الإنسانية بالتدخل الفوري لإعادة تشغيل شبكة ومناهل مياه “الفيجة” القديمة المتوقفة، وتزويد مولداتها الضخمة بالمازوت، وإصلاح خطوط الشبكة المكسورة وتمديدها كحل إسعافي يضمن وصول المياه ولو لمرة أو مرتين في الأسبوع، لتفادي نزوح جديد قد يفرضه العطش.
بنية تحتية معطلة وعودة معلقةمحمد تركي الجاسم من قرية المكيمن، قال إن القرية تمتلك أساسيات شبكة المياه، لكنها معطلة بالكامل بسبب غياب التجهيزات اللازمة.
وأضاف محمد لعنب بلدي، أن القرية تضم بئرًا حكومية جاهزة بمياه جيدة كانت تكفي احتياجات السكان سابقًا، إلى جانب خزان مياه وشبكة لا تحتاج سوى صيانة خفيفة، لكن المشروع متوقف بالكامل، نتيجة غياب المضخة الغاطسة ومنظومة الطاقة الشمسية اللازمة لتوليد الكهرباء وتشغيلها.
وأشار إلى أن حفر الآبار العشوائية غير مسموح به، وأن الآبار السطحية الموجودة جفّ معظمها، ما يجبر الأهالي على شراء صهاريج المياه بتكلفة تصل إلى 15 دولارًا للخزان الواحد، وهو مبلغ يفوق قدرة عائلات تكافح لتأمين ثمن الخبز.
وبرأي محمد، فإن غياب المياه هو السبب الرئيس وراء عدم عودة معظم أهالي المنطقة إلى بيوتهم وقراهم في الريف الشرقي، محذرًا من أن استمرار الوضع الراهن يهدد بموجة نزوح عكسي جديدة.
وأشار إلى تضرر الثروة الحيوانية من الأغنام والماعز بشكل كبير، نظرًا إلى عدم توفر مياه الشرب للمواشي.
من الاكتفاء إلى العطشمدير مياه عقيربات سابقًا، ميسر المحمود، روى لعنب بلدي كيف تحولت المنطقة من شبكات منظمة كانت تغطي احتياجات نحو 70 ألف نسمة قبل عام 2011، إلى واقع يبحث فيه الأهالي عن قطرة ماء وسط ركام البنية التحتية المدمرة.
وقال المحمود، إن أبرز المشاريع كان “مشروع اللّج”، الذي وصفه بـ”شريان الحياة الأكبر” للمنطقة، إذ كان يروي وحده 13 قرية عبر بئرين جوفيتين وخزانين أرضيين ضخمين.
وأضاف أن جميع غرف الضخ تعرضت للتخريب، وسُرقت المحركات ومجموعات التوليد بالكامل، وفُقدت كل المقومات المادية والبشرية اللازمة للتشغيل، ليتوقف المشروع برمته ويصبح بحاجة لصيانة شاملة.
وأشار إلى أن بلدة عقيربات باتت اليوم تعتمد على آبار سطحية محلية بدائية ومحدودة، بينما تفتقر بقية القرى لأدنى مقومات الأمان المائي، في وقت تجاوز فيه التعداد السكاني حاجز 70 ألف نسمة.
ورغم ذلك، لدى المحمود نافذة أمل في الأمطار الغزيرة التي رفعت منسوب المياه السطحية مؤخرًا.
وطرح خطة إسعافية تقوم على ثلاثة محاور: إعادة تأهيل الآبار السطحية باعتبارها الحل الأسرع والأجدى، والاستعاضة عن المولدات التقليدية بمنظومات طاقة شمسية لتشغيل المضخات، وتأمين صهاريج منتظمة للقرى النائية.
وشدد على أن هذا المخطط يبقى معلقًا على توفر التمويل والدعم المالي اللازم من الجهات المعنية والمنظمات الدولية، لإنهاء رحلة الشقاء اليومية التي يعيشها سكان ريف حماة الشرقي بحثًا عن مياه نظيفة.
نصف البنية مدمرة وعقبات مالية وفنيةمدير مياه سلمية، شادي شاهين، أوضح لعنب بلدي، أن البنية التحتية للمياه في ناحية عقيربات تعرضت لأضرار جسيمة جراء الحرب، إذ تدمرت 50% من الآبار والشبكات والخزانات ومحطات الضخ.
وأضاف شاهين أن الشبكات الرئيسة والفرعية المتبقية تعرضت لتدمير جزئي وتحتاج إلى صيانة، مشيرًا إلى أنه لا توجد شبكات مدمرة بالكامل بشكل يستحيل إصلاحه.
وبخصوص مصادر الطاقة اللازمة لتشغيل الآبار ومحطات الضخ، قال شاهين، إن بعض الآبار في المنطقة تعتمد على منظومات طاقة شمسية، بينما لا يزال عدد آخر يحتاج إلى تيار كهربائي، في وقت توجد فيه مناطق تفتقد للكهرباء بشكل كامل.
وأشار إلى أنه لم يُنفذ في عقيربات حتى الآن سوى مشروع واحد فقط لتركيب منظومة طاقة شمسية، وذلك في محطة ضخ عقيربات، بينما تعتزم مديرية المياه استخدام خطوط كهرباء جديدة ومنظومات طاقة شمسية كآليات بديلة لتأمين الطاقة اللازمة لتشغيل الآبار والمحطات.
وعن أسباب التأخر في بدء أعمال إعادة التأهيل، أرجع شاهين ذلك إلى عقبات مالية وفنية تحول دون الانطلاق الفوري في تنفيذ المشاريع المطلوبة.
Related
إقرأ المزيد


