خبراء يحللون.. أي اقتصاد تحتاج إليه سوريا؟
عنب بلدي -

محمد جفال | عدي الحاج حسين | محمد ديب بظت

مر الاقتصاد السوري خلال العقود الماضية بتحولات عميقة أعادت تشكيل بنيته بين اقتصاد موجه تقوده الدولة، ثم انفتاح اقتصادي غير متوازن، وصولًا إلى اقتصاد الحرب الذي فرضه النزاع، وما رافقه من انهيار في البنية الإنتاجية واتساع الاقتصاد غير الرسمي.

هذه التحولات لم تكن منفصلة عن التشوهات المتراكمة من بيروقراطية وفساد وضعف في القطاعات الإنتاجية، بل جاءت لتعمقها وتعيد إنتاجها في سياقات أكثر تعقيدًا.

واليوم، ومع النقاشات المتزايدة حول الاقتصاد الحر وإعادة الإعمار، تبرز أسئلة جوهرية حول طبيعة النموذج الاقتصادي المقبل، وحدود دور الدولة والقطاع الخاص، وإمكانية بناء اقتصاد أكثر استقرارًا وعدالة في مرحلة ما بعد الحرب.

في هذا الملف، تقرأ عنب بلدي مع محليين وخبراء، التحولات التي مر بها الاقتصاد السوري، من اقتصاد “البعث” ومرحلة اقتصاد السوق الاجتماعي، وصولًا إلى اقتصاد الحرب، كما تناقش شكل الإدارة الاقتصادية الحالية، والتحديات المعيشية، والأسئلة المطروحة حول مستقبل الاقتصاد السوري.

لم يصل الاقتصاد السوري إلى واقعه الحالي دفعة واحدة، كما أن التحولات التي يعيشها اليوم لا يمكن فصلها عن مسار طويل من التبدلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي بدأت قبل سنوات الحرب بوقت طويل.

فمن اقتصاد شديد المركزية قادته الدولة لعقود، إلى انفتاح اقتصادي تدريجي، وصولًا إلى اقتصاد حرب قائم على الشبكات غير الرسمية والنفوذ، تبدلت بنية الاقتصاد السوري بشكل عميق خلال العقود الماضية.

طوال عقود حكم حزب “البعث”، ارتبط الاقتصاد السوري بنموذج قائم على تدخل الدولة المباشر في إدارة القطاعات الرئيسة، من الصناعة والزراعة إلى التجارة والخدمات، مع توسع القطاع العام واعتماد سياسات الدعم والتوظيف الحكومي بوصفها أدوات لضبط الاستقرار الاجتماعي.

ورغم أن هذا النموذج وفر، خلال مراحل معينة، مستويات مقبولة من الاستقرار المعيشي والاكتفاء في بعض القطاعات، فإنه واجه في المقابل مشكلات متراكمة، مثل البيروقراطية، وضعف الإنتاجية، والاعتماد المتزايد على الدولة كمشغل رئيس، إلى جانب محدودية المنافسة والاستثمار الخاص.

ومع بداية الألفية الجديدة، بدأت سوريا تتجه تدريجيًا نحو سياسات اقتصادية أكثر انفتاحًا، خصوصًا بعد تبني مفهوم “اقتصاد السوق الاجتماعي” رسميًا منتصف العقد الأول من الألفية، في محاولة للجمع بين اقتصاد السوق ودور الدولة الاجتماعي.

هذا التحول لم ينعكس بصورة متوازنة على مختلف الشرائح الاجتماعية، إذ شهدت تلك المرحلة توسع دور رجال الأعمال والاستثمارات الخاصة، مقابل تراجع تدريجي لبعض أدوار الدولة الاقتصادية والخدمية، ما أسهم في تركز النفوذ الاقتصادي ضمن شبكات محددة مرتبطة بالسلطة ومراكز القرار.

ومع اندلاع الاحتجاجات في سوريا عام 2011، ثم تحولها إلى نزاع ممتد، دخل الاقتصاد السوري مرحلة مختلفة كليًا، إذ لم تقتصر التداعيات على التراجع الاقتصادي أو تدمير البنية التحتية، بل شملت تبدلًا واسعًا في شكل الاقتصاد نفسه.

وتوسعت أنشطة الاقتصاد غير الرسمي، لتبرز شبكات جديدة قائمة على التهريب والتحويلات والمساعدات والاقتصاد المرتبط بالنزاع، بالتوازي مع تراجع القطاعات الإنتاجية التقليدية، مثل الصناعة والزراعة.

كما أدت الحرب إلى تشظي الجغرافيا الاقتصادية السورية، واختلاف أنماط الإدارة والموارد بين المناطق، في وقت شهدت الليرة السورية تراجعًا حادًا، وارتفعت معدلات التضخم والبطالة والفقر إلى مستويات غير مسبوقة.

اليوم، تجد الحكومة السورية نفسها أمام اقتصاد مثقل بتشوهات تراكمت عبر سنوات طويلة، تشمل بنية تحتية متضررة، وقطاعًا إنتاجيًا ضعيفًا، وتراجعًا في القدرة الشرائية، إلى جانب هشاشة في سوق العمل وتآكل الطبقة الوسطى.

كل ذلك، يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول طبيعة النموذج الاقتصادي الذي تشكل في سوريا خلال العقود الماضية، وما إذا كانت البلاد تتجه نحو إعادة إنتاج أنماط اقتصادية سابقة، أم نحو نموذج مختلف فرضته سنوات الحرب والتحولات العميقة التي رافقتها.

سوريون يتجولون في السوق القديم بدمشق قبيل عيد الأضحى – 26 أيار 2026 (AFP)

اقتصاد موجه وسوق خاضعة للدولة

يرى أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة “حماة” الدكتور عبد الرحمن محمد، في حديث إلى عنب بلدي، أن الاقتصاد السوري شكّل، لعقود، حالة مختلفة ضمن الاقتصادات العربية، إذ لم يمتلك الموارد الريعية الكافية التي تسمح بشراء الاستقرار الاجتماعي أو إعادة توزيع الثروة بصورة مستقرة، ما جعل العلاقة بين الدولة والسوق والقطاع الخاص علاقة متقلبة ومشحونة بالتوتر.

وبحسب محمد، فإن الاقتصاد السوري منذ وصول حزب “البعث” إلى السلطة عام 1963، اعتمد على نموذج اقتصادي موجه، قائم على سيطرة الدولة على القطاعات الرئيسة، من النفط والصناعات الثقيلة إلى المصارف والتجارة الخارجية.

وأشار إلى أن العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص لم تكن قائمة على المنافسة أو التنظيم الاقتصادي التقليدي، بل على التحكم بالتراخيص ومفاتيح السوق، ما جعل جزءًا كبيرًا من القطاع الخاص يعمل ضمن هامش ضيق مرتبط بموافقة السلطة وشبكات النفوذ.

رأسمالية مرتبطة بالدولة

بيد أن الدولة حافظت، في الوقت ذاته، على تحالف مع فئات تجارية محددة، خاصة في دمشق وحلب، عبر السماح لها بالاستفادة من فجوات السوق التي خلقها ضعف القطاع العام، ما أدى إلى تشكل نمط اقتصادي، يوصف بالرأسمالية المرتبطة بالدولة.

التحول نحو ما سمي اقتصاد السوق الاجتماعي خلال العقد الأول من الألفية لم يكن تحولًا جذريًا في بنية الاقتصاد، بقدر ما كان انفتاحًا جزئيًا ومشوهًا.

عبد الرحمن محمد

أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة “حماة”

تلك المرحلة شهدت خطوات مثل إدخال المصارف الخاصة وتحرير بعض جوانب السوق، مقابل تراجع تدريجي لدور الدولة الاقتصادي والخدمي، دون وجود بيئة تنافسية حقيقية أو شبكات حماية اجتماعية فعالة.

هذا التحول انعكس بصورة قاسية على الطبقة الوسطى والقطاعات الإنتاجية المحلية، إذ أدى الانفتاح على الاستيراد إلى تراجع جزء من الصناعات المحلية الصغيرة والمتوسطة، خاصة في مدينتي حلب ودمشق.

شهدت تلك المرحلة، بحسب محمد، صعود رجال أعمال مقربين من السلطة والأجهزة الأمنية، استحوذوا على قطاعات اقتصادية حيوية، مثل الاتصالات والعقارات والتجارة، ما أدى إلى تركز الثروة ضمن شبكات محددة، واتساع الفجوة الاجتماعية.

وبحسب محمد، فإن الحرب بعد عام 2011، شكّلت نقطة تحول جذرية في الاقتصاد السوري، إذ لم يعد الأمر مقتصرًا على التراجع الاقتصادي أو الدمار، بل شمل تغيرًا في شكل الاقتصاد نفسه.

وأشار إلى أن قطاعات إنتاجية واسعة، خاصة الصناعة والزراعة، تعرضت لتراجع كبير، مقابل توسع الاقتصاد غير الرسمي وشبكات التهريب والتحويلات والاقتصاد المرتبط بالنزاع.

وأدى النزاع إلى تفكك السوق السورية لمساحات اقتصادية متعددة، لكل منها أنماط إدارة مختلفة وعملات متداولة وسياسات متباينة، ما أضعف فكرة السوق الوطنية الموحدة.

تركة مثقلة بالتشوهات

يرى الدكتور عبد الرحمن محمد، أن الحكومة السورية الحالية تواجه تركة اقتصادية معقدة، تشمل تراجع قيمة العملة، وضعف الإنتاج، واعتماد جزء كبير من الاقتصاد على الاستيراد والتحويلات الخارجية.

الاقتصاد السوري يعاني أيضًا من هشاشة في سوق العمل، وغياب الوظائف المستقرة، مقابل توسع العمل غير الرسمي واليومي، إلى جانب تراجع دور المؤسسات الإنتاجية.

واعتبر أن الاقتصاد السوري الحالي لا يمثل مجرد استمرار للنموذج السابق، بل تحول إلى نموذج مختلف نشأ خلال سنوات الحرب، لكنه احتفظ ببعض سمات الماضي، مثل الاحتكار والفساد والوساطة.

ويرى أن الفرق الأساسي يكمن في انتقال الاقتصاد من مركزية الدولة إلى حالة من التفتت والتشظي، حيث أصبحت شبكات النفوذ والقوة المسلحة تلعب دورًا أكبر في إدارة الموارد والأنشطة الاقتصادية.

تحولات متناقضة

يرى الخبير الاقتصادي والأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة “دمشق” الدكتور مجدي الجاموس، في حديث إلى عنب بلدي، أن الاقتصاد السوري مر بتحولات متناقضة، انتقل خلالها من نموذج اشتراكي شديد المركزية إلى محاولات انفتاح اقتصادي جزئي، قبل أن يدخل بعد عام 2011 في مرحلة “اقتصاد الحرب” والفوضى الاقتصادية.

وأوضح الجاموس أن سوريا بنت لعقود علاقات اقتصادية وسياسية مع الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشرقي، ما انعكس على تبني نموذج اشتراكي قائم على سيطرة الدولة على وسائل الإنتاج، تحت شعار “العدالة الاجتماعية”.

لكن هذا النموذج، بحسب الجاموس، لم يحقق عدالة فعلية بسبب تغول البيروقراطية والفساد، وهيمنة القرار الأمني والسياسي على الاقتصاد، خاصة في عهد حافظ الأسد وبدايات حكم بشار الأسد.

وأشار إلى أن مرحلة بشار الأسد شهدت محاولة للانتقال نحو ما سمي “اقتصاد السوق الاجتماعي”، عبر توسيع دور القطاع الخاص، وإدخال المصارف الخاصة، وتحسين العلاقات الاقتصادية مع دول الجوار، خصوصًا تركيا.

وأضاف أن هذه المرحلة حققت نموًا اقتصاديًا ملحوظًا بالأرقام، إذ ارتفعت الموازنات العامة والناتج المحلي بصورة كبيرة بين عامي 2005 و2010، مستفيدة من الانفتاح التجاري والاستثماري.

وبحسب الجاموس، فإن الاقتصاد السوري بعد عام 2011 دخل مرحلة مختلفة كليًا، إذ لم يعد هناك نموذج اقتصادي واضح، بل مؤسسات تعمل بالحد الأدنى بهدف الحفاظ على بقاء الدولة، أكثر من إدارة اقتصاد فعلي.

سوريا انتقلت من نظام اشتراكي بلا عدالة اجتماعية إلى اقتصاد حر بلا تنافسية، وهو ما جعل الأزمات الاقتصادية والمعيشية تتفاقم بصورة أكبر.

مجدي الجاموس

أستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة “دمشق”

تشوهات عميقة وإرث مثقل

الجاموس أشار إلى أن الحرب خلفت تشوهات عميقة في مختلف القطاعات، بدءًا من القطاع المالي والمصرفي وشركات التأمين، وصولًا إلى الزراعة والصناعة والطاقة، فضلًا عن تراجع البيئة القانونية وتداخل النفوذ الأمني مع مؤسسات الدولة.

كما لفت إلى أن جزءًا كبيرًا من البنية الصناعية تعرض للتدمير، في حين تراجع الاستثمار والإنتاج بشكل حاد، بالتوازي مع اتساع الفجوة التكنولوجية وابتعاد سوريا عن مسارات التطور الاقتصادي الإقليمي والدولي.

وأضاف أن الانفتاح الإقليمي والدولي على سوريا خلال المرحلة الحالية، إلى جانب الدعم الخليجي والتركي، خلق حالة من الارتباك، في وقت لا تزال المؤسسات الاقتصادية تعاني من ضعف الكفاءات وعدم القدرة على استيعاب هذا التحول.

واعتبر أن الحديث عن اقتصاد حر لم ينعكس على الواقع المعيشي، بسبب غياب المنافسة الحقيقية واستمرار التشوهات القديمة، ما أدى إلى اتساع الفقر والفوارق الطبقية.

عمال سوريون يلحمون قطعة معدنية في ورشة بمنطقة عين ترما بريف دمشق – 4 تشرين الثاني 2025 (AFP)

بين إجراءات تحرير سريعة، وطموحات استثمارية ضخمة، وارتفاع قياسي في معدلات الفقر، يقف الاقتصاد السوري على مفترق طرق.

وفي ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها البلاد، تتزايد التساؤلات حول طبيعة النموذج الاقتصادي الذي يُدار به الاقتصاد اليوم، وحدود دور الدولة والقطاع الخاص، ومدى قدرة السياسات الحالية على تحقيق تعافٍ اقتصادي مستدام.

أي نموذج اقتصادي يُطبّق اليوم؟

وصف المحلل الاقتصادي محمد علي المشهد الاقتصادي السوري الحالي بأنه أقرب إلى “اقتصاد السوق الحر” منه إلى “اقتصاد السوق الاجتماعي”، موضحًا أن الأخير يقوم على تحرير الاقتصاد، مع وجود تدخل حكومي يضمن حماية الفئات الهشة عبر شبكات أمان اجتماعي وسياسات تحد من التفاوت الاجتماعي.

وقال إن الحكومة السورية اتجهت منذ مرحلة “التحرير” إلى تبني سياسات اقتصادية أكثر انفتاحًا، تمثلت في تقليص الدعم بشكل كبير، وتوسيع هامش حرية البيع والشراء والاستيراد والتصدير، مقابل غياب شبه كامل لشبكات الحماية الاجتماعية.

وأشار إلى أن بند الدعم الاجتماعي لا يتجاوز 13% من إجمالي موازنة عام 2026، البالغة 10.5 مليار دولار، وفق التصريحات الحكومية.

من جهته، يرى الخبير الاقتصادي زكوان قريط، من كلية الاقتصاد بجامعة “دمشق”، أن التحولات الاقتصادية الجارية تترافق مع إقرار تشريعات جديدة وتوقيع اتفاقيات استثمارية واسعة، إضافة إلى توجهات لإعادة هيكلة القطاع العام، لكنها تسير بالتوازي مع سياسات تقشفية صارمة انعكست مباشرة على الواقع المعيشي.

اقتصاد اليوم ليس اقتصاد سوق اجتماعي، هو أقرب إلى اقتصاد السوق الحر، وهو ما قامت الحكومة السورية بانتهاجه منذ مرحلة التحرير.

محمد علي
محلل اقتصادي سوري

تجليات النموذج الاقتصادي على الأرض

تظهر ملامح النموذج الاقتصادي الحالي بوضوح في تفاصيل الحياة اليومية، بدءًا من ملف الدعم، وصولًا إلى سياسات الاستيراد وسوق الصرف.

المحلل محمد علي، أشار إلى أن الحكومة خفّضت الدعم بشكل كبير، بما شمل الخبز والمحروقات والكهرباء، موضحًا أن المحروقات تُباع اليوم “فعليًا بالسعر العالمي”، فيما انعكست زيادات أسعار الطاقة والكهرباء مباشرة على أسعار السلع والخدمات في السوق المحلية.

كما بات سوق الصرف، بحسب علي، خاضعًا بدرجة كبيرة للعرض والطلب، مع استمرار تراجع قيمة الليرة السورية تحت تأثير عوامل السوق وضعف الإنتاج المحلي.

وقال إن السلع المعمّرة، مثل العقارات والسيارات، أصبحت تخضع بالكامل لحرية السوق، بعد رفع القيود عن الاستيراد، وتدفق أعداد كبيرة من السيارات المستوردة إلى البلاد.

وفي المقابل، تعتمد الخزينة العامة بدرجة كبيرة على الرسوم الجمركية والضرائب، وشكلت الرسوم الجمركية نحو 41% من إجمالي إيرادات موازنة عام 2025، نتيجة التوسع في الاستيراد، بينما تُقدّر إيرادات موازنة 2026 بنحو 8.7 مليار دولار، 28% منها من النفط والغاز، مقابل نفقات تبلغ 10.5 مليار دولار، بعجز يصل إلى 1.8 مليار دولار.

ولفت إلى أن ضعف الإنتاج المحلي، سواء في القطاع العام أو الخاص، وتضرر البنية التحتية وصعوبة التمويل، جعل الاقتصاد السوري يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، ما يحد من قدرته على توليد قيمة مضافة داخلية.

الدولة والقطاع الخاص.. شراكة أم منافسة غير متكافئة؟

في ظل التوجه الحكومي لإعادة هيكلة القطاع العام وتقليص عدد العاملين فيه، يُعوَّل على القطاع الخاص ليكون المحرك الأساسي للنمو واستيعاب العمالة، خاصة مع تقديرات تشير إلى أن القطاع العام يضم ما بين 1.2 و1.4 مليون موظف.

لكن زكوان قريط يرى أن العلاقة بين القطاعين لا تزال معقدة، موضحًا أن القطاع الخاص، رغم التسهيلات الممنوحة له، “لا يزال يتحرك ضمن هوامش ضيقة” تفرضها تحديات البنية التحتية والعقوبات الاقتصادية وضعف القوة الشرائية.

وأشار قريط إلى غياب المنافسة الحقيقية في عدد من القطاعات، في وقت يتركز فيه نشاط القطاع الخاص ضمن مجالات محددة، بينما تبقى القطاعات الاستراتيجية تحت تأثير مباشر أو غير مباشر للدولة.

وعلى صعيد الاستثمار، لفت إلى أن الحكومة وقعت عشرات مذكرات التفاهم الاستثمارية خلال العامين الماضيين، بينها 20 مذكرة دولية بقيمة 19 مليار دولار، إضافة إلى 47 مذكرة تفاهم خلال المنتدى الاستثماري السوري-السعودي في تموز 2025 بقيمة 6.4 مليار دولار، إلا أن معظم هذه الاستثمارات تركزت في قطاعات العقارات والبنية التحتية والإنشاءات.

ويرى قريط أن هذا التركيز يثير تساؤلات حول مدى انعكاس تلك المشاريع على الاقتصاد الحقيقي، موضحًا أن مشاريع العقارات والبنية التحتية قد توفر فرص عمل مؤقتة، لكنها لا تحقق بالضرورة قيمة إنتاجية مستدامة مقارنة بالاستثمار في الزراعة والصناعة والقطاعات الإنتاجية الأخرى.

رفع الدعم والأسعار.. معادلة التقشف والطموح

تشكل سياسة رفع الدعم أحد أبرز ملامح النموذج الاقتصادي الحالي، بعد أن اتجهت الحكومة إلى رفع أسعار الطاقة والكهرباء، وتقليص الدعم المخصص للمحروقات وعدد من المواد الأساسية.

ويرى محمد علي أن زيادات الرواتب التي أُقرت خلال العامين الماضيين، رغم أهميتها، لم تكن كافية للحفاظ على القوة الشرائية، موضحًا أن ارتفاع الأسعار جاء بوتيرة أسرع من زيادة الأجور.

وشرح أن ارتفاع أسعار الكهرباء والطاقة يؤدي إلى ما يعرف بـ”تضخم التكلفة”، حيث تنتقل زيادة تكاليف الإنتاج تدريجيًا إلى أسعار السلع والخدمات، ما يضاعف الضغوط على المستهلكين، خاصة مع الاعتماد الكبير على المواد الأولية المستوردة.

من جهته، أشار زكوان قريط إلى أن تراجع معدل التضخم المعلن لا يعكس بالضرورة تحسنًا حقيقيًا في الواقع المعيشي، موضحًا أن نسبة الفقر بلغت 70%، بينهم 40% يعيشون في حالة فقر مدقع، وفق تقديرات أممية.

وحذر من أن رفع الدعم دون توفير شبكات أمان اجتماعي حقيقية، قد يؤدي إلى مزيد من تآكل القوة الشرائية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.

نسبة الفقر بلغت 70%، مع وجود 40% في حالة فقر مدقع. رفع الدعم دون توفير شبكات أمان حقيقية يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية وزيادة الفقر والبطالة.

زكوان قريط
خبير اقتصادي سوري

التحديات الراهنة.. خزينة ضعيفة وبطالة متفاقمة

المحلل الاقتصادي محمد علي، قال إن الخزينة العامة “ضعيفة الموارد”، موضحًا أن الحكومة تعتمد على الإيرادات المتاحة لتغطية الإنفاق الجاري، في ظل عجز مالي واضح في الموازنة.

ويرى أن الاقتصاد السوري، نتيجة اعتماده الكبير على الاستيراد، بات يتأثر مباشرة بالصدمات الخارجية وارتفاع الأسعار عالميًا، ما يجعل الأزمات الاقتصادية العالمية تنعكس سريعًا على الداخل السوري.

أما التحدي الأبرز فيتمثل في البطالة، التي يقدّرها زكوان قريط بما يتراوح بين 47 و50%، مع وجود تقديرات غير رسمية تتحدث عن نسب أعلى من ذلك.

وأشار إلى أن خطط إعادة هيكلة القطاع العام قد تؤدي إلى تسريح أعداد إضافية من العاملين، في وقت لا يبدو فيه القطاع الخاص قادرًا على استيعاب هذه الأعداد، ما يزيد من الضغوط الاجتماعية والاقتصادية.

ويرى قريط أن المشاريع الصغيرة والمتوسطة قد تكون الأكثر قدرة على خلق فرص عمل جديدة، نظرًا إلى انخفاض تكلفتها الاستثمارية ومرونتها، لكنه شدد على ضرورة توفير بيئة داعمة تشمل تسهيل التمويل وتبسيط الإجراءات وتأهيل العمالة.

رؤية الحكومة.. إصلاحات هيكلية وخطط طموحة

بحسب ما يرصده الخبيران، تسعى الحكومة إلى بناء سياسة مالية أكثر استقرارًا عبر مسارين رئيسين، الأول، إقرار نظام ضريبي جديد يمنح إعفاءات لذوي الدخل المحدود والمستثمرين، مع إعادة هيكلة الرسوم الجمركية بموجب قانون الجمارك الجديد.

والثاني، إصدار قانون استثمار جديد يهدف إلى جذب رؤوس الأموال العربية والأجنبية، إلى جانب الاعتماد على تحويلات المغتربين لتعزيز احتياطي القطع الأجنبي.

لكن محمد علي يحذر من أن تحقيق الاستقرار المالي لا يكون دائمًا عبر تقليص الإنفاق، موضحًا أن بعض النظريات الاقتصادية ترى أن العجز في الموازنة قد يكون إيجابيًا إذا نتج عن زيادة الإنفاق الاستثماري.

ويضرب مثالًا بإمكانية توجيه النسبة المخصصة للاستثمار في موازنة 2026 نحو مشاريع البنية التحتية والطاقة والكهرباء، بما يسهم في تحسين البيئة الاستثمارية وخلق قيمة مضافة مستقبلية.

أثر السياسة الحالية.. من الصدمة إلى التعافي المستدام؟

على المدى القريب، تبدو آثار السياسات الاقتصادية الحالية واضحة على المستوى المعيشي، في ظل ما يصفه بعض الخبراء بسياسة “العلاج بالصدمة”، القائمة على التحرير السريع ورفع الدعم.

ويحذر محمد علي من أن تطبيق هذا النوع من السياسات في اقتصاد هش وغير مستقر قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات الفقر، وتآكل الطبقة الوسطى، وزيادة الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي، إلى جانب ارتفاع البطالة وخروج بعض الشركات من السوق.

ويتفق معه زكوان قريط، معتبرًا أن السياسات التقشفية، إذا لم تترافق مع إصلاحات هيكلية تحفّز الإنتاج وتوفر حماية اجتماعية حقيقية، قد تؤدي إلى تعميق الركود الاقتصادي وتوسيع فجوة التفاوت الاجتماعي.

كما أشار إلى أن قطاعات مثل تكنولوجيا المعلومات والطاقة المتجددة والصناعات التحويلية الصغيرة، لا تزال بحاجة إلى دعم حقيقي، في وقت تعاني فيه القطاعات التقليدية، مثل الزراعة والصناعة النسيجية، من غياب الرؤية الاستراتيجية والمعوقات الهيكلية.

وعلى المدى المتوسط والبعيد، يتفق الخبيران على ضرورة اعتماد نهج تدريجي في الانتقال الاقتصادي، يقوم على دعم القطاعات الإنتاجية، وخاصة الزراعة والصناعة والخدمات، إلى جانب تصميم شبكات حماية اجتماعية أكثر دقة وفعالية.

وأكد قريط أن تحقيق “نمو مستدام” لا يتوقف على الموازنات الطموحة أو الاتفاقيات الاستثمارية الكبرى فقط، بل على قدرة السياسات الاقتصادية على إيصال ثمار النمو إلى الفئات الأكثر هشاشة.

سكان يتسوقون في أحد أسواق مدينة الرقة – 19 شباط 2026 (رويترز)

لا تبدو سوريا اليوم أمام تحدي إعادة الإعمار فقط، بل أمام سؤال أكثر تعقيدًا يتعلق بشكل الاقتصاد الذي تحتاج إليه البلاد في المرحلة المقبلة، وحدود دور الدولة والقطاع الخاص في إدارة عملية التعافي.

وبينما تتجه السياسات الاقتصادية نحو مزيد من الانفتاح على السوق والاستثمار، لا يزال الجدل قائمًا حول ما إذا كانت البلاد قادرة فعليًا على الانتقال إلى اقتصاد سوق كامل، في ظل هشاشة المؤسسات، وضعف البنية التحتية وتراكم الأزمات المعيشية.

الاقتصاد الليبرالي يعد من حيث المبدأ النموذج الأقرب لما تحتاج إليه سوريا على المدى الطويل، لكن، لا يمكن تطبيقه بشكل فوري في ظل ضعف المؤسسات والانهيار الجزئي في النظام المصرفي وغياب بيئة قانونية مستقرة.

حسن المروان حراج
باحث اقتصادي سوري

ويرى الباحث الاقتصادي حسن المروان حراج، أن الاقتصاد الليبرالي يعد من حيث المبدأ النموذج الأقرب لما تحتاج إليه سوريا على المدى الطويل، لأنه يقوم على تحرير السوق وتحفيز النمو وخلق فرص العمل وإعادة دمج الاقتصاد السوري إقليميًا ودوليًا.

لكنه يوضح أن تطبيق الليبرالية الاقتصادية بشكل كامل وفوري غير واقعي في المرحلة الحالية، في ظل ضعف المؤسسات والانهيار الجزئي في النظام المصرفي وغياب بيئة قانونية مستقرة، وهو ما قد يؤدي إلى فوضى اقتصادية بدلًا من بناء سوق فعّال.

وأضاف أن المسار الأنسب لسوريا يتمثل في انتقال تدريجي نحو اقتصاد السوق، يبدأ ببناء قواعده الأساسية، مثل تطوير المؤسسات المالية، وإقرار قوانين واضحة تحمي المستثمر، ووضع أطر تنظيمية تحد من الاحتكار وتضبط الاقتصاد غير الرسمي، على أن تتوسع لاحقًا مساحة الحرية الاقتصادية تدريجيًا نحو نموذج أكثر نضجًا واستقرارًا.

المطلوب هو انتقال تدريجي نحو اقتصاد سوق يُبنى على قواعد واضحة ومؤسسات مالية وتشريعية مستقرة.

حسن المروان حراج
باحث اقتصادي سوري

في المقابل، يطرح الأكاديمي والمستشار الاقتصادي زياد أيوب عربش، نموذجًا يقوم على “اقتصاد اجتماعي مختلط” يوازن بين سوق تنافسي وحماية اجتماعية قوية، مع دور استراتيجي للدولة في ملفات إعادة الإعمار والبنية التحتية والأمن الغذائي والطاقة.

ويرى أن هذا النموذج يتيح تحفيز القطاع الخاص والاستثمار الأجنبي المشروط، ضمن آليات حوكمة تضمن توجيه عوائد النمو بشكل عادل.

ورغم اختلاف المقاربتين، يتفق الخبيران على أن سوريا لا تمتلك في المرحلة الحالية مقومات اقتصاد سوق مكتمل، وأن أي انتقال اقتصادي يحتاج إلى مرحلة تدريجية تُبنى خلالها المؤسسات المالية والقانونية، إلى جانب إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والسوق بما يمنع الاحتكار ويعزز الثقة بالبيئة الاقتصادية.

حدود دور الدولة والقطاع الخاص

ورغم الاتجاه المتزايد نحو تشجيع الاستثمار والانفتاح الاقتصادي، لا يزال تحديد دور الدولة والقطاع الخاص من أكثر الملفات حساسية في النقاش الاقتصادي السوري، في ظل تراجع قدرة المؤسسات العامة من جهة، وضعف القطاع الخاص وتضرره خلال سنوات الحرب من جهة أخرى.

واعتبر حسن المروان حراج، أن الدولة مطالبة بالانتقال من دور “الفاعل الاقتصادي المباشر” إلى دور “المنظّم والمُمكّن”، عبر وضع الأطر القانونية وضمان الاستقرار وإعادة بناء البنية التحتية الأساسية، بما يتيح للقطاع الخاص استعادة نشاطه وضخ رؤوس الأموال.

وأشار في الوقت نفسه إلى أن القطاع الخاص السوري لا يزال ضعيفًا ومجزأ، ويحتاج إلى حماية قانونية وثقة واستقرار حقيقيين.

من جهته، يرى زياد أيوب عربش، أن دور الدولة لا يزال ضروريًا، بل أكبر من المعتاد خلال المرحلة الانتقالية، ليس فقط كمنظم، بل أيضًا كممول ومزود للخدمات الأساسية، إلى حين استعادة القطاع الخاص قدرته الإنتاجية.

وشدد على أهمية دور الدولة في تحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، وتوفير الحماية الاجتماعية، والإشراف على إعادة الإعمار بعيدًا عن المحسوبيات والفساد.

وبين الطرحين، يبرز اتفاق ضمني على أن الاقتصاد السوري المستقبلي لن يقوم على هيمنة الدولة الكاملة كما كان سابقًا، ولا على انسحابها الكامل، بل على صيغة أكثر توازنًا تعيد توزيع الأدوار بين القطاعين العام والخاص ضمن إطار قانوني ومؤسساتي واضح.

الخصخصة وإعادة هيكلة القطاع العام

تعد الخصخصة وإعادة هيكلة القطاع العام من أكثر الملفات الاقتصادية إثارة للجدل في سوريا، في ظل الخسائر الكبيرة التي تكبدتها المؤسسات العامة خلال السنوات الماضية، وتراجع قدرتها على أداء أدوارها الإنتاجية والخدمية، مقابل مخاوف من أن تؤدي سياسات الخصخصة إلى زيادة الفجوة الاجتماعية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.

ويرى حسن المروان حراج، أن إعادة هيكلة القطاع العام باتت ضرورة في السياق السوري الحالي، في ظل ما وصفه بـ”النزيف المالي” الذي تعانيه العديد من المؤسسات الخاسرة.

واعتبر أن الخصخصة الجزئية يمكن أن تشكل جزءًا من عملية الإصلاح الاقتصادي إذا ارتبطت بتحويل الموارد نحو قطاعات أكثر إنتاجية، على أن تُدار ضمن إطار وطني يضمن منع الاحتكار ويحافظ على دور الدولة التنظيمي.

في المقابل، يربط زياد أيوب عربش أي عملية خصخصة بضرورة وجود ضوابط واضحة تحمي الفئات الأكثر هشاشة، وتمنع إعادة إنتاج شبكات النفوذ الاقتصادي.

وشدد على أن تشجيع الاستثمار يجب أن يترافق مع معايير للشفافية ومتطلبات للتوظيف المحلي والاستثمار الاجتماعي، بما يضمن أن ينعكس النمو الاقتصادي على مستوى المعيشة والخدمات العامة.

ويبدو أن النقاش حول الخصخصة يتجاوز البعد الاقتصادي البحت، ليعكس في جوهره سؤالًا أوسع يتعلق بطبيعة الدولة ودورها في المرحلة المقبلة، في ظل الحاجة إلى تمويل ضخم لإعادة الإعمار، وضغط اجتماعي متزايد لتحسين الواقع المعيشي.

القطاعات القادرة على إنعاش الاقتصاد السوري

في ظل التراجع الحاد الذي أصاب الاقتصاد السوري خلال سنوات الحرب، تتجه الأنظار إلى القطاعات القادرة على قيادة عملية التعافي، سواء من خلال تحريك الإنتاج أو خلق فرص العمل أو تحسين الإيرادات العامة، وسط إجماع على أن إعادة الإعمار وحدها لا تكفي لتحقيق انتعاش اقتصادي مستدام.

ويرى حسن المروان حراج أن التعافي لا يقتصر على القطاعات الإنتاجية التقليدية، بل يشمل أيضًا قطاعات إصلاحية داخل بنية الدولة، مثل الاتصالات والتنمية الإدارية وهيئات التخطيط والإحصاء، باعتبار أن تحسين كفاءة هذه المؤسسات ينعكس مباشرة على جودة القرار الاقتصادي.

واعتبر حراج أن الزراعة والطاقة والثروة الحيوانية واقتصاد العبور تمثل ركائز أساسية للتعافي السريع نظرًا إلى ارتباطها المباشر بحياة السكان.

من جهته، ركّز زياد أيوب عربش على أولوية قطاعات البنية التحتية، بما يشمل الطاقة والمياه والنقل، إلى جانب البناء وإعادة الإعمار، والزراعة والصناعات التحويلية، والصحة والتعليم، باعتبارها عناصر أساسية لإعادة بناء رأس المال البشري، كما شدد على أهمية دعم الصناعات التصديرية وقطاع التكنولوجيا بوصفه محركًا للنمو المستقبلي.

ورغم اختلاف الأولويات، يتفق الخبيران على أن التعافي الاقتصادي في سوريا يحتاج إلى التركيز على القطاعات الإنتاجية لا الريعية، وربط الاستثمار بإعادة بناء البنية التحتية وتحسين الخدمات العامة.

سوق خضراوات في شارع الأمين بدمشق – 4 كانون الأول 2025 (سانا)

التعافي الاقتصادي مرهون بالإصلاح ومحاربة الفساد

لا يبدو أن التعافي الاقتصادي في سوريا مرتبط فقط بتوفير التمويل أو جذب الاستثمارات، بل أيضًا بقدرة الدولة على بناء مؤسسات أكثر كفاءة وشفافية، في ظل اعتبار الفساد وضعف الإدارة من أبرز أسباب تدهور الاقتصاد قبل الحرب وخلالها.

مكافحة الفساد وإصلاح المؤسسات هما شرط أساسي لنجاح أي استراتيجية اقتصادية، لأن الفساد لا يلتهم الموارد فقط، بل يقوض ثقة المستثمرين ويضعف كفاءة الإنفاق العام وعدالة توزيع العوائد.

زياد أيوب عربش
أكاديمي ومستشار اقتصادي سوري

وأكد حسن المروان حراج أن بناء اقتصاد مستدام يتطلب توحيد المرجعية الاقتصادية داخل البلاد، إلى جانب إصلاح النظام المصرفي لإعادة الثقة بالقطاع المالي وتحريك النشاط الاقتصادي، محذرًا من أن استمرار الانقسام الاقتصادي يعوق أي عملية تعافٍ حقيقية.

في المقابل، شدد زياد أيوب عربش، على أن مكافحة الفساد وإصلاح المؤسسات شرط أساسي لأي مشروع اقتصادي مستقبلي، مشيرًا إلى أهمية إصلاح القضاء والجهاز الضريبي ونظم الشراء العام، وتعزيز الشفافية في عقود إعادة الإعمار، بما يضمن جذب الاستثمارات وتحقيق عدالة في توزيع العوائد.

ويجمع الطرحان على أن نجاح أي نموذج اقتصادي مستقبلي لن يعتمد فقط على السياسات، بل على قدرة المؤسسات على تطبيقها ضمن بيئة شفافة ومستقرة.

أي مستقبل ينتظر الاقتصاد السوري؟

رغم تعدد التصورات حول مستقبل الاقتصاد السوري، لا يزال المشهد محاطًا بقدر كبير من الضبابية، في ظل التحديات السياسية والأمنية والمالية، والتفاوت الكبير بين المناطق السورية اقتصاديًا وبنيويًا.

ويرى حسن المروان حراج، أن السيناريو الأقرب خلال السنوات الخمس المقبلة هو “اقتصاد انتقالي مختلط” غير مستقر بالكامل، مع استمرار الفوارق الجغرافية والاقتصادية، وانتقال تدريجي نحو السوق ضمن مسار بطيء.

في المقابل، حذر زياد أيوب عربش من أن استمرار الأزمات السياسية والمالية وهجرة الكفاءات قد يبطئ التعافي لعقود، ما لم تُعتمد خارطة اقتصادية واضحة تترافق مع إصلاحات مؤسسية عميقة وإدارة فعالة للمخاطر.

في المحصلة، لا يبدو الاقتصاد السوري اليوم مجرد حالة انتقال بين نموذجين، بل هو نظام مركب يتقاطع فيه إرث الدولة المركزية مع تشوهات اقتصاد الحرب ومحاولات الانفتاح الحالية.

وبين هذا التداخل المعقد، تتقدم الأسئلة على الإجابات: أي دور للدولة؟ وأي مساحة للسوق؟ وأي نموذج قادر على تحويل التعافي من شعارات إلى واقع ملموس؟

ما تكشفه التحولات الممتدة عبر العقود، وما تعكسه التحديات الراهنة، وما يُطرح من تصورات للمستقبل، يشير إلى حقيقة واحدة، وهي أن أي مسار اقتصادي مقبل لن يكون امتدادًا بسيطًا للماضي، ولا قطيعة كاملة معه، بل إعادة صياغة عميقة للعلاقة بين الإنتاج والعدالة والمؤسسات والثقة.

وفي بلد أنهكته الحرب وأثقلته التراكمات، يبقى الاختبار الحقيقي للاقتصاد السوري هو قدرته على التحول من إدارة الندرة والأزمة إلى بناء نموذج مستدام يعيد الاعتبار للنمو والإنتاج والطبقة الوسطى، دون أن يعيد إنتاج الاختلالات نفسها بأشكال جديدة.

Related



إقرأ المزيد