فيضان الفرات.. حقول مغمورة ومحطات مياه وجسور خارج الخدمة
عنب بلدي -

مع استمرار تداعيات الارتفاع الاستثنائي في مناسيب نهر الفرات، تواجه مناطق واسعة في محافظتي الرقة ودير الزور آثارًا متشعبة طالت السكان والبنية التحتية والقطاع الزراعي، بعد وصول المياه إلى مناطق سكنية وزراعية ومنشآت خدمية على امتداد مجرى النهر.

ولم يقتصر المشهد على ارتفاع المياه وحده، بل أعاد إلى الواجهة تحديات تراكمت خلال سنوات طويلة من الجفاف وتراجع المناسيب، إذ توسعت الأنشطة الزراعية والتجمعات السكانية تدريجيًا داخل مناطق كانت تُعد جزءًا من الحرم الطبيعي للنهر، لتجد نفسها اليوم في مواجهة مباشرة مع موجة مائية غير مسبوقة تجاوزت قدرة كثير من المواقع على التكيف السريع معها.

ورغم بدء المؤشرات الميدانية بتسجيل استقرار نسبي في المناسيب وانخفاض محدود في بعض المناطق، فإن آثار الفيضان ما تزال تتكشف تباعًا، وسط غياب إحصاء رسمي نهائي لحجم الأضرار والخسائر التي لحقت بالسكان والمنشآت والممتلكات الخاصة.

واردات مائية استثنائية

بحسب وزارة الطاقة السورية، شهدت الأيام الماضية ارتفاعًا استثنائيًا في الوارد المائي عبر نهر الفرات، إذ بلغت التمريرات المائية في ذروتها نحو 1800 متر مكعب في الثانية، وهو ما أدى إلى ارتفاع سريع في المناسيب وامتداد المياه إلى مناطق خارج مجرى النهر المعتاد.

وجاءت هذه الزيادة بالتزامن مع ارتفاع الواردات المائية القادمة من تركيا وامتلاء بحيرات السدود وارتفاع معدلات التمرير المائي، ما تسبب بخروج المياه عن مجراها في عدد من المناطق ووصولها إلى أراضٍ زراعية ومنازل ومنشآت خدمية في محافظتي الرقة ودير الزور.

وأدى ذلك إلى اتساع رقعة التأثيرات التي طالت عشرات القرى والتجمعات السكانية المنتشرة على ضفتي النهر، وسط استنفار حكومي شاركت فيه وزارات الطاقة والطوارئ والصحة والزراعة والاقتصاد والشؤون الاجتماعية والعمل والدفاع، إضافة إلى المحافظات والجهات المحلية.

نهر الفرات يغمر شوارع في دير الزور – 30 أيار 2026 (عنب بلدي)

دير الزور الأكثر تأثرًا

أظهرت المعطيات الميدانية أن محافظة دير الزور كانت الأكثر تضررًا من موجة ارتفاع المياه، نظرًا لوجود عدد كبير من محطات مياه الشرب بالقرب من مجرى النهر أو ضمن مناطق معرضة للغمر.

ووفق وزارة الطاقة، تضم المحافظة نحو 211 محطة مياه، تأثرت منها 62 محطة نتيجة ارتفاع مناسيب الفرات، ما فرض تحديات إضافية أمام استمرار الخدمات الأساسية للسكان.

كما شهدت المحافظة خروج عدد من الجسور الترابية عن الخدمة، إضافة إلى غمر عدد من الحوائج (الجزر النهرية) الواقعة وسط مجرى الفرات، الأمر الذي أدى إلى صعوبات كبيرة في حركة التنقل بين ضفتي النهر.

وتضررت بشكل مباشر حويجة قاطع وحويجة زارع وحويجة صقر، التي كانت الأكثر تأثرًا بعدما غمرت المياه معظم منازلها وأراضيها الزراعية.

وأدت الأضرار إلى إجلاء السكان المتضررين ونقلهم إلى مراكز إيواء مؤقتة بانتظار انحسار المياه أو انخفاض كميات الضخ المتجهة نحو محافظتي الرقة ودير الزور.

انهيار جسور وعزل قرى

ومع اشتداد التيارات المائية، خرجت عدة جسور ترابية عن الخدمة نتيجة الضغط الكبير الذي تعرضت له، ما تسبب بانقطاع شبه كامل لحركة العبور والتنقل بين منطقتي الجزيرة والشامية في عدد من المواقع.

وأدى ذلك إلى عزل قرى وتجمعات سكانية عن بعضها البعض، وصعّب وصول السكان إلى الخدمات الأساسية والأسواق والمراكز الصحية.

كما امتدت آثار الفيضان إلى ريف الرقة، حيث تضررت طرق ومرافق خدمية ومصادر مياه شرب، ما زاد من التحديات التي تواجه المجتمعات المحلية في المنطقة.

محطات مياه تحت الضغط

في الرقة، أوضحت وزارة الطاقة أن 15 محطة مياه من أصل 86 محطة خرجت من الخدمة بصورة احترازية ومؤقتة نتيجة ارتفاع المناسيب.

ورغم ذلك، استمرت الشبكة العامة لمياه الشرب في العمل دون انقطاع فعلي للمواطنين، بفضل ترابط الشبكات وتحويل الضخ إلى محطات بديلة ومتابعة أعمال التشغيل والصيانة على مدار الساعة.

كما واصلت محطة الرقة الرئيسية لمياه الشرب تغذية المدينة بالمياه بصورة طبيعية رغم تعرض بعض مكوناتها الفنية لأضرار جزئية.

لكن استمرار ارتفاع المناسيب خلال الأيام الماضية أثار مخاوف من تعرض مزيد من المنشآت المائية للخطر، خاصة في المناطق القريبة من مجرى النهر.

خسائر زراعية قبيل الحصاد

القطاع الزراعي كان من أكثر القطاعات تضررًا من ارتفاع المياه، إذ وصلت مياه الفرات إلى مساحات واسعة من الأراضي الزراعية المنتشرة على ضفتي النهر.

وتضررت محاصيل زراعية مختلفة، وفي مقدمتها القمح الذي كان على أبواب موسم الحصاد، إلى جانب الشعير وبعض المحاصيل الصيفية والخضروات.

وسارع عدد من المزارعين إلى حصاد الحقول القريبة من المياه قبل اكتمال نضجها، في محاولة للحد من الخسائر المتوقعة، فيما نقل مربو الثروة الحيوانية قطعانهم إلى مناطق أكثر أمنًا تجنبًا لغمرها بالمياه.

كما عمد بعض أصحاب المشاريع الزراعية إلى فك المضخات والمعدات القريبة من النهر ونقلها بعيدًا عن المناطق المهددة، للحفاظ عليها من التلف.

ورغم اتساع رقعة الأضرار الزراعية، لا توجد حتى الآن تقديرات رسمية نهائية لحجم الخسائر الاقتصادية أو المساحات التي تعرضت للغمر بشكل كامل.

حويجة صقر بعد ارتفاع مناسيب الفرات في دير الزور – 30 أيار 2026 (عنب بلدي)

آثار بيئية وصحية متوقعة

المهندس محمد العلي قال لعنب بلدي إن ارتفاع منسوب الفرات أدى إلى سلسلة من التأثيرات البيئية والاقتصادية التي انعكست على السكان والبنية التحتية في الرقة ودير الزور.

وأوضح أن من أبرز هذه الآثار غمر الأراضي الزراعية وتلف المحاصيل، ما تسبب بخسائر مباشرة للمزارعين، إضافة إلى تضرر المنازل والطرق والجسور وصعوبة حركة النقل والتنقل.

وأضاف أن الفيضانات ترفع كذلك من احتمالات تلوث مصادر مياه الشرب واختلاطها بمياه الصرف الصحي، وهو ما قد يزيد من مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة، فضلًا عن تكاثر الحشرات والبعوض في المناطق التي تشهد تجمعًا للمياه الراكدة.

وأشار إلى أن سرعة التيار وارتفاع المناسيب يؤديان أيضًا إلى تآكل ضفاف النهر وانجراف التربة، ما قد يتسبب مستقبلًا بفقدان المزيد من الأراضي الزراعية وانهيارات أرضية في بعض المواقع.

كما لفت إلى أن عددًا من العائلات اضطر إلى مغادرة منازله بصورة مؤقتة والانتقال إلى مناطق أكثر أمنًا، ما يضيف أعباء إنسانية واقتصادية جديدة على السكان والجهات المحلية.

أكثر من 14 ألف متضرر

من جهتها، قالت منظمة “سارد” إن الفيضانات تسببت بغمر مناطق سكنية وزراعية وتعطل مصادر مياه الشرب وتضرر طرق وجسور حيوية.

وأضافت أن هذه التطورات أثرت على أكثر من 14 ألفًا و600 شخص، وتسببت في نزوح مئات العائلات من المناطق المهددة بالمياه.

وأشارت المنظمة إلى أن ارتفاع المناسيب زاد من المخاطر الإنسانية وعزز الحاجة إلى استجابة عاجلة لحماية السكان وتأمين احتياجاتهم الأساسية.

لجان لتقييم الأضرار

وفي ظل اتساع نطاق التأثيرات، أعلن وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح تشكيل لجان مختصة تضم ممثلين عن عدد من الوزارات والجهات المعنية، من بينها وزارة الموارد المائية ووزارة الخدمات الفنية ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، إلى جانب الجهات المحلية.

وتهدف هذه اللجان إلى تقييم حجم الأضرار والخسائر تمهيدًا لوضع آليات لتعويض المتضررين ودعم المناطق المتأثرة.

ويأتي ذلك في وقت ما تزال فيه الجهات الرسمية تؤكد عدم وجود إحصاء نهائي للأضرار، نظرًا لاستمرار عمليات الرصد الميداني وتغير الأوضاع في بعض المناطق مع تذبذب المناسيب.

ماذا بعد انحسار المياه؟

ومع بدء تسجيل مؤشرات على استقرار المناسيب في بعض المواقع، تتجه الأنظار إلى مرحلة ما بعد الفيضان، وما تتطلبه من إجراءات عاجلة للحد من الآثار طويلة الأمد.

خبير الاستجابة عبد السلام جابر قال لعنب بلدي إن الأولوية بعد انحسار المياه يجب أن تتركز على إعادة الخدمات الأساسية وتأمين احتياجات السكان المتضررين، وفي مقدمتها مياه الشرب الآمنة.

وأوضح أن المرحلة المقبلة تستدعي إجراء فحوص شاملة لمصادر المياه ومحطات الضخ والشبكات للتأكد من سلامتها ومنع حدوث تلوث قد يهدد الصحة العامة، إضافة إلى تأمين بدائل سريعة للمناطق التي ما تزال تعاني من انقطاع الخدمة.

وأضاف أن إعادة ربط القرى والمناطق المعزولة يجب أن تكون ضمن الأولويات العاجلة، سواء عبر إصلاح الجسور والطرق المتضررة أو إنشاء معابر مؤقتة تضمن سهولة التنقل بين ضفتي النهر وعودة الحركة الطبيعية للسكان.

وأشار إلى أهمية تنفيذ حملات واسعة لإزالة الرواسب والطمي والمخلفات التي خلفتها المياه، إلى جانب تقييم سلامة الأبنية والمنشآت العامة قبل السماح بعودة السكان إليها.

ويرى جابر أن التجربة الحالية تؤكد الحاجة إلى بناء نظام إنذار مبكر فعال لمراقبة مناسيب المياه وتحذير السكان مسبقًا، فضلًا عن إنشاء سواتر وحواجز حماية في المواقع الأكثر عرضة للغمر، وتنظيم التوسع العمراني بالقرب من مجرى النهر.

وبينما تبدأ المياه بالانحسار تدريجيًا في بعض المناطق، تبقى آثار الفيضان حاضرة في القرى والبلدات الممتدة على ضفتي الفرات، وسط انتظار السكان لنتائج تقييم الأضرار وبدء أعمال التعافي وإعادة تأهيل ما خلفته واحدة من أكبر موجات ارتفاع المناسيب التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.

Related



إقرأ المزيد