عنب بلدي - 5/31/2026 1:23:09 PM - GMT (+2 )
الحسكة – محمد جفال
بدأت حقول الشعير البعل في أرياف محافظة الحسكة الجنوبية والشرقية تكشف عن موسم وصفه مزارعون ومسؤولون زراعيون بأنه “استثنائي”، مع تسجيل معدلات إنتاج غير مسبوقة منذ عقود، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى انعكاسات هذا الموسم على واقع الثروة الحيوانية وأسواق الأعلاف والبذار في المنطقة.
ويأتي ذلك بالتزامن مع انطلاق عمليات الحصاد المبكر في المناطق الجنوبية من المحافظة، التي تعد من أبرز مناطق زراعة الشعير البعل في شمال شرقي سوريا، وسط توقعات بإنتاج وفير مدفوع بموسم مطري طويل وغزير، انعكس بصورة مباشرة على نمو المحاصيل وجودتها.
إنتاج “غير مسبوق” منذ الثمانينياتقال معاون مدير زراعة الحسكة، عز الدين الحسو، إن عمليات حصاد محصول الشعير البعل في المنطقة الجنوبية من المحافظة، والتي تبدأ عادة بصورة مبكرة قبل بقية المناطق، أظهرت كميات إنتاج وفيرة واستثنائية.
وأضاف الحسو أن المحافظة “لم تشهد مثل هذه الإنتاجية منذ ثمانينيات القرن الماضي”، مرجعًا ذلك إلى غزارة الأمطار والثلوج التي هطلت خلال الموسم الحالي، واستمرار الهطولات لفترات طويلة منذ بداية الزراعة وحتى ما قبل الحصاد، إضافة إلى سلامة الحقول الزراعية وخلوها من الأمراض والآفات.
وبحسب بيانات مديرية الزراعة، بلغت المساحات المزروعة بالشعير البعل في محافظة الحسكة خلال الموسم الحالي نحو 268 ألف هكتار، فيما بلغت مساحة الشعير المروي نحو 21 ألف هكتار موزعة على مناطق الاستقرار الزراعي الخمس، وسط توقعات بإنتاج يصل إلى 600 ألف طن.
ويعد الشعير من المحاصيل الاستراتيجية المهمة في محافظة الحسكة، لارتباطه بصورة مباشرة بقطاع الثروة الحيوانية، سواء عبر استخدامه كعلف أو كبذار للمواسم الزراعية اللاحقة، فضلًا عن كونه من المحاصيل الأكثر تحملًا للظروف المناخية مقارنة بمحصول القمح.
أرقام قياسية في الحقولقال عدد من فلاحي أرياف الحسكة الجنوبية لعنب بلدي، إن متوسط إنتاج الدونم الواحد المزروع بالشعير البعل وصل إلى نحو 400 كيلوغرام، بينما تجاوزت بعض المناطق حاجز 450 كيلوغرامًا، ووصلت في مناطق محددة إلى قرابة 500 كيلوغرام للدونم الواحد.
المزارع عبد الكريم العلي من ريف الحسكة الجنوبي، قال إن الموسم الحالي “فاجأ معظم الفلاحين بحجم الإنتاج”، مشيرًا إلى أن كثيرًا من المزارعين لم يتوقعوا الوصول إلى هذه الأرقام حتى مع تحسن الأمطار.
وأضاف أن المواسم الجيدة السابقة، مثل موسمي 2002 و2019، لم تسجل هذه المعدلات من الإنتاج، معتبرًا أن الموسم الحالي “الأفضل منذ عقود طويلة”.
وأشار عبد الكريم إلى أن وفرة الأمطار خلال الشتاء والربيع لعبت الدور الأكبر في رفع الإنتاج، خاصة وأن الشعير البعل يعتمد بصورة أساسية على مياه الأمطار دون الحاجة إلى الري، ما خفف أيضًا من تكاليف الإنتاج مقارنة بالمحاصيل المروية.
من جهته، قال المزارع محمود الخلف من ريف الحسكة الشرقي، إن الحقول هذا العام “أعادت للأهالي مشاهد المواسم القديمة التي كان يتحدث عنها الآباء”، مضيفًا أن الامتلاء الجيد للسنابل وغياب موجات الجفاف خلال فترة النمو أسهما في تحقيق إنتاج مرتفع.
وأضاف محمود أن عمليات الحصاد ستتوسع خلال الأيام المقبلة لتشمل بقية المناطق الزراعية في المحافظة، بالتوازي مع بدء حصاد الشعير المروي، بينما يتوقع أن تبدأ عمليات حصاد القمح منتصف شهر حزيران المقبل.
وأشار إلى أن كثيرًا من المزارعين يعلّقون آمالًا على موسم القمح أيضًا، في ظل المؤشرات الإيجابية الحالية، رغم استمرار المخاوف المتعلقة بأسعار المحاصيل وتكاليف الحصاد والنقل.
أمطار وثلوج غيّرت المعادلةيعتمد القطاع الزراعي في محافظة الحسكة بصورة كبيرة على الظروف المناخية، نظرًا إلى اتساع المساحات البعلية التي ترتبط إنتاجيتها بمعدلات الهطولات المطرية.
وخلال السنوات الماضية، تعرضت المحافظة لمواسم جفاف متكررة أثرت بصورة مباشرة على إنتاج الحبوب، وخاصة القمح والشعير، ما أدى إلى تراجع المحاصيل وارتفاع أسعار الأعلاف وانعكاس ذلك على قطاع الثروة الحيوانية.
إلا أن الموسم الحالي شهد معدلات هطول مرتفعة توزعت على معظم أشهر الشتاء والربيع، إضافة إلى تساقط الثلوج في بعض المناطق، الأمر الذي وفر رطوبة جيدة للتربة وساعد على استمرار نمو المحاصيل لفترات أطول.
ويرى مزارعون أن استمرار الهطولات حتى الفترات القريبة من الحصاد ساعد على امتلاء حبوب الشعير بصورة أفضل مقارنة بالمواسم السابقة، فضلًا عن الحد من تأثيرات الجفاف المبكر التي كانت تتكرر في سنوات عديدة.
كما ساعدت الظروف المناخية الجيدة على الحد من انتشار الأمراض والآفات الزراعية التي تتسبب عادة بخسائر للمزارعين، الأمر الذي انعكس أيضًا على جودة المحصول.
أسواق مرتبطة بالأعلاف والبذاررغم أهمية الشعير كمحصول استراتيجي، فإن الدولة لا تقوم بشرائه من المزارعين، بحسب ما أوضحه التاجر يوسف الأحمد لعنب بلدي، مشيرًا إلى أن عمليات الشراء تعتمد بصورة رئيسة على التجار والأسواق المحلية.
وقال يوسف، إن التجار يشترون الشعير من الفلاحين بغرض بيعه لاحقًا كبذار للمواسم الزراعية المقبلة، أو استخدامه كعلف للمواشي، نظرًا إلى كونه غنيًا بالمغذيات.
وأضاف أن أفضل أنواع الشعير المتداولة هو “الشعير الأسود”، إذ يتراوح سعر الطن الواحد منه حاليًا بين 220 و230 دولارًا.
وأشار إلى أن أسعار الشعير تشهد ارتفاعات ملحوظة خلال موسم البذار، ما يدفع كثيرًا من التجار إلى تخزين كميات كبيرة من المحصول وبيعها لاحقًا عند ارتفاع الأسعار.
وبيّن التاجر أن سعر طن الشعير تجاوز في بعض المواسم السابقة حاجز 500 دولار، خاصة في فترات الجفاف أو انخفاض الإنتاج، وهو ما يجعل تخزين الشعير نشاطًا تجاريًا مربحًا بالنسبة لبعض التجار.
وفرة الإنتاج وتأثيرها على المربينيُتوقع أن ينعكس الموسم الحالي بصورة إيجابية على قطاع الثروة الحيوانية في محافظة الحسكة، التي تعد من أبرز مناطق تربية الأغنام في سوريا.
ويعتمد مربو المواشي بصورة كبيرة على الشعير كأحد المكونات الأساسية للأعلاف، خاصة خلال فترات الجفاف أو ضعف المراعي الطبيعية.
ويرى مزارعون، تحدثوا لعنب بلدي، أن وفرة الإنتاج قد تسهم في تخفيف جزء من الضغوط التي شهدتها أسواق الأعلاف خلال السنوات الماضية، بعد الارتفاعات الكبيرة في الأسعار نتيجة تراجع الإنتاج وتكاليف النقل والتخزين.
وقال المزارع محمود الخلف، إن كثيرًا من مربي الأغنام كانوا يواجهون صعوبات كبيرة في تأمين الأعلاف خلال السنوات الماضية بسبب الأسعار المرتفعة، مضيفًا أن الموسم الحالي “قد يمنحهم متنفسًا مؤقتًا”.
في المقابل، يرى بعض الفلاحين أن وفرة الإنتاج وحدها لا تكفي لتحسين واقعهم الاقتصادي، في ظل استمرار ارتفاع تكاليف الزراعة والحصاد والوقود والنقل.
وأوضح عبد الكريم العلي أن المزارعين يواجهون تحديات تتعلق بأجور الحصادات وأسعار المحروقات، إضافة إلى تكاليف نقل المحصول وعمليات التخزين، ما قد يقلل من هامش الأرباح رغم الإنتاج المرتفع.
Related
إقرأ المزيد


