عنب بلدي - 5/31/2026 2:06:12 PM - GMT (+2 )
القنيطرة – عبد الله الوني
تعيش محافظة القنيطرة أزمة رقمية خانقة، حيث باتت خدمات الإنترنت والاتصالات عاجزة عن تلبية أدنى المتطلبات الضرورية.
يكمن جوهر هذه المعضلة في الاستهداف المتكرر والعبث التخريبي الذي يطال الكابل الضوئي الحيوي، الشريان الرقمي الذي يغذي المحافظة ويربطها بالعالم الخارجي.
وكشف مدير فرع اتصالات القنيطرة، عدنان بكر، لعنب بلدي عن حقيقة هذه المشكلة قائلًا، إن بطء الإنترنت وتدهور جودته يعودان بشكل مباشر إلى هذه الأعمال التخريبية التي لا تقتصر على حدود القنيطرة، بل تمتد لتشمل مسار دمشق- القنيطرة، وصولًا إلى مواقع حيوية في ريف دمشق والعاصمة نفسها.
هذه الأعمال المتوالية لم تكن مجرد حوادث عابرة، بل أثرت بعمق على جودة الخدمة لجميع أشكال الاتصالات، من الإنترنت المنزلي والمؤسسي إلى خدمات الهاتف الأساسية.
وأدى هذا التدهور إلى موجة من الاستياء الشعبي بين الأهالي والمشتركين، الذين يجدون أنفسهم معزولين رقميًا في عالم يتسارع نحو الاتصال الدائم.
بالمقابل، فإن الاعتذارات المتكررة من فرع اتصالات القنيطرة، وإن كانت تعبر عن تفهم للموقف، فإنها لا تقدم حلًا جذريًا لمشكلة تتفاقم يومًا بعد يوم.
13 قطعًا في أربعة كيلومتراتمعظم هذه التعديات تتركز في منطقة حساسة بريف دمشق، تحديدًا في المقطع الواقع بين جسر الطبيبية وجسر القليعة، الذي لا تتجاوز مسافته أربعة كيلومترات.
هذا المقطع، بحسب عدنان بكر، يُعد نقطة ضعف حرجة في الشبكة، تعرض للقطع والتخريب 13 مرة، وهو رقم وصفه بـ”الصادم”، ويعكس حجم التحدي الأمني والفني.
ورغم الجهود التي تبذلها ورشات فرع القنيطرة، بالتعاون مع فرق ريف دمشق، لإصلاح الأعطال في زمن قياسي لا يتجاوز 24 ساعة لإعادة الخدمة، فإن هذه الإصلاحات المتكررة تحمل في طياتها مشكلة أخرى، فكل وصلة جديدة، وإن كانت ضرورية لإعادة الاتصال، تترك أثرًا سلبيًا على جودة الكابل الضوئي وتزيد من “التخامد”، مما يؤثر على الأداء العام للشبكة.
من جانبه، أوضح بكر أن هناك خطة طموحة لاستبدال هذا المقطع المتضرر بالكامل، وقد تم الانتهاء من دراسته لطرحه للتنفيذ، وهو ما يمثل “بصيص أمل” في خضم هذه الأزمة.
بنية متهالكة وتحديات في الأرشفةمدير دعم القرار والتخطيط الإقليمي والتحول الرقمي في محافظة القنيطرة، سوار الجبر، أكد أن تردي خدمة الإنترنت أدى إلى تراجع في قدرة المحافظة على تقديم الخدمات للمواطنين.
وفي مجال آخر، أشار إلى أن القنيطرة متأخرة جدًا في مجال الأرشفة الرقمية مقارنة بالمحافظات الأخرى، وهو ما يمثل “خطرًا حقيقيًا”.
واستشهد بما حدث عند دخول دوريات الجيش الإسرائيلي إلى بناء المحافظة والعبث بمحتوياتها، حيث لم يتمكنوا من إنقاذ أي وثائق بسبب غياب الأرشفة الرقمية.
ضرر الخدمات الحكومية يطال المواطنتتجاوز تداعيات تردي خدمة الإنترنت مجرد الإزعاج اليومي لتتحول إلى ما ينذر بـ”كارثة حقيقية” تهدد بتعطيل الحياة المدنية في القنيطرة.
عضو المكتب التنفيذي في محافظة القنيطرة والمسؤولة عن قطاع الاتصالات، فاتن محمد، تحدثت عن واقع الخدمات في القنيطرة، خاصة في أثناء انقطاع الكابل الضوئي.
وقالت إن النتيجة المباشرة لهذا الشلل الرقمي الذي يحصل في أثناء التعدي على الكابل الضوئي، هي توقف شبه كامل للخدمات الحيوية التي تعتمد على الاتصال بالإنترنت.
إصدار الوثائق الثبوتية، مثل الهوية والسجل العدلي، أصبح مهمة شبه مستحيلة، كما أن معاملات البريد ومراكز خدمة المواطن، التي يفترض أن تسهل حياة المواطنين، تجد نفسها عاجزة عن أداء مهامها.
حتى المعاملات المالية وسجلات المرضى في المستشفى “الوطني”، وهي خدمات لا غنى عنها، توقفت عن العمل بسبب اعتمادها على خوادم مركزية في دمشق.
والمواطن في القنيطرة هو “الضحية الأكبر” نتيجة هذا التخريب المتعمد، حيث يجد المواطن نفسه غير قادر على إنجاز أبسط معاملاته الحكومية، سواء في الدوائر الرسمية أو المصارف أو حتى شركة الاتصالات، بانتظار إصلاح الخلل في الكابل الرئيس.
وأشارت إلى أن البنى التحتية الحاسوبية في المحافظة تعاني من قدم مزمن، فاقمته العقوبات التي كانت مفروضة على سوريا ونقص قطع التبديل وارتفاع أسعار التجهيزات.
هذه العوامل مجتمعة أدت إلى تآكل بنية الشبكات الحاسوبية في مؤسسات الدولة، مما يضع القنيطرة في تصنيف متأخر من التطور الرقمي نتيجة تهميش المحافظة خلال حكم النظام السوري السابق.
جيل يواجه “الأمية الرقمية”لا يقتصر التأثير “المدمر” لضعف الإنترنت على الخدمات الإدارية والمالية، بحسب وصف المسؤولة عن قطاع الاتصالات بمحافظة القنيطرة، فاتن محمد، بل يمتد ليشمل القطاع التعليمي، مهددًا مستقبل الأجيال القادمة.
فالطلاب يواجهون صعوبة بالغة في متابعة المنصات الرقمية التعليمية وخدمات البث المباشر، مما يحرمهم من فرص التعلم الحديثة ويوسع الفجوة الرقمية، لأن الاعتماد الكلي على المخدم المركزي (السيرفرات) في دمشق.
وهذا يعني أن أي انقطاع في الكابل الضوئي يحرم القنيطرة من الوصول إلى قواعد البيانات.
شبكة الخلوي المنسيةقالت المسؤولة عن قطاع الاتصالات بمحافظة القنيطرة، إن المشكلة لا تقتصر على الإنترنت السلكي فقط، بل تمتد لتشمل ضعفًا حادًا في الشبكة الخلوية، حيث لا تتوفر الخدمة في العديد من المناطق مثل بئر عجم وبريقة والقرى التابعة لبلدة نبع الصخر وقصيبة وعين التينة والقرى المجاورة لها، بالإضافة إلى منطقة العشة وكودنة.
وفي القطاع الجنوبي للقنيطرة يغيب وجود أبراج شركة “MTN” بالكامل، مما يترك سكان هذه المناطق في عزلة تامة عن العالم الرقمي.
وطالبت المحافظة وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات بإجراء مسح ميداني شامل لهذه المناطق المحرومة، والعمل على توفير شبكتي الجيل الثاني والثالث بشكل فعال ومستقر.
بصيص أمل في الأفقلمواجهة هذه التحديات، تبرز بعض الحلول المقترحة التي قد تسهم في تخفيف حدة الأزمة، وفق ما تراه المهندسة فاتن محمد.
من أهم هذه الحلول، مد كابل ضوئي بديل واحتياطي يربط القنيطرة بدمشق، لضمان استمرارية الخدمة وتقليل الاعتماد على الكابل الحالي المعرض للتخريب.
كما أن هناك دعوات ملحة للجهات المختصة لتكثيف جهودها في منع التعديات على الكوابل وتطبيق القانون بصرامة.
كما تولي المحافظة أهمية للتحول الرقمي، لذلك حثت المديريات فيها على تبسيط الإجراءات وأتمتة الأعمال والبدء بأعمال الأرشفة الإلكترونية وتحديث الشبكات الحاسوبية.
وتسعى المحافظة في المستقبل القريب لإنشاء مركز تدريبي موحد يهدف إلى رفع السوية التعليمية الرقمية للمواطنين والموظفين، مما يدفع القنيطرة خطوات نحو التطور الرقمي.
Related
إقرأ المزيد


