عنب بلدي - 5/31/2026 3:57:07 PM - GMT (+2 )
عنب بلدي – آلاء شعبو
على إيقاع “الشيكابشنه” في الأعراس الشركسية، لا تزال العائلات تتناقل قواعد “الأديغة خابزة”، كما لو أنها دستور غير مكتوب نجا من الحرب والشتات.
في البيوت الشركسية بدمشق والقنيطرة وحلب، لا تزال اللغة والرقصات الفلكلورية وحتى طقس “الخطيفة” جزءًا من محاولة الحفاظ على هوية اجتماعية واجهت النزوح والهجرة وتبدل الأمكنة، لتتحول هذه العادات إلى وسيلة لحماية الذاكرة الجماعية من الذوبان، والعودة التدريجية إلى الجذور في مرحلة ما بعد النزاع، وبداية تشكل المبادرات الأهلية عقب سقوط نظام الأسد.
ما “الأديغة خابزة”المفهوم: هي دستور عرفي وأخلاقي وقانوني غير مكتوب، ينظم أدق تفاصيل الحياة اليومية للفرد والجماعة الشركسية، ويعود أصل التسمية إلى كلمتين في اللغة الشركسية، “أديغة” وتعني الشركس، و”خابزة” وتعني القانون أو المنظومة الناظمة للحياة.
الركائز الأساسية: تقوم على الاحترام المطلق لكبار السن، فهم مرجع الحكمة والخبرة، إذ لا يمكن للشاب أن يجلس أو يتكلم في حضرة كبار السن إلا بإذن، نزولًا عند أحكام هذا الدستور.
وكذلك منح المرأة مكانة وقار عالية، واحترام الجوار، والحفاظ على الدين الحنيف، والتمسك بالمناسبات الاجتماعية، والحضور الدائم للباس الشركسي والفلكلور التعبيري في كل المناسبات والتجمعات.
طريقة التطبيق: لا يختصرها الشركس في الفلكلور، بل هي أسلوب حياة صارم يحدد طريقة الكلام والجلوس وحل النزاعات وطقوس المصاهرة.
الهدف الحاضر: تحولت من مجرد موروث تاريخي إلى “حصن اجتماعي بديل عن الجغرافيا”، لحماية النسيج المجتمعي من الذوبان بعد سنوات الحرب والتشتت.
رئيس مجلس القبائل الشركسية في سوريا، الشيخ محمد إلياس جوجوق، أوضح لعنب بلدي عمق هذا المفهوم بأن “الأديغة خابزة” هي التي تشكل أساس السلوك والهوية الشركسية التي لا يمكن فصل الفرد عنها، وبفضل صرامة هذه المنظومة الأخلاقية واحترام الجميع لها، تمكن الشركس من الحفاظ على تميزهم الثقافي وتماسكهم الاجتماعي، رغم تشتتهم الجغرافي القاسي عبر التاريخ.
“الخطيفة”.. حين تتحول العادات إلى رابطة اجتماعيةشكلت العادات الشركسية على الدوام وسيلة لحماية بقاء المجتمع الشركسي وتماسكه كجماعة مترابطة أينما استقرت به رحال اللجوء.
في دمشق، أوضحت ريتاج حاتوك، وهي شابة شركسية، لعنب بلدي، أن كثيرًا من هذه الطقوس لا تزال حاضرة في تفاصيل الحياة حتى اليوم، خاصة في الزواج والعلاقات الأسرية.
وتحدثت ريتاج عن طقس “الخطيفة”، وهو من أشهر الطقوس المرتبطة بالزواج الشركسي، ويقوم على “الخطف بالتوافق التام” بين الشاب والفتاة بمعرفتها ورضاها، استنادًا إلى قصة شعبية قديمة في الموروث العرقي تحكي عن شابة غنية لم تسمح لها أسرتها بالزواج من حبيبها الفقير، فتهرب الشابة وتحاول الانتحار، ليتدخل حبيبها وينجح في إنقاذها وإعادتها إلى أسرتها، هنا تراجعت العائلة وزعماء القبيلة مقتنعين بأن الفتاة المستعدة للموت من أجل حبها لا يجب أن تُقتل بل يجب السماح لها بالزواج، وابتكروا هذا التقليد.
وقالت ريتاج، إن العرف الشركسي يعتبر نجاح “الخطيفة” التزامًا اجتماعيًا وقانونيًا يدفع عائلة الفتاة للموافقة على الزواج فورًا.
ولا تتوقف “الأديغة خابزة” عند الزواج فقط، بل تمتد لتفرض قوانين اجتماعية صارمة تحمي النسيج الأسري من التفكك وتحدد صلة الرحم.
في مجتمعنا، تُعد ابنة العم مثل الأخت تمامًا، لذلك يُعتبر الزواج بها عيبًا كبيرًا في العرف الشركسي، ورغم حدوث بعض الاستثناءات بين زمن وآخر، فإن هذه القاعدة تمنع ذوبان الحدود الأسرية وتوسع مجتمع الأديغة عبر المصاهرة مع عائلات أخرى، والحب هو شرط أساسي للزواج.
ريتاج حاتوك
شابة شركسية
هذا الترابط الاجتماعي يرافقه حضور واضح للموسيقا التراثية، خصوصًا آلة “الشيكابشنه” الوترية التراثية التي يُعزف عليها باستخدام “ذنب الخيل”، وترافقها أداة إيقاعية خشبية تصدر ألحانًا تحاكي تمامًا أصوات حوافر الخيول في أثناء الجري السريع، وتنسجم مع الرقصات الجماعية (مثل الكافا والوج والقافة)، في استعادة رمزية تعيد إلى أذهان الشباب السوريين من أصول شركسية حكايات الفروسية وقيم الأجداد في القوقاز.
الحرب غيّرت الجغرافيا.. العادات حافظت على التماسكاستقر الشركس في سوريا أواخر القرن الـ19 تحديدًا بعد عام 1878، إثر تهجيرهم القسري من موطنهم الأصلي في القوقاز جراء الحروب الدموية والجرائم التي ارتكبتها الإمبراطورية الروسية بحقهم، وتمركزت تجمعاتهم الأساسية في القنيطرة والجولان ودمشق وريفها ومحافظات أخرى، حيث تعاملوا مع سوريا بوصفها وطنًا نهائيًا.
لكن المجتمع الشركسي واجه موجات نزوح متلاحقة، بدأت بعد حرب عام 1967 والاحتلال الإسرائيلي لقرى الجولان التاريخية، ثم تعمقت مع الصراع الذي رافق الثورة السورية الممتدة بعد عام 2011، جراء القمع العسكري وسياسات نظام الأسد.
وفي هذا السياق، أوضح رئيس مجلس القبائل الشركسية في سوريا، الشيخ محمد إلياس جوجوق، كيف تبدلت ملامح جغرافية الشركس قائلًا، إن النزوح الواسع سببه الظلم والسياسات القمعية، ما دفع أعدادًا كبيرة من الشركس إلى الهجرة داخل سوريا وخارجها نحو تركيا والقوقاز وأوروبا، وجعل التجمعات الشركسية اليوم أكثر تشتتًا وأقل تماسكًا جغرافيًا مما كانت عليه سابقًا.
وأضاف الشيخ جوجوق لعنب بلدي، أن مناطق مثل مرج السلطان في غوطة دمشق، التي كانت تعد خزان التراث الشركسي الأبرز، تعرضت لدمار كامل عام 2016، جراء القصف، ما زاد من حالة التشتت الاجتماعي.
ورغم ذلك، جابهت العائلات هذا التباعد بالتمسك بالمنظومة الأخلاقية (الأديغة خابزة) داخل المنازل كبديل عن الجغرافيا المفقودة، وبقيت العائلة تلعب الدور الأساسي في نقل العادات والتقاليد وحفظ قيم الجوار والشهامة بين الأجيال.
خريطة توزع الشركس في سورياالتقديرات العَدَدية: كانت تتراوح قبل عام 2011 بين 100 و150 ألف نسمة، مع تقديرات عليا تصل إلى 175 ألفًا، بينما بات ضبطها حاليًا بدقة صعبًا بسبب غياب الإحصاءات الرسمية الموثوقة وموجات اللجوء والنزوح وتبدل مساكن العائلات خلال العقود الأخيرة.
خريطة الانتشار الجغرافي الحالية:
دمشق وريفها: أحياء المهاجرين، ركن الدين، قدسيا وضاحيتها، مشروع دمر، ضاحية حرستا، تجمع الكسوة، مرج السلطان.
القنيطرة والجولان السوري: قرى المنصورة، العدنانية، عين زيوان، الخشنية وغيرها الكثير من القرى التي هُجر أهلها تاريخيًا.
حمص وريفها: قرى أبو همامة، مرج الدر (المريج)، عسيلة، التليل، عين النسر، تل عمري، دير فول.
حماة وريفها: قرى تلعدا، تلسنان، ودير العجل (ذيل العجل).
حلب وريفها: خصوصًا خناصر، منبج، عين دقنة، الراعي.
اللغة.. التحدي الأصعب في مواجهة الذوبانالخوف الأكبر الذي يواجه المجتمع الشركسي اليوم في شتاته ونزوحه هو غياب ممارسة اللغة التي تعتبر حارسة الذاكرة والتاريخ الشفهي، ويلجأ الشركس في هذا السياق إلى مثلهم القديم “روح الشعب لغته.. فلنتكلم اللغة الشركسية”.
وأشار رئيس مجلس القبائل الشركسية في سوريا، الشيخ محمد إلياس جوجوق، إلى أن معركة الحفاظ على اللغة (بلجهتيها الأديغية والقبرطية) هي التحدي الأكبر حاليًا مقارنة بالعادات، فبينما تظل عادات “الخابزة” قوية ومحترمة في السلوك اليومي بفضل الترابط الأسري، فإن اللغة تأثرت بشكل مباشر جراء تشتت العائلات، وظروف الحرب الصعبة، واعتماد العربية لغة أساسية وحيدة في التعليم والعمل والحياة اليومية.
من الذاكرة العملية إلى العمل المنظمبعد سنوات طويلة اعتمد خلالها الشركس على العائلة بوصفها الحاضن الأساسي للهوية، بدأت مرحلة جديدة من العمل المنظم لإحياء اللغة والتراث عقب سقوط نظام الأسد.
ويبرز اليوم دور مجلس القبائل الشركسية في سوريا، إلى جانب الجمعية الخيرية الشركسية التي تأسست عام 1948، في إعادة تنشيط الفعاليات التراثية وتعليم الرقصات والفلكلور للأجيال الجديدة.
كما ظهرت مبادرات ثقافية حديثة تهدف إلى تدريس اللغة الشركسية وربط الأطفال والشباب بجذورهم التاريخية، في محاولة لتحويل الهوية الشركسية من ذاكرة مهددة بالاندثار إلى حضور اجتماعي وثقافي أكثر استقرارًا داخل المجتمع السوري.
هوية خاصة داخل الهوية السورية.. آمال العودةيرى الشركس في سوريا أن الحفاظ على خصوصيتهم الثقافية الفريدة لا يتعارض أبدًا مع انتمائهم الوطني السوري، بل يشكل جزءًا أصيلًا وثريًا من التنوع الاجتماعي في البلاد، فارتباطهم بسوريا لم يكن ارتباطًا عابرًا، ففي سنوات ما قبل الحرب، كان التخلي عن الجنسية السورية ضربًا من المستحيل في وجدانهم، لأن هذه الأرض احتضنتهم يوم هُجروا قسرًا، وفي صفوف جيشها حاربوا وسجلوا انتصارات تاريخية بارزة، لعل أهمها ما حققته الكتيبة الشركسية في حرب عام 1948.
اليوم، ورغم وجود تحديات كبيرة مرتبطة بالوضع الاقتصادي المعيشي الصعب، واستمرار نزيف الهجرة، وصعوبة إعادة بناء الحياة الاجتماعية والثقافية بشكل كامل بعد سنوات الحرب الطويلة، ينظر الشركس إلى المستقبل بكثير من الأمل والمسؤولية باعتبارهم جزءًا أصيلًا من الشعب السوري ومن الثورة السورية التي طالبت بالحرية والكرامة والعدالة.
Related
إقرأ المزيد


