لمى قنوت
منذ أواخر عام 2024، استخدم الاحتلال الإسرائيلي اللغة الأمنية كغطاء “أبستيمي” (معرفي) يعيد تشكيل الجنوب السوري سياسيًا ومعرفيًا ليتواءم مع طموحاته التوسعية في المنطقة وهيمنته عليها، فأنتج خطابه الرسمي معجمًا متماسكًا أعاد فيه توصيف الجنوب بوصفه مجالًا أمنيًا لا فضاء سياديًا. ولعل أكثر المصطلحات استخدامًا هي: “منطقة عازلة” داخل سوريا، منزوعة السلاح، “عمق أمني حيوي”، وتُرجمت باحتلال قمة جبل الشيخ، الممتد بين سوريا ولبنان، ووصلت المساحة المحتلة بحسب صحيفة “الفايننشال تايمز”، في 19 من أيار الحالي، إلى نحو 233 كيلومترًا مربعًا، من مرتفعات جبل الشيخ شمالًا إلى قاعدة عسكرية مهجورة في بلدة معرية، تقع على بعد أكثر من 70 كيلومترًا إلى الجنوب. وهذه المساحة السورية المحتلة هي جزء من ألف كيلومتر مربع احتلتها اسرائيل، أكثر من نصفها أراضٍ محتلة من جنوبي لبنان، وحوالي 7- 8% من قطاع غزة، وتعادل مجمل المساحات الثلاث نحو 5% من حدود عام 1949.
منذ سقوط نظام الأسد، والعملية العسكرية التي أطلق عليها الاحتلال اسم “سهم الباشان”، ودمر فيها حوالي 70-80% من البنية التحتية للقدرة العسكرية السورية، من منشآت ومخازن أسلحة، وتمركز عسكريًا في تسع قواعد ونقاط، شُيّد بعضها في محميات طبيعية بعد تجريف ثلثها، مثل محمية جباتا الخشب، وأخرى مثل قاعدة العدنانية، التي تشرف على سد المنطرة، أكبر سدود الجنوب السوري، ليتحكم الاحتلال بالمياه بعد أن أغلق المنطقة عسكريًا، كما احتل ثكنة الجزيرة التي تقع في منطقة زراعية غنية بالمياه قرب حوض اليرموك، بالإضافة إلى المشروع التوسعي “سوفا 53″، الذي يعيد تشكيل البيئة المكانة والمعيشية والأمنية للجنوب السوري، ويفرض تغييرات ديموغرافية يمكن أن تمهد لمشاريع استيطانية، وخاصة مع المحاولات الحثيثة لحركات استيطانية، كحركة “رواد الباشان” لعبور الحدود، التي تطالب بإقامة بؤر استيطانية فيما تسميه “أرض الباشان”، في إشارة إلى المحافظات الثلاث في الجنوب السوري وبضمنها الجولان المحتل، وأجزاء من جنوب ريف دمشق.
في الدراسات الاستيطانية، يعتبر الفعل الرمزي لمحاولات العبور اختبارًا سياسيًا ومكانيًا يُشعل المخيال الجمعي لإعادة تخيل المكان، وخاصة مع استدعاء لغة توارتية كاسم “الباشان” للحركة الاستيطانية، والمدعومة من أعضاء في حكومة الاحتلال، والحاصلة على شهادة تقدير من نائبة رئيس “الكنيست”، ليمور سون هار-ميلخ، كواحدة من الداعمات لاحتلال قطاع غزة، وتهجير سكانها، وإقامة مستوطنات فيها. والمخيال الاستيطاني مترابط مع المعجم اللغوي الاستعماري الذي يُقدم لجمهور المستوطنين كـ”إجراءات استقرار”، ومترابط أيضًا مع البنية العسكرية التي أنشأها الاحتلال في الجنوب السوري، من قواعد ونقاط عسكرية، وطرق وحواجز، وتجريف واسع، وشق لطرق عسكرية، وإقامة سواتر ترابية، ونقاط مراقبة، وخطف للمواطنين، وتدمير للأنماط الزراعية للمجتمعات، وجميعها، تغذي وتنتج أفقًا استيطانيًا محتملًا للمتطرفين.
وفضلًا عن ذلك، فإن المسار المنتظم والتراكمي الذي ينتهجه الاحتلال، هو هدم العمران أو إلحاق أضرار به، فبعد ستة أشهر من سقوط نظام الأسد، دمر الاحتلال ما لا يقل عن 23 مبنى مدنيًا في ثلاث قرى بمحافظة القنيطرة، وهجر سكانها، بالإضافة إلى تدمير حدائق وأراضٍ زراعية مجاورة، وهي سمة إجرامية للاحتلال في كل من الجنوب السوري واللبناني وقطاع غزة. وطال منطق الإزالة والمحو تدمير منشآت تاريخية في مدينة القنيطرة القديمة، مثل مسجد “الداغستان” الأثري، ومبنى المتحف كجزء من تفكيك الذاكرة المكانية، وتحويل المكان إلى مساحة أمنية عسكرية في إطار مشروع طريق “سوفا 53″، وهو خط عسكري يمتد من جبل الشيخ حتى جنوبي القنيطرة، بطول 70 كيلومترًا، يربط بين القواعد العسكرية التي أنشأها الاحتلال.
إن البيئة القسرية التي يفرضها الاحتلال، والتحكم في حركة السكان، وعسكرة الحيز اليومي، وتقييد وصولهم إلى الأراضي، ومصادر المياه، وأمننتها، وتدمير محاصيلهم عبر رشها بمبيدات كيماوية سامة تهدد الأمن الغذائي، ومقومات الحياة، وتلوث التربة والموارد المائية لأمد طويل، كما أن توقيف المدنيين، وخطف بعضهم، والذي بلغ عددهم 46 شخصًا نقلوا قسرًا إلى سجون الاحتلال، إضافة إلى أن التوغلات المتكررة التي بلغت في محافظة القنيطرة، مثلًا، منذ بداية كانون الأول 2024 حتى نهاية كانون الأول 2025، 639 مرة، وأقيمت خلالها الحواجز والتفتيش 180 مرة، وتم إطلاق النار 41 مرة، ستؤدي إلى تهجير قسري بطيء للسكان، وخاصة أن التدمير البيئي مرتبط بشكل وثيق مع التهجير القسري في السياقات الاستعمارية.
عمليًا، إن توفير الأدوات الاستراتيجية من دعم للزراعة والكهرباء، وإعادة بناء المنازل، وإصلاح المتضرر منها، وحماية الملكيات، وإنشاء صناديق تكافلية، ودعم الخدمات المحلية، والعملية التعليمية، والتوثيق القانوني والإعلامي المستمر لعمليات التوغل، واحتلال الأراضي، والهدم، والاختفاء القسري، والإبادة البيئية، ونقلها من المستوى المحلي إلى ملفات قانونية دولية، من شأنها أن تدعم المقاومة الشعبية المدنية للسكان.
أما “سياسة النعامة” التي تنتهجها السلطة الانتقالية، في تجاهل لجرائم الاحتلال، وبضمنها عدم المطالبة بالإفراج عن المختفين قسرًا في سجون الاحتلال، والتغاضي عما يتعرض له سكان الجولان المحتل، من خطر اقتصادي وسياسي وبيئي على المنطقة، من خلال مشروع “التوربينات”، أو ما يطلق عليه السكان “توربينات التهجير”، هو جزء من مشكلة التغييرات الجذرية التي يؤسس لها الاحتلال، ليُترك السكان في مواجهة منفردة معه، دون مشروع حماية وطني يضمن قدرتهم على البقاء والاستمرار والسيادة على مجالاتهم الحياتية، ويتحول الجنوب إلى منطقة هشّة مفتوحة لإعادة التنظيم الأمني والديموغرافي، وأرض تُفرض عليها الوقائع بالقوة.
Related


