“الهجيني” في حوران.. روح “الربع” و”السامر” والأرض
عنب بلدي -

عنب بلدي – وسيم العدوي

“الهجيني” في حوران وامتدادها الجغرافي التاريخي ليس مجرد لون من الغناء الشعبي، بل سيرة كاملة للناس البسطاء الذين حملوا مشاعرهم على ظهور الإبل، وغنوا للطرق الطويلة والديار البعيدة، حيث ارتبط تاريخيًا بحياة الترحال في البادية، والفلاحين في أزقة الأحياء القديمة وهم يقصدون حقولهم، إما ليستودعوا في الأرض بذارًا جمعوه طيلة عام مضى، وإما ليحصدوا سنابل لوحتها الشمس، ورعتها يد الله.

“الهجيني”، بحسب الموروث الشعبي لأهل البدو والأرياف البعيدة في المحافظات، هو “نص الشعر البدوي أو الريفي السريع الإيقاع”، أما “الهيجنة” فهي عملية الأداء عبر إلقاء هذا الشعر البدوي (الهجيني) صوتًا، والذي يعتمد على بيتين أو أكثر بإيقاع متكرر.

وكان “الحداة” (أي الرعاة أو المسافرون أو الفلاحون الذي يؤدون طقس الهجيني في مسيرهم وأعراسهم وترحالهم وأعمالهم الزراعية…) ينشدونه في أثناء العمل أو “السراة إلى الحصاد”، أو خلال سير القوافل لتخفيف مشقة المشي في الطرق غير المعبدة، ومع مرور الزمن، أصبح “الهجيني” جزءًا أصيلًا من الوجدان الشعبي في جنوبي سوريا وشمالي الأردن، ولا سيما بين أهالي حوران الذين منحوه نبرة حزينة خاصة (غالبًا)، كأنها خارجة من قلب يعرف معنى الفراق جيدًا.

يمتاز “الهجيني” ببساطته وعفويته، أبيات قصيرة، لكنها محمّلة بعاطفة كثيفة، ولا يحتاج إلى أدوات موسيقية معقدة، فالصوت وحده يكفي ليحمل الحكاية، وفي كثير من الأحيان، يبدأ المنشد بيتًا شجيًا عن الغربة أو الأم أو الحبيب الراحل، فيردد الجالسون خلفه الشطر الأخير، وكأن الجميع يشتركون في العاطفة ذاتها.

“هجيني” الشوق والرحيل

“الهجيني” في الأصل شعر يُنشَد على لحن بدوي خفيف الإيقاع، وكان يُغنّى غالبًا في أثناء سير الإبل في السفر الطويل، ولذلك يرتبط بالترحال والبادية، ويقال، بين أوساط أهالي البادية السورية، إن اسمه مشتق من “الهجين”، أي الإبل السريعة التي كانت تُركب في الأسفار.

“يا راكب فوق النجيبة سرّحِي

خلّ الهوى يمشي معك وين ما مشي

وإن شفت دار الأحباب سلّم عليهم

قلهم الغايب على العهد ما نسي”.

بهذا الغناء الشعبي “الهجيني”، بدأ فارس المحمد من أهالي السماقيات في محافظة درعا على الحدود السورية- الأردنية، حواره مع عنب بلدي، حول “الهيجنة” التي تعتبر أحد أقدم ألوان الشعر الشعبي في الجنوب السوري، وقال إن هذا النمط من الشعر وُلد من حياة “المرابع” و”السهول” ورفقة “الخيّالة” في البادية، حيث كان الناس يتناقلون القصيد في السهرات وعلى ظهور الهجن والخيل.

وبقيت “الهيجنة” مرتبطة بروح البدو ولهجتهم البسيطة، لأنها تعبّر عن الفرح والعتاب والفخر بكلمات قريبة من القلب وتحمل طابع البيئة الحورانية والبدوية، بحسب المحمد (الذي يجيد هذا اللون من الإنشاد)، موضحًا أن “الهيجنة” كانت تقال قديمًا في “المضافات” خلال مراحل صنع القهوة العربية من “تحميس” و”دق بالمهباج” وغلي بـ”الركوة” على نار الموقد حين يجتمع الرجال بعد يوم طويل من العمل والرعي.

وكان الشاعر الشعبي ينقل أخبار الناس وأحوالهم من خلال الأبيات، لذلك بقي هذا الفن قريبًا من المجتمع ويشبه تفاصيل حياته اليومية، وقال المحمد، إن شاعر “الهيجنة” يعتمد على سرعة البديهة وقوة الحضور، لأن كثيرًا من القصائد تقال بشكل ارتجالي خلال المناسبات والأعراس.

وأضاف أن الشاعر الحقيقي هو من يعرف كيف “يجرّ البيت”، ويرد بسرعة بكلمات تحمل معنى وإحساسًا دون تكلف أو تصنع، وهو ما يعطي “الهيجنة” طابعها الخاص، وتحدث عن ارتباط “الهيجنة” بحياة الفرسان وأهل البادية، وكانت القصائد تصف “الوجيه” والكرم، و”رباعة الخيل”، إضافة إلى التغني بالشجاعة والنخوة.

الحنين والغربة والحب والسفر

في السنوات الأخيرة، عاد الاهتمام بـ”الهجيني” عبر تسجيلات ينشرها شبان على وسائل التواصل الاجتماعي، محاولين حفظ هذا الإرث الشعبي من الاندثار، وبعضهم يمزجه بالموسيقا الحديثة، بينما يصر آخرون على أدائه بصورته القديمة، حفاظًا على روحه العربية الأصيلة.

قال فارس المحمد، إن “الهجيني” في النهاية ليس مجرد غناء، هو صوت الذكريات والموروث الشعبي في عقول الناس، ولغة الذين لم يكتبوا تاريخهم في الكتب، “بل تركوه عالقًا في الهواء، بين نبرة مبحوحة وبيت شعر يقول كل شيء في لحظة واحدة، عن الحنين والغربة والحب والسفر”.

وأكد أن محافظة درعا حافظت على هذا اللون الشعبي عبر الأجيال، إذ بقي حاضرًا في الأعراس والجلسات التراثية حتى اليوم، وما زال “الختايرة” (الطاعنون في السن) يرددون أبيات “الهيجنة” القديمة، بينما يحاول بعض الشباب لملمتها وحفظها.

“الهيجنة” ليست مجرد شعر، بل جزء من ذاكرة الجنوب السوري، لأنها توثق اللهجة والعادات القديمة وتفاصيل الحياة البسيطة، وقال المحمد، إن هذا الفن يحمل روح “الربع” و”السامر”، ويعكس صورة المجتمع الحوراني بعفويته وقيمه الأصيلة.

سبب قرب “الهيجنة” من الناس

لعل أكثر ما يميز “الهجيني” هو صدقه، فهو لا يتكلف البلاغة، بل يولد من التجربة المباشرة، ويسرد المحمد أمثلة على ذلك: “راعٍ يشتاق لأهله، أم تنتظر ابنها، رجل يقف على قبر غريب بعيدًا عن أرضه”، ولذلك بقي “الهجيني” قريبًا من الناس رغم تغير الزمن، إذ لا تزال المجالس الريفية والسهرات الشعبية تحتفظ له بمكانته.

ويتعدى هذا الفلكلور البدوي بادية الشام، حيث يُعرف في عموم مناطق البدو بالأردن وشمالي السعودية والعراق، ويحمل العديد من معاني الحكمة والبساطة.

وتحتاج “الهيجنة”، بحسب شاعرها فارس المحمد، إلى الاهتمام أكثر بالشعر الشعبي وتوثيقه، لأن الحفاظ عليه يعني الحفاظ على جزء من تاريخ المنطقة وتراثها، حتى تبقى كلمات البادية وأصوات الشعراء حاضرة في ذاكرة الأجيال القادمة.

“الهجيني” في كتاب

من أهم المصادر الحديثة التي تناولت “الهجيني” بوصفه فنًا بدويًا قديمًا كتاب “فن الهجيني في الغناء البدوي: دراسة ونصوص”، للباحث محمود مفلح البكر، إذ يؤكد أن “الهجيني” من أبرز أشكال الغناء والشعر البدوي في البادية العربية، وارتبط مباشرة بحياة الرعي والترحال وحداء الإبل.

وبحسب الكاتب البكر، فإن “الهجيني” انتشر في بادية الشام وشبه الجزيرة العربية، كفن شفهي يعبر عن العشق والحنين والفخر والشكوى، ويصعب تحديد بداياته التاريخية الدقيقة لكنه متجذر في الثقافة البدوية القديمة.

هذا المرجع يلخص “قصة حياة الهجيني” بأنه كان يُؤدى غالبًا في أثناء السفر على الإبل أو في لحظات الوحدة في البادية، مما جعله قريبًا من “الوجدان البدوي”، ومعبّرًا عن التجربة اليومية للإنسان الصحراوي أكثر من كونه نصًا مكتوبًا أو فنًا نخبويًا.

Related



إقرأ المزيد