في مسرح يبدو مهجورًا، يعود الماضي دفعة واحدة، مخرج فقد شغفه الفني، وممثلة أنهكتها الغربة، يلتقيان بعد سنوات من الانقطاع ليخوضا مواجهة مؤجلة مع الذاكرة والخذلان والتحولات التي أصابت الإنسان السوري خلال السنوات الماضية، هذه الفكرة التي تقوم عليها مسرحية “حوار”.
المسرحية عُرضت ضمن فعاليات الدورة التاسعة من مهرجان “دبا الحصن” للمسرح الثنائي بالشارقة، في 24 من أيار الحالي.
التكثيف النفسي في مواجهة الحرب“حوار”، من تأليف وإخراج مأمون الخطيب، وبطولة إبراهيم عيسى وآلاء عفاش، في عرض يقوم على التكثيف النفسي والحوار المتصاعد أكثر من اعتماده على الحدث الخارجي.
العمل لا يقدم حكاية شخصية فحسب، بل يذهب نحو مساءلة جيل كامل من الفنانين والمثقفين السوريين، الذين وجدوا أنفسهم أمام تحولات قاسية فرضتها الحرب والمنفى وتبدل القيم الفنية والاجتماعية.
مواجهة مؤجلةتدور أحداث المسرحية حول لقاء بين مخرج مسرحي وممثلة جمعتهما سابقًا علاقة إنسانية وفنية، قبل أن تفرقهما التحولات التي عصفت بحياتيهما.
الممثلة تعود بعد سبع سنوات من الغربة، محملة بذكريات الوجع ورائحة الموت، فيما يظهر المخرج وقد ابتعد عن مشروعه الفني الأول، متحولًا من صاحب رؤية مسرحية إلى مجرد عامل داخل صناعة تلفزيونية استهلاكية.
وفي حديث إلى عنب بلدي، قال المخرج مأمون الخطيب، إن المسرحية تقوم أساسًا على فكرة “المواجهة المؤجلة”، موضحًا أن العمل يتجاوز الحكاية المباشرة ليصبح حوارًا مع الزمن نفسه، ومع التحولات التي أصابت الإنسان السوري خاصة والعربي عامة، وأثرت في علاقته بذاته وبالآخر.
وأضاف أن شخصيتي العرض تمثلان مسارين متناقضين للانكسار، مخرج تحول مساره من الشغف إلى الرضوخ والسطحية ومجاراة التيار الاستهلاكي في الفن، وممثلة تحول مسارها من إنسانية كاملة الحضور والموهبة إلى الإهمال والنكران.
المسرح بوصفه سؤالًا أخلاقيًالا تتعامل “حوار” مع الفن بوصفه مهنة فقط، بل باعتباره اختبارًا أخلاقيًا وإنسانيًا، فالشخصيتان لا تتبادلان العتاب بقدر ما تخوضان محاكمة متبادلة حول معنى النجاة، وما إذا كان الفنان قادرًا على الحفاظ على قناعاته وسط الانهيارات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
المخرج مأمون الخطيب يرى أن الرسالة الأساسية للعمل تتمثل في أن الحوار مهما بدا متعثرًا أو مستحيلًا، يبقى الوسيلة الوحيدة لفهم الذات ومصالحتها.
وأضاف أن العرض يحاول الإشارة إلى أن الحقيقة ليست امتلاك جواب نهائي، بل الجرأة على الإصغاء ومراجعة الذات والاعتراف بقوة الظرف الإنساني القاهر الذي يجبر الإنسان على تغيير مصيره ومساره.
ومن خلال هذا الطرح، يتحول العمل إلى تأمل في مصير الفنان السوري خلال السنوات الأخيرة، حيث دفعت ظروف الحرب والمنفى كثيرين إلى إعادة تشكيل علاقتهم بالفن، أو التخلي عن مشاريعهم السابقة لمصلحة خيارات أكثر ارتباطًا بالبقاء المادي.
الاشتغال على الصمتإخراجيًا، اعتمد مأمون الخطيب على ما وصفه بـ”الواقعية النفسية”، من خلال التركيز على الأداء الداخلي للممثلين، واستخدام الصمت والمسافة والفراغ بوصفها أدوات درامية أساسية.
وقال إن العرض اشتغل على الإيقاع النفسي أكثر من الحدث الخارجي، موضحًا أن الصمت والتردد والانقطاع في الجملة تحولت إلى عناصر تعبيرية رئيسة داخل العمل.
وأضاف أن “السينوغرافيا” بُنيت على “جمالية الخراب الحي”، بحيث يبدو المسرح وكأنه شاهد ثالث على المواجهة، يراقب الشخصيتين ويحاكمهما بصمته.
حضور سوري في مهرجان عربيحول المشاركة في مهرجان “دبا الحصن”، اعتبر الخطيب أن وجود المسرحية ضمن المهرجان “تقدير مهم” للتجربة السورية في المسرح الثنائي، مضيفًا أن الإقبال على العرض يعكس وجود جمهور عربي لا يزال مهتمًا بالمسرح الجاد والقضايا الإنسانية التي يطرحها.
وأشار إلى أن تقديم “حوار” في هذا السياق، يؤكد أن المسرح لا يزال قادرًا على خلق تواصل حقيقي بين تجارب مختلفة تنتمي إلى بيئات وثقافات متعددة.
Related


