حكايتنا مع السردية المبرمجة
عنب بلدي -

خطيب بدلة

تتطور الأمم، والشعوب، حينما تبدأ بنقد ماضيها، وحاضرها، ونظامها السياسي، والمؤسسات التي يتألف منها نظام الدولة، ونحن، ببساطة، لا نحب النقد. عفوًا، أعتقد أن عبارة “لا نحب النقد”، تقصر في التعبير عن حالتنا بدقة، الأصح أن أقول إننا نكره النقد، ونمنعه، ونحاربه.

قد يتبادر إلى ذهنك، يا صديقي، أنني أتحدث عن مؤسسات الدولة الرقابية، والقوانين العرفية الجائرة، والمعتقلات، والسجون، التي كانت تحرم النقد على أيام نظام الأسد. لا، فنظام الأسد انتهى، صار وراءنا، والإمعان في انتقاده، الآن، يصبح ضربًا من ضروب الطعن بجثة ميت، ما أردت قوله، إن شعبنا، مجتمعنا، برمته، يعادي النقد، ويحاربه، وإذا صادف الناس رجلًا تنويريًا، يصر على أن النقد هو الطريق الوحيد إلى التطور، سرعان ما يحولونه إلى دريئة، أو مرمى سهام، مثل حصان عنترة بن شداد، الذي كانت الرماح تتزاحم على صدره، لتقتله. ومن تجربتي، هنا، على صفحات “عنب بلدي”، أنني اضطررتُ، ذات يوم، لأن أتصل برئيس التحرير، وأطلب منه حذف إحدى مقالاتي، التي تحتوي نقدًا بسيطًا، موضوعيًا، منهجيًا، لبعض الأفكار الثابتة في عقول الناس، لأن التعليقات التي استهدفتني، شخصيًا، بسبب ذلك النقد، وصلت إلى أن أحدهم انتقد عنوان الزاوية “تعا تفرج”، وراح يتساءل: على شو بدنا نتفرج يا عنب بلدي؟ على خطيب بدلة!

الغضب الشعبي لا ينطلق، دائمًا، لمواجهة النقد، بل دفاعًا عن السرديات التي تبرمجت، وترسخت، وتكلست، خلال سنوات الثورة، ومنها أن كل ما فعله نظام الأسد سيئ، وأن شعبنا (كله) كان معاديًا لنظام الأسد، وكل ما صدر عن الإخوة الثوار، والمجاهدين، جميل، وطيب، وممتاز. وأنا، المعروف بمعارضتي القوية لنظام الأسد، خالفتُ هذه السرديات الثورية المقدسة، عندما قلت إن شعبية نظام الأسد، في محافظة إدلب، قبيل الثورة، كانت قوية، وواسعة، وكان لدينا فائض من البعثيين المتحمسين، حتى إن الكثير منهم، كانوا “كتاب تقارير”، وعلى الرغم من أني خضت تجربة الثورة، منذ انطلاقتها، على الأرض، وكنت أشارك في معظم المظاهرات السلمية، فقد غضبوا مني إذ كتبت إن قوات الأمن في مدينة إدلب، بعد عدة أشهر من انطلاقها، أصبحت لا تعترض طريق المظاهرات، إلا إذا اتجهت نحو المربع الأمني، وهو الشارع الممتد بين مبنى المحافظة، وصولًا إلى آخر شارع الجلاء، لأن فيه معظم الفروع الأمنية، وفرع الحزب، وتمثال حافظ الأسد.

إنني أتساءل، الآن، عن سر تمسك جماهيرنا بهذه السرديات، التي تبدو مخالفة للمنطق، وأتصور، وأنا أقرأ التعليقات الغاضبة على ما كتبته، في تلك المقالة: يا ترى، ماذا لو كان كاتبها مؤيدًا لنظام الأسد، وبعيدًا عن الثورة؟ وأجيب نفسي بأن لغة العقل، التي لا بد منها لإخراج بلادنا من هذا الجحيم، لا بد أن تظهر، وتكبر، وتتسع، لأن الغش، والتزوير، والاحتيال، والكذب، لا بد أن ينكشف، وتتضح خطورته على الناس، والبلاد، والمستقبل.

عندما أكتب، أو أتحدث من خلال قناة “اليوتيوب” الخاصة بي، لا أريد مكاسب مادية، أريد، بل أطمح، بكلمات طيبة، منصفة، مقابل جهودي.

Related

اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا

إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى



إقرأ المزيد