عنب بلدي - 5/31/2026 7:09:11 PM - GMT (+2 )
عنب بلدي – شعبان شاميه
مع انتهاء الامتحانات، تدخل الأسر السورية مرحلة تبدو مريحة ظاهريًا، لكنها في الحقيقة تحمل تحديات نفسية وتربوية معقدة.
فالطفل الذي عاش أشهرًا طويلة ضمن إيقاع صارم من الدراسة والالتزام والضغوط، يجد نفسه فجأة أمام وقت مفتوح، بينما يعيش الأهل بدورهم صراعًا بين الرغبة في تعويض أبنائهم عن تعب العام الدراسي وبين العجز عن توفير أنشطة صيفية مكلفة في ظل الظروف الاقتصادية المتدهورة.
وفي الوقت الذي ترتفع فيه رسوم النوادي الصيفية والدورات الترفيهية، تتزايد مخاوف الأهالي من الفراغ وإدمان الشاشات وفقدان الأطفال للروتين الصحي.
هل تكمن المشكلة الحقيقية في غياب النوادي؟ وهل المطلوب فعلًا ملء كل وقت الطفل بالنشاطات؟
“فخ” الترفيه الفوريالاستشارية النفسية الأسرية الدكتورة هبة كمال العرنوس، قالت في حديث إلى عنب بلدي، إن معظم الأهالي يعتقدون أن الضغط الدراسي ينتهي بانتهاء الامتحانات، لكن الدماغ العصبي للطفل لا ينتقل بهذه السرعة من حالة الاستنفار إلى الاسترخاء.
وأضافت أن الطفل خلال العام الدراسي يعيش ما يسمى في علم النفس “الاستجابة المزمنة للتوقع والتقييم”، أي أنه يبقى لفترات طويلة في حالة ترقب مستمر مرتبطة بالعلامات والمقارنة والخوف من الخطأ.
ولفتت إلى أن هذا النوع من الضغط لا يظهر دائمًا بشكل مباشر، بل قد ينعكس على شكل تهيج عصبي أو انسحاب اجتماعي أو تعلق مفرط بالشاشات بعد انتهاء الدراسة.
لذلك فإن أول ما يحتاج إليه الطفل في بداية العطلة ليس الترفيه المكثف، وفقًا للاستشارية، بل استعادة الإحساس بالتحكم الذاتي والهدوء الداخلي.
ومن الأخطاء الشائعة، بحسب العرنوس، أن ينقل الأهل الطفل مباشرة من ضغط المدرسة إلى ضغط آخر تحت عنوان “استثمار العطلة”، مشيرة إلى أن الطفل يحتاج أولًا إلى مرحلة تفريغ نفسي حقيقية قبل إدخاله في أي التزام جديد.
فاتورة الأنشطة الغائبةوعن انعكاسات غياب النوادي الصيفية على النمو النفسي والاجتماعي للطفل، أكدت الاستشارية أن التأثير لا يرتبط بغياب النادي نفسه، بل بطريقة إدراك الطفل لمكانته مقارنة بالآخرين.
وأوضحت أن الطفل لا يولد بشعور النقص الاجتماعي، بل يكتسبه من الرسائل المتكررة المحيطة به، فحين يسمع الطفل باستمرار عبارات مثل “نحن لا نستطيع” أو “غيرنا أفضل منا”، يبدأ بتكوين ما يسمى في علم النفس “الهوية المقارنة السلبية”، وهي حالة يبني فيها الطفل تقديره لذاته اعتمادًا على ما ينقصه لا على ما يملكه، بحسب العرنوس.
في المقابل، تشير الأبحاث الحديثة في علم النفس الأسري إلى أن جودة التفاعل العاطفي داخل المنزل تؤثر على الصحة النفسية للطفل أكثر بكثير من مستوى الإنفاق الترفيهي، معتبرة أن الطفل الذي يشعر بأنه مشارك ومسموع ومهم داخل أسرته يطور استقرارًا نفسيًا أعلى حتى في البيئات المحدودة ماديًا.
بدائل تربوية للنوادي الصيفيةالمشكلة، وفق ما ذكرته الاستشارية النفسية الأسرية، أن كثيرًا من الأهالي يخلطون بين “إشغال الطفل” و”تنمية الطفل”، مشددة على أن ليس المطلوب قتل الوقت فقط، بل خلق خبرات تعزز النمو النفسي والعقلي.
وتحدثت العرنوس عن أنشطة منخفضة التكلفة لكنها عالية القيمة على المستوى العصبي والنفسي، أبرزها: الألعاب الجماعية الحرة، المهارات اليدوية، القراءة التفاعلية، الحوار الأسري، الأنشطة الحركية اليومية، المشاركة في مسؤوليات المنزل، الأعمال التطوعية الصغيرة.
هذه الأنشطة، بحسب الاستشارية، تحفز ما يسمى “الشعور بالكفاءة الذاتية”، وهو أحد أهم العوامل التي تبني ثقة الطفل بنفسه، فعندما ينجح الطفل في تحضير وجبة بسيطة أو زراعة نبتة أو تنظيم مساحة خاصة به، يبدأ الدماغ بتكوين ارتباط داخلي بين الجهد والقدرة والإنجاز، وهذه العملية أكثر أهمية لنمو الشخصية من الترفيه الاستهلاكي السريع.
الملل المعتدل يصنع طفلًا مبادرًا ومنظمًاترى العرنوس أن الملل مرحلة انتقالية مهمة لنمو دماغ الطفل وليس مشكلة نفسية، إذ يحفز غياب المؤثرات الخارجية مناطق التخيل والتخطيط والإبداع.
وأشارت إلى ارتباط تحمل الفراغ بتطور الوظائف التنفيذية، كالمبادرة وحل المشكلات والتنظيم الذاتي والمرونة المعرفية، محذرة من أن الترفيه الفوري عبر الشاشات يفقد الطفل قدرته على توليد الاهتمام الداخلي.
ودعت الاستشارية الأهالي إلى عدم الخوف من الملل المعتدل، واعتباره فرصة لتطوير استقلالية الطفل النفسية.
ضغوط صامتة تلاحق أطفال الموظفينأشارت العرنوس إلى حالات خاصة كأبناء الموظفين الذين يتعرضون لما يُعرف بـ”الاستنزاف العصبي منخفض الشدة”، بسبب ضغوط التنقل الطويل خلال العام الدراسي.
وأوضحت أن هذا يستوجب استغلال العطلة لإعادة تنظيم الإيقاع العصبي للطفل، عبر تقليل الاستعجال داخل المنزل وزيادة لحظات التفاعل الهادئ والأنشطة الحسية الطبيعية، مثل المشي واللعب الحركي والجلوس العائلي.
الأنشطة ومعايير التوافقتقع شريحة واسعة من الأهالي في فخ اختزال الأنشطة الصيفية للطفل في إطار “التسلية البحتة”، وهو مفهوم تخطئه الاستشارية النفسية الأسرية، مؤكدة ضرورة تصميمها وفق احتياجات نفسية وعصبية ترتبط بكل مرحلة عمرية.
وتستند العرنوس في تحليلها إلى علم النفس التنموي الذي يرتكز على “سلم الاحتياجات”، إذ يتطلب نمو الدماغ والشخصية بشكل متوازن تزويد الطفل بخبرات تناسب عمره.
ففي الوقت الذي يحتاج فيه الطفل الصغير إلى الأمان الحسي والعاطفي كأولوية تسبق المهارات الأكاديمية، يبحث الطفل الأكبر سنًا عن الاستقلالية، والانتماء الاجتماعي، والشعور بالكفاءة.
وخلصت الاستشارية إلى أن نجاح النشاط الصيفي لا يُقاس بتكلفته المالية، بل بمدى توافقه مع المرحلة النمائية للطفل.
بدائل التلقين للطفولة المبكرةوزعت الاستشارية متطلبات الأطفال بحسب الفئات العمرية، مشيرة إلى أن الفئة من ثلاث إلى خمس سنوات تحتاج بالدرجة الأولى إلى الأمان الحسي والعاطفي واكتشاف العالم المحيط.
وأوضحت العرنوس أن الدماغ في هذه المرحلة يكون في ذروة نموه العصبي الحسي، مما يجعل الطفل بحاجة ماسة إلى الحركة والتجريب والتفاعل المباشر، بعيدًا عن أساليب التلقين الجافة.
ولتلبية هذه الاحتياجات، اقترحت الاستشارية حزمة أنشطة منزلية بسيطة، مثل اللعب بالماء والرمل والطين، وتركيب المكعبات، والرسم الحر، إلى جانب الاستماع للقصص التفاعلية، وممارسة الألعاب الحركية والإيقاعية، والمشاركة الرمزية في بعض المهام المنزلية الخفيفة.
أنشطة “سن الكفاءة والإنجاز”في المقابل، تنتقل دفة الاحتياجات النفسية لدى الأطفال في الفئة العمرية ما بين ست وتسع سنوات نحو “الشعور بالكفاءة والإنجاز”، وهي المرحلة التي يبدأ فيها الطفل بتشكيل صورته الذاتية وتقييم قدراته الخاصة، مما يجعله شديد الحساسية تجاه مفاهيم النجاح والفشل والمقارنة مع الأقران.
وترى العرنوس أن الأنشطة المثالية لهذه المرحلة يجب أن تحفز مهارات التفكير وبناء الشخصية، مثل تعلم الحرف اليدوية البسيطة، والانخراط في الرياضات الجماعية، وألعاب حل المشكلات.
كما تشمل القائمة خيارات تفاعلية منخفضة التكلفة كالزراعة المنزلية، والطهو البسيط، والمسرح والتمثيل، بالإضافة إلى القراءة القصصية والرحلات الاستكشافية القصيرة.
الاستقلال واكتشاف الهويةأما اليافعون في الفئة العمرية الممتدة بين 10 و12 عامًا، فيدخلون نفقًا من التحولات النفسية والعصبية بالغة الأهمية.
ففي هذه المرحلة الانتقالية، يتضاعف وعي اليافع بذاته، ويصبح أكثر حساسية وتأثرًا بنظرة الآخرين وتقييمهم له.
وبناء على هذا التحول البنيوي، تتبدل بوصلة الاحتياجات الأساسية لديه لتتمحور بشكل وثيق حول البحث عن الاستقلالية، واكتشاف معالم الهوية الشخصية المستقلة بعيدًا عن الوصاية الأبوية التقليدية.
وحذرت الاستشارية من التعامل معهم بمنطق “تلقي الأوامر” لأنه يحفز التمرد السلبي.
كما تستلزم هذه المرحلة أنشطة محفزة للمسؤولية، تتجاوز أبعاد الترفيه المجرد، مثل: التصوير والرسم المتقدم، الرياضات المنتظمة، الأعمال التطوعية والكشفية، المشاريع الجماعية التي تطور الذكاء الاجتماعي وتنظم الانفعالات.
أنشطة تصقل مهارات المراهقين الحياتيةفي مرحلة المراهقة (بين 13 و17 عامًا)، تتخذ الاحتياجات النفسية بُعدًا أكثر عمقًا، لتتمحور حول “المعنى” و”الانتماء” و”بناء الذات”، إذ يتجاوز المراهق في هذه السن فكرة الترفيه السطحي، ويبحث عن الشعور بالقيمة والاعتراف الاجتماعي بوجوده وقدراته.
وترى العرنوس أن هذه الفئة تحتاج إلى أنشطة تدمجهم بالمجتمع وتصقل مهاراتهم الحياتية، مثل التطوع المجتمعي، والتدريب المهني البسيط، وتعلم المهارات الرقمية المفيدة والرياضة المنتظمة.
كما تشمل الخيارات الفعالة إشراكهم في المبادرات الشبابية، والقراءة الحوارية، وتدريبهم على إدارة الوقت والمال، بالإضافة إلى تفريغ طاقاتهم عبر الأنشطة الفنية والإبداعية، ونوادي الثقافة والمناظرات.
وختمت الاستشارية حديثها بتوجيه رسالة تحذيرية للأهالي من خطورة “جدولة حياة الطفل” بشكل مفرط وملء فراغه بالأنشطة المستمرة، ما يؤدي إلى حرمانه من أهم مهارة نفسية وهي القدرة على تنظيم نفسه ذاتيًا.
Related
إقرأ المزيد


