في رواية “السوريون الأعداء” للروائي السوري فواز حداد، تتحول الحكاية إلى قراءة طويلة للتشقق الذي أصاب المجتمع السوري خلال العقود الأخيرة، حيث لا يركز النص على الحرب بوصفها حدثًا عسكريًا، وإنما على الكيفية التي يتحول فيها الناس تدريجيًا إلى خصوم داخل البلد الواحد.
تدور الرواية في مناخ سياسي يبدأ من سنوات الثمانينيات، وتحديدًا مع أحداث مدينة حماة عام 1982، وهي المرحلة التي تظهر بوصفها نقطة كسر داخل المجتمع السوري.
وتتابع الرواية مصاير مجموعة من الشخصيات التي تنتمي إلى بيئات اجتماعية مختلفة، لكنها تجد نفسها عالقة داخل بلد يعيد إنتاج العداوة بين أبنائه.
الرواية تقدم قراءة طويلة في بنية النظام الأمني السوري، وكيف أعاد تشكيل المجتمع والخوف خلال عقود حكم حافظ الأسد ثم بشار الأسد.
كما تصف شخصيات تتحرك داخل أجهزة الأمن والسجون والمدن المدمرة، في محاولة لفهم كيف تتحول البلاد تدريجيًا إلى مساحة تحكمها المخابرات وعبادة الفرد.
تبدأ الأحداث مع شخصية “سليمان”، الطالب الذي يدخل عالم السلطة من بوابة الوشاية بخاله، في إشارة تلمح إلى أحد رجال السلطة البارزين داخل النظام.
ورغم حصوله على معدل متدنٍ في “البكالوريا”، يدخل كلية الهندسة بصفة “ابن شهيد”، قبل أن ينتقل إلى الكلية العسكرية ويصبح ضابطًا أمنيًا، لتبدأ رحلته داخل جهاز المخابرات.
ومع تصاعد الأحداث، تنتقل الرواية إلى مجزرة حماة عام 1982، التي تشكل واحدة من المحطات الأساسية في النص، ويظهر حضور السلطة في الرواية بوصفه قوة تتحكم بالمجتمع عبر الأجهزة الأمنية والخوف الجماعي، لا من خلال العنف المباشر فقط، وإنما عبر خلق حالة دائمة من الشك بين الناس، بحيث يتحول الخوف إلى جزء من الحياة اليومية.
وتعتمد الرواية على خط سردي واسع يمتد عبر سنوات طويلة، ما يجعلها أقرب إلى توثيق للتحولات الاجتماعية والنفسية التي عاشها السوريون، خصوصًا مع انتقال البلاد من مرحلة القمع السياسي الصامت إلى الانفجار والانقسام الداخلي.
ومن خلال أحداث الرواية، يتتبع حداد كيف تحولت صورة حافظ الأسد إلى مركز للحياة العامة، عبر التماثيل والشعارات والخطب ووسائل الإعلام وحتى المناهج الدراسية، حتى تصبح سوريا، كما تقول الرواية، مختصرة باسم الحاكم.
في القسم الأخير، تنتقل الأحداث إلى السنوات الأولى من الثورة السورية عام 2011، حيث تتابع الرواية اجتماعات الأجهزة الأمنية، وطريقة تعاملها مع الاحتجاجات منذ مظاهرة سوق “الحريقة” حتى انطلاق المظاهرات من الجامع “الأموي” ودرعا.
وتظهر شخصيات النظام وهي ترى أن أي تنازل سياسي يعني سقوط السلطة بالكامل، لذلك تتجه نحو الحل الأمني والتجييش الطائفي وتصعيد العنف.
من فواز حداد؟يعد فواز حداد واحدًا من أبرز الروائيين السوريين الذين اشتغلوا على الرواية السياسية والاجتماعية، وتركزت أعماله على تفكيك بنية السلطة والاستبداد وتحولات المجتمع السوري. ولد في دمشق عام 1947، ودرس الحقوق قبل أن يتجه إلى الكتابة الروائية.
عُرف حداد بأعمال تناولت العلاقة بين السلطة والمجتمع، ومن أبرز رواياته “المترجم الخائن”، و”جنود الله”، إلى جانب “السوريون الأعداء”، حيث اعتمد في معظم أعماله على المزج بين السرد السياسي والتحليل الاجتماعي، مع اهتمام واضح بتأثير الأنظمة الشمولية على الإنسان والعلاقات اليومية.
Related


