حين يُشترى الكرز بالحبة.. الغلاء يطرد الفاكهة من بيوت دمشق
عنب بلدي -

تشهد أسواق مدينة دمشق منذ بدء عيد الأضحى وحتى اليوم، ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار الفواكه الصيفية والتي تعتبر في بداية موسمها، ما حدّ من قدرة الأهالي على شرائها وحوّلها من مادة أساسية على موائد الكثير من العائلات، إلى سلعة ترفيهية لا تُشترى إلا بكميات محدودة جدًا.

ويأتي هذا الارتفاع وسط استمرار الضغوط المعيشية التي تواجهها الأسر السورية، مع بقاء الرواتب والدخول عند مستويات لا تتناسب مع أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية.

أسعار مرتفعة في أسواق دمشق

في جولة أجرتها عنب بلدي على عدد من أسواق دمشق، تضمنت أسواق دويلعة والصناعة والميدان والشعلان والبرامكة، الأحد 31 من أيار، تفاوتت أسعار الفواكه بحسب النوع والمكان.

ويبلغ سعر كيلو الكرز بين 40 و60 ألف ليرة سورية، أما قبل العيد فكان يتراوح بين 35 و50 ألف ليرة سورية، فيما تراوح سعر كيلو الجارنك بين 35 و40 ألف ليرة سورية، والذي كان يباع بين 30 و40 ألف ليرة سورية (عادة تنخفض الأسعار تدريجيًا بعد أيام على بدء الموسم).

أما صنفا الدراق والخوخ، يسجل سعر الكيلو منهما بين 30 و50 ألف ليرة سورية، بعدما كان يباع الكيلو منهما بين 20 و40 ألفًا.

بينما يتراوح سعر المشمش بين 20 و40 ألف ليرة سورية للكيلو للواحد، بعدما كان الكيلو يباع بحوالي 20 و30 ألف ليرة سورية.

أما الموز فيبلغ سعر الكيلو منه نحو 15 ألف ليرة سورية، وكان يباع بحوالي 10 و12 ألف ليرة سورية، في حين يتراوح سعر كيلو من الفريز والتوت بين 15 و35 ألفًا، بينما كان يباع بين 12 و 25 ألف ليرة سورية.

شراء بالحبة

أبدى عدد من الأهالي استياءهم من أسعار الفواكه الحالية، مؤكدين أن معظم الأصناف أصبحت خارج قدرتهم الشرائية، ما دفعهم إلى تقليص الكميات أو شراء بعض الأنواع بالحبة فقط.

محمد الشعار، رب أسرة من سكان دمشق، قال لعنب بلدي إن الفواكه كانت في السابق من أساسيات المنزل خلال موسمها، أما اليوم فأصبحت تُشترى بكميات رمزية لإرضاء الأطفال فقط.

وأضاف أن سعر كيلو الكرز أو الدراق يعادل جزءًا كبيرًا من مصروف الأسرة اليومي، ما يجبره على شراء عدة حبات بدلًا من كيلو كامل، وذلك ليتذوقها الأولاد ولو مرة سنويًا.

من جانبها، قالت نيرمين ضيفو، من أهالي مدينة دمشق، إن أبناءها يطلبون الفواكه الموسمية خاصة الصيفية، لكنها لم تعد قادرة على شرائها كما في السنوات السابقة، مضيفة أن بعض العائلات باتت تكتفي بشراء “حبتين أو ثلاث حبات” من الأصناف المرتفعة الثمن.

وأكدت أن الأولوية أصبحت للمواد الأساسية كالخبز والخضار والاحتياجات المنزلية، بينما تراجعت الفواكه إلى مراتب متأخرة ضمن قائمة المشتريات.

إقبال خجول جدًا.. والغلاء ازداد مع العيد

لم يبدِ باعة الفواكه ارتياحهم للأسعار الحالية، مؤكدين أن الغلاء انعكس سلبًا على حركة البيع، رغم دخول أصناف موسمية يزداد الطلب عليها عادة في مثل هذا الوقت من العام.

أبو علي المنجداني، أحد باعة الفواكه في دمشق، قال لعنب بلدي إن أسعار أصناف الفواكه منذ طرحها بالأسواق كانت مرتفعة، لكن ازدادت بنسبة متفاوتة مع بدء دخول عيد الأضحى، ومازالت مرتفعة بعد انتهائه.

ويصف الإقبال على الشراء بأنه “خجول جدًا” مقارنة بالأعوام السابقة، موضحًا أن كثيرًا من الزبائن يكتفون بالسؤال عن الأسعار ثم يغادرون دون شراء.

وأضاف أن بعض الزبائن يشترون الدراق أو المشمش بالحبة، بينما الكرز والجارنك يشترونه بكميات لا تتجاوز ربع كيلو، بعد أن كانوا يشترون عدة كيلوغرامات خلال الموسم.

ويرى أن ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل وأجور العمالة، والغلاء الذي يصيب كل السلع، انعكس مباشرة على الأسعار، الأمر الذي أضعف حركة السوق وأثر على أرباح الباعة.

يوافقه الرأي بائع آخر في سوق شعبي بدمشق يدعى غسان صالحاني، مؤكدًا أن حركة البيع تراجعت بشكل واضح هذا الموسم، وأن ارتفاع الأسعار لا يخدم البائع كما يعتقد البعض، لأن ضعف الإقبال يقلل من حجم المبيعات اليومية.

وأضاف أن معظم الزبائن باتوا يقتصدون في شراء الفواكه، فيما يفضل آخرون الاستغناء عنها بالكامل، ما جعل الموسم الحالي أقل نشاطًا من المواسم السابقة.

ارتفاع تكاليف الإنتاج.. خاصة المحروقات

بدوره، قال أمين سر جمعية حماية المستهلك في دمشق، عبد الرزاق حبزة، إن الارتفاع الحالي في أسعار الفواكه يعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، يأتي في مقدمتها بداية الموسم الزراعي، حيث تكون أسعار المنتجات الموسمية مرتفعة بطبيعتها خلال الأسابيع الأولى من طرحها في الأسواق.

وأوضح أن التقلبات الجوية التي شهدتها سوريا خلال الفترة الماضية، من رياح شديدة وتفاوت كبير في درجات الحرارة بين الارتفاع والانخفاض، أثرت سلبًا على حجم الإنتاج الزراعي والكميات المطروحة في الأسواق، ما أدى إلى تراجع المعروض وارتفاع الأسعار.

وذلك بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي، بما في ذلك أسعار المحروقات وأجور النقل والعمالة والأسمدة والمبيدات الزراعية، فضلًا عن زيادة تكاليف الري نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة.

وأكد أمين سر الجمعية أن بعض المحافظات تعاني حاليًا من صعوبات في تأمين الكميات المطلوبة بسبب الظروف الجوية التي مرت بها، خاصة في المناطق الشمالية التي شهدت أمطارًا وبرودة غير معتادة خلال هذه الفترة من العام.

كما أن التغيرات المناخية أسهمت كذلك في زيادة الإصابات الحشرية للمحاصيل الزراعية، ما رفع من تكاليف المكافحة والإنتاج على المزارعين، وفقًا لحبزة، مؤكدًا أن هذه العوامل مجتمعة انعكست بشكل مباشر على أسعار الفواكه والخضار.

أسعار الفواكه يعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، منها: بداية الموسم الزراعي، حيث تكون أسعار المنتجات الموسمية مرتفعة، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي، بما في ذلك أسعار المحروقات وأجور النقل والعمالة والأسمدة والمبيدات الزراعية.

عبد الرزاق حبزة

أمين سر جمعية حماية المستهلك في دمشق

“حماية المستهلك” حذرت من منع الاستيراد

قرارات منع استيراد بعض المنتجات الزراعية المحلية في بداية الموسم أسهمت أيضًا في حدوث نقص في بعض المواد المطروحة بالأسواق، بحسب تعبيره، لافتًا إلى أن الجمعية سبق أن حذرت من إصدار قرارات منع الاستيراد بشكل مسبق دون دراسة دقيقة لحجم الإنتاج الفعلي وحاجة السوق المحلية.

وأضاف أن بدء عمليات التصدير لبعض المنتجات الزراعية، بالتوازي مع منع الاستيراد، أدى إلى زيادة الضغوط على المعروض المحلي ورفع الأسعار بشكل إضافي.

ودعا إلى إعادة تقييم الكميات المتوافرة في الأسواق، واتخاذ قرارات مرنة بشأن الاستيراد والتصدير وفقًا للمعطيات الفعلية للإنتاج وحاجة السوق، بدلًا من الاعتماد على قرارات مسبقة لا تستند إلى دراسات ميدانية دقيقة.

غلاء حلويات العيد دفع للفواكه

وحول زيادة أسعار الفواكه خلال فترة عيد الأضحى، أوضح أن ارتفاع أسعار الحلويات دفع العديد من الأسر إلى التوجه نحو شراء الفواكه كبديل، ما أدى إلى زيادة الطلب مقارنة بحجم العرض المتاح، وأسهم في استمرار ارتفاع الأسعار.

وشدد على ضرورة وضع خطة منهجية لدعم القطاع الزراعي، تشمل توفير الأسمدة والمبيدات والمحروقات ووسائل النقل والعبوات بأسعار مناسبة، إلى جانب ضمان وصول الدعم إلى المزارعين المستحقين بشكل عادل وشفاف.

وختم بالقول إن استمرار ارتفاع تكاليف الإنتاج من دون تقديم الدعم الكافي للمزارعين سيؤدي إلى تراجع قدرتهم على الاستمرار في الإنتاج، ما ينعكس سلبًا على وفرة المنتجات الزراعية وأسعارها في الأسواق.

مرآة عاكسة لاختلالات الاقتصاد السوري

بدوره، الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي في جامعة “حماة”، الدكتور عبد الرحمن محمد، يرى أن الاقتصاد السوري يعيش منذ سنوات أزمة مركبة تجلت في تآكل القيمة الشرائية للعملة المحلية، وانهيار البنى التحتية، وتراجع الإنتاج المحلي.

وفي ظل هذا الوضع، يشكل قطاع الزراعة وخاصة الفواكه مرآة عاكسة لاختلالات أكبر، فما يشهده المواطن السوري من قفزة غير مسبوقة في أسعار الفواكه بدءًا من موسم عيد الفطر ومرورًا بعيد الأضحى وحتى اليوم، ومنها سعر الكرز 50 ألف ليرة والدراق 35 ألفًا، ليس ظاهرة موسمية عابرة، بل “مؤشر خطير” على تعقيد دوائر العرض والطلب في بيئة نقدية متدهورة.

عوامل الغلاء

ويرجح في حديثه مع عنب بلدي، أن الغلاء ناتج عن تداخل عوامل هيكلية وموسمية:

  • تدهور سعر الصرف: انعكاس مباشر لارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية، إذ يتم استيراد مدخلات الإنتاج (الأسمدة، والمبيدات، والآليات، ووقود الري) إما مباشرة بالدولار أو بأسعار محلية مرتبطة به.
  • تكاليف الإنتاج والنقل: ارتفاع أسعار المازوت والبنزين بشكل جنوني، مما رفع كلفة نقل الفواكه من الريف إلى المدن، وكلفة تشغيل مضخات الري والصوبات البلاستيكية.
  • ضعف الإنتاج المحلي: بسبب الحرب، وهجرة اليد العاملة الزراعية، وتدمير آلاف الهكتارات من البساتين، وتفتت الأراضي الزراعية، ناهيك عن شحة المياه وتآكل شبكات الري.
  • التضخم النقدي: تضاعف الكتلة النقدية بسبب طباعة النقود دون غطاء إنتاجي، مما زاد من كمية النقود المتداولة مقابل سلع نادرة، فانتقل الأثر مباشرة للأسعار.
  •  سلوكيات المضاربة: بعض التجار يخزن الفواكه في بداية الموسم (خاصة المشمش والكرز) ويطرحها تدريجيًا بمضاعفات سعرية، مستغلين انعدام الشفافية في الأسواق.
  •  السياسات التصديرية: تلعب دورًا محوريًا في غلاء الإنتاج المحلي، إذ سمحت الحكومة سابقًا بتصدير بعض أصناف الفواكه المبكرة (كرز، مشمش) إلى الأسواق الخليجية والأردن ولبنان للحصول على القطع الأجنبي، هذا التصدير يحدث بينما الإنتاج المحلي شحيح، فيُحدث شحًا في السوق الداخلية ويرفع الأسعار لمصلحة المصدر والمزارع الكبير، على حساب المواطن العادي.
  •  دعم المزارعين: فعليًا تراجع الدعم بشدة،  والدعم المتبقي (مثل بعض الأسمدة المدعومة) لا يصل غالبًا لصغار المزارعين بسبب الفساد والوساطات، كما أن دعم المحروقات للمعدات الزراعية غير كافٍ ويُصرف بطرق بيروقراطية معقدة، بالتالي، غياب الدعم الحقيقي يرفع التكاليف وينعكس على السعر.
  • انقطاع الكهرباء: الذي أجبر المزارعين على الاعتماد على المولدات الخاصة بالديزل، بالإضافة لانهيار الطرق الريفية الداخلية، وغياب هيئات تنظيم السوق، كلها عوامل فاقمت الغلاء.

وفيما يتعلق بإقبال الأهالي الخجول لشراء أصناف الفواكه الموسمية، يعتبر الدكتور عبد الرحمن محمد، أن الإقبال ضعيف جدًا بالنسبة للسكان ذوي الدخل المحدود، ومتوسط إلى مرتفع نسبيًا عند شريحة الميسورين والمغتربين (الذين يحولون بالدولار).

ويفسر أن ظاهرة الشراء بالجرام لفاكهة الكرز مثلًا أصبحت واقعًا، حيث يشتري المواطن العادي 100-200 غرام فقط كرفاهية عابرة.

وأكد أن الأسعار غير منطقية اقتصاديًا مقارنة بمتوسط الدخل (الذي لا يتجاوز بضعة ملايين ليرة لمعظم السوريين).

أما اقتصاديًا، السعر أعلى بكثير من السعر التوازني لو كانت الأسواق تنافسية سليمة وحرة، وفق تعبيره، مفسرًا أن الأسعار تعكس فشلًا سوقيًا وتدخلات مشوهة، وليس ندرة حقيقية متوازنة مع دخل حقيقي.

ما يشهده المواطن السوري من قفزة غير مسبوقة في أسعار الفواكه، “مؤشر خطير” على تعقيد دوائر العرض والطلب في بيئة نقدية متدهورة، و الأسعار تعكس فشلًا سوقيًا وتدخلات مشوهة.

عبد الرحمن محمد

خبير اقتصادي وأستاذ جامعي

معالجة سعر الصرف وسياسات التصدير أولى الحلول

واقترح الخبير الاقتصادي مجموعة حلول، لتفادي غلاء أصناف الفواكه في السوق المحلية، منها:

1. معالجة جذرية لسعر الصرف: لا يمكن خفض أسعار الفواكه دون كبح جماح تدهور الليرة السورية،  وهذا يتطلب وقف طباعة النقود غير المغطاة، ووضع خطة نقدية حقيقية (ولو عبر ترتيبات مع دول الجوار أو دول عربية).

2. مراجعة سياسة التصدير: إما بمنع تصدير الفواكه الأساسية في فترات الشح، أو فرض رسوم تصديرية عالية جدًا بحيث تجعل التصدير غير مجدٍ ماليًا، واستخدام حصيلتها لاستيراد فواكه بديلة أو لدعم المزارع المحلي مباشرة.

3. دعم ذكي للمزارعين: صرف الأسمدة والمازوت والكهرباء عبر بطاقة ذكية مسجلة باسم المزارع الصغير، وربط الدعم بكمية الإنتاج المسوقة في الأسواق المحلية أولاً قبل التصدير.

4. تفعيل المؤسسة السورية لدعم الأسواق وتنظيمها: الشراء المباشر من المزارعين عند بداية الموسم وتخزين الفائض، ثم ضخه تباعًا لمواجهة المضاربات، مع تسعير عادل يضمن هامش ربح معقول دون جشع.

5. تشجيع الزراعات البديلة والمتفرقة: في الأرياف الآمنة نسبيًا، تقديم قروض ميسرة للري الحديث بالطاقة الشمسية (للتخلص من كابوس المازوت)، وتحسين الطرق الريفية لجعل سلسلة الإمداد أقل كلفة.

انطباعات اقتصادية

الدكتور عبد الرحمن محمد، اختتم حديثه بتقديمه عدة انطباعات اقتصادية تمحورت من خلال الغلاء الذي تشهده أصناف الفواكه الموسمية حاليًا في الأسواق، وهي:

  •  غلاء الفواكه في سوريا اليوم ليس ظاهرة موسمية عابرة، بل خلاصة تراكمية لسياسات اقتصادية خاطئة (طباعة النقود دون إنتاج، والتصدير العشوائي في ظل الشح)، وهيكل إنتاجي متهاوي (تدمير البنى التحتية، وهجرة المزارعين)، وتداعيات نقدية قاتلة (تآكل العملة).
  • سعر كيلو الكرز بـ50 ألف ليرة، يرمز إلى أكثر من مجرد فاكهة، إنه مقياس لمدى انفصال الأسعار عن القدرات الشرائية الحقيقية للسوريين.
  • من غير الواقعي انتظار هبوط الأسعار دون معالجة مسبباتها الجذرية: استقرار نقدي، وسياسة تصدير رشيدة، ودعم حقيقي يصل إلى البستان وليس إلى جيوب الوسطاء.
  •  من دون هذه الإصلاحات، سيظل شراء ثمرة مشمش أو دراق ترفًا لا يستطيع تحمله إلا القلة، وسيبقى الاقتصاد السوري أسير دوائر الغلاء والتضخم التي لا تنتهي.
  • الحلول الاسمية دون تغيير جوهري في السياسات الاقتصادية الكلية، هي مجرد مسكنات مؤقتة لجسم منهك بالمرض المزمن.

Related



إقرأ المزيد