عنب بلدي - 6/1/2026 11:21:09 AM - GMT (+2 )
بدأت محكمة في العاصمة النمساوية فيينا، اليوم الاثنين، محاكمة مسؤولَين سابقَين في أجهزة النظام السوري السابق، يواجهان اتهامات تتعلق بتعذيب معارضين وارتكاب انتهاكات بحق مدنيين خلال السنوات الأولى من النزاع السوري.
وتعد هذه القضية من أبرز الملفات القضائية المرتبطة بالانتهاكات المرتكبة في سوريا التي تنظر فيها المحاكم الأوروبية.
وقال الادعاء العام في فيينا، في بيان، إن المتهمَين، وهما عميد سابق في جهاز المخابرات السورية ورئيس سابق لمكتب التحقيق الجنائي المحلي برتبة مقدم، متهمان بـ”إصدار أوامر بإساءة معاملة أفراد من الحركة الاحتجاجية أو الامتناع عن الاعتراض على تلك الممارسات في عدة مناسبات”.
وتتعلق التهم بأفعال يُشتبه بارتكابها بحق مدنيين احتُجزوا في محافظة الرقة بين عامَي 2011 و2013، خلال حملة القمع التي استهدفت الاحتجاجات المناهضة لرئيس النظام السوري السابق بشار الأسد.
ولم يكشف الادعاء العام النمساوي عن اسمَي المتهمَين التزامًا بالإجراءات القضائية المتبعة قبل صدور الأحكام، إلا أن وسائل إعلام نمساوية ذكرت أن أحدهما هو العميد السابق في المخابرات السورية خالد الحلبي، فيما أشارت وكالة الأنباء النمساوية إلى أنه موقوف احتياطيًا منذ أواخر عام 2024.
وكانت صحيفة “نيويورك تايمز” قد نشرت في تشرين الثاني 2025 اسم الحلبي، كما ذكرت أن شريكه في القضية هو المقدم السابق مصعب أبو ركبة، استنادًا إلى تصريحات محاميه.
اتهامات تتعلق بتعذيب 21 محتجزًابحسب بيان المدعين العامين، فإن 21 شخصًا احتُجزوا في السجون التابعة للنظام السوري السابق تعرضوا للتعذيب وسوء المعاملة ضمن حملة استهدفت الحركة الاحتجاجية المدنية التي اندلعت في سوريا عام 2011.
وأضاف الادعاء أن الانتهاكات المنسوبة إلى المتهمَين نُفذت بناءً على أوامر صادرة عن الحكومة المركزية وجهاز الأمن القومي السوري آنذاك، في إطار سياسة قمع واسعة طالت معارضين وناشطين ومدنيين.
ويواجه العميد السابق اتهامات تشمل التعذيب والإكراه المشدد والإكراه الجنسي والتسبب بأذى جسدي جسيم، وهي جرائم قد تصل عقوبتها إلى السجن عشر سنوات بموجب القانون النمسوي.
كما يواجه المقدم السابق تهمًا مشابهة تتعلق بالإكراه المشدد والإكراه الجنسي والتسبب بأضرار جسدية جسيمة، مع عقوبة قصوى مماثلة.
وجاء في لائحة الاتهام أن السلطات القضائية أسقطت تطبيق مدة التقادم المعتادة البالغة عشر سنوات، استنادًا إلى التزامات النمسا الدولية في ملاحقة الجرائم الخطيرة.
وأوضح المدعون أن اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يفرضان على السلطات القضائية اتخاذ الإجراءات اللازمة عند توافر أدلة كافية على ارتكاب هذه الجرائم.
جلسات تمتد حتى نهاية حزيرانانعقد اختصاص محكمة فيينا بالنظر في القضية لكون المتهمَين يقيمان في النمسا منذ سنوات، بعد حصولهما على حق الإقامة إثر تقدمهما بطلبَي لجوء عام 2015.
ومن المقرر أن تستمر جلسات المحاكمة على مدى 13 يومًا حتى 30 من حزيران الحالي، وسط توقعات بسماع شهادات عدد من الضحايا والشهود المقيمين في سوريا ودول أوروبية مختلفة.
ويعد هذا الملف من القضايا التي تحظى باهتمام منظمات حقوقية سورية ودولية تتابع مسار المحاسبة القضائية للمتورطين في الانتهاكات المرتكبة خلال النزاع السوري.
وعند توجيه الاتهام إلى خالد الحلبي سابقًا، اعتبره ناشطون وحقوقيون أعلى مسؤول أمني سوري سابق موجود في أوروبا يواجه اتهامات مباشرة مرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان.
مطالب بإضافة تهم جرائم ضد الإنسانيةمن جانبه، اعتبر المحامي السوري المقيم في ألمانيا أنور البني أن المحاكمة تمثل خطوة مهمة في مسار العدالة، لكنه أبدى استغرابه من عدم توجيه تهم تتعلق بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
وقال البني، الذي سبق أن أمضى سنوات في السجون السورية، إن القضية تحمل أهمية خاصة بالنظر إلى مستوى المسؤولية التي كان يشغلها أحد المتهمين داخل المؤسسة الأمنية السورية.
وتأتي هذه المحاكمة ضمن سلسلة إجراءات قضائية أوروبية تعتمد مبدأ الولاية القضائية العالمية، الذي يتيح للمحاكم الوطنية ملاحقة مرتكبي بعض الجرائم الدولية الخطيرة حتى وإن ارتُكبت خارج أراضي الدولة المعنية.
وينص القانون النمسوي على إمكانية نظر المحاكم المحلية في جرائم معينة وقعت خارج البلاد عندما تتعلق بجرائم دولية أو انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
جدل سابق حول وصول الحلبي إلى النمساأعادت المحاكمة تسليط الضوء على الجدل الذي أحاط بوصول خالد الحلبي إلى النمسا وإقامته فيها لسنوات.
وكان الادعاء النمساوي قد حقق سابقًا مع مسؤولين أمنيين نمسويين كبار للاشتباه في مساعدتهم الحلبي على الحصول على الحماية داخل البلاد، إلا أن القضاء برأهم عام 2023 استنادًا إلى عدم كفاية الأدلة.
ووفق ما أوردته السلطات القضائية ووسائل إعلام نمسوية، فإن التحقيقات تناولت اتفاقًا يُعتقد أنه أُبرم في أيار 2015 لتسهيل نقل الحلبي إلى النمسا.
كما أشارت تقارير إعلامية إلى وجود دور محتمل لجهاز الاستخبارات الإسرائيلي “الموساد” في عملية إخراجه من فرنسا ونقله إلى الأراضي النمسوية.
وفي عام 2016، أبلغت لجنة العدالة والمساءلة الدولية، وهي جهة تعمل على جمع الأدلة المتعلقة بجرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة، السلطات النمسوية بالمزاعم المرتبطة بدور الحلبي في عمليات تعذيب وانتهاكات خلال عمله الأمني في سوريا.
وقالت تاتيانا أوردانيتا فيتيك، المحامية في المركز الدولي لتطبيق حقوق الإنسان، التي تمثل 18 من أصل 21 ضحية مفترضًا في القضية، إن المحاكمة تحمل أهمية خاصة لتأكيد أن النمسا لا ينبغي أن تتحول إلى ملاذ آمن للأشخاص المتهمين بارتكاب جرائم حرب أو انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
محاكمات سابقةتأتي المحاكمة في إطار اتساع الملاحقات القضائية المرتبطة بالانتهاكات المرتكبة في سوريا منذ عام 2011. ففي أواخر نيسان الماضي، وجّه القضاء الفرنسي تهمة التواطؤ في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية إلى سوري مقيم في فرنسا على خلفية أفعال يُشتبه بارتكابه لها خلال خدمته ضمن قوات النظام السابق.
كما أصدر القضاء الفرنسي سابقًا مذكرات توقيف دولية بحق بشار الأسد تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بينها هجمات كيميائية وقصف مناطق مدنية.
وشهدت بريطانيا خلال آذار الماضي أول محاكمة من نوعها لضابط سابق في المخابرات الجوية السورية بتهم مرتبطة بجرائم ضد الإنسانية، بينما أصدرت محكمة أمريكية حكمًا غيابيًا حمّلت فيه النظام السوري السابق مسؤولية اختطاف وتعذيب وقتل الطبيب السوري الأمريكي مجد كم الماز، في مؤشرات تعكس تنامي مسارات المحاسبة القضائية خارج سوريا رغم تعثر الآليات الدولية التقليدية.
Related
إقرأ المزيد


