تُسارع سوريا لإعادة تمكين قطاع النقل عبر سلسلة من الاتفاقيات وبحث التعاون مع أطراف عربية ودولية، في إطار مساعٍ لتحويل البلاد إلى حلقة وصل بين الخليج العربي وأوروبا عبر أراضيها، إلا أن الواقع يفرض مشهدًا تنافسيًا متسارعًا في قطاع النقل الإقليمي، تتزاحم فيه ممرات دولية بديلة وعملاقة كـ”طريق التنمية” العراقي- التركي و”طريق التوابل”.
وبينما يمنح الموقع الجغرافي السوري ميزات تنافسية تتعلق باختصار المسافات وتعدد المواني على البحر المتوسط، يبقى رهان تحويل رأس المال الاستراتيجي هذا إلى تدفقات مالية وفعلية مشروطًا بإعادة تأهيل البنية التحتية، وتثبيت الاستقرار الأمني المستدام، وإعادة بناء الثقة مع الشركاء الإقليميين والمستثمرين.
موقع بين ثلاث قاراتالخبير الاقتصادي محمود عبد الكريم، قال لعنب بلدي، إن الموقع الجغرافي لسوريا هو رأس مال استراتيجي نادر في المنطقة، فهي تقع في قلب المثلث الذي يربط ثلاث قارات، إذ تتشارك حدودها مع تركيا شمالًا، والعراق شرقًا، والأردن جنوبًا، ولبنان وإسرائيل غربًا، فضلاً عن واجهة بحرية على المتوسط تضم ثلاثة موانٍ رئيسة هي طرطوس واللاذقية وبانياس، هذا التموضع يجعل من سوريا، من الناحية النظرية، المفصل الوحيد الذي يصل شبه الجزيرة العربية بأوروبا برًا، دون الحاجة إلى تجاوز طرق بحرية مكلفة أو ملاحة متذبذبة.
وذكر عبد الكريم، أن التطورات الميدانية الأخيرة، تؤكد أن الاهتمام الإقليمي بسوريا كممر عبور يتحوّل من التنظير إلى الفعل، مستعرضًا استئناف العراق تصدير النفط عبر الأراضي السورية عبر مرفأ بانياس، وإعلان وزير التجارة التركي أن التجارة العابرة عبر سوريا نحو دول الخليج باتت ممكنة.
وتابع أن المفوضية الأوروبية تدرس إعادة دمج سوريا في مشروع الممر الاقتصادي بين الهند وأوروبا عبر الشرق الأوسط “طريق التوابل”، وهو مشروع يستهدف ربط الهند بأوروبا عبر شبكة متكاملة من السكك الحديدية والمواني والطرق البرية.
فالموقع الجغرافي لسوريا يمنحها إمكانية نظرية استثنائية كمركز عبور إقليمي تتقاطع فيه خطوط الطاقة والتجارة بين الخليج وأوروبا وآسيا الوسطى، بحسب عبد الكريم، وتحويل هذه الإمكانية إلى إيرادات فعلية يظل رهنًا بثلاثة شروط موضوعية هي:
- إعادة تأهيل البنية التحتية للنقل التي تحتاج إلى تمويل ضخم وسنوات تشغيلية.
- استقرار أمني مستدام يطمئن شركات الشحن والخطوط اللوجستية الكبرى.
- إطار قانوني وتجاري يُعيد الثقة لدى المستثمرين والشركاء الإقليميين.
المشهد التنافسي الذي تواجهه سوريا في قطاع النقل الإقليمي متشعّب وحقيقي، ولا ينبغي التقليل منه، بحسب ما أوضح عبد الكريم.
ويرى أن هناك ثلاثة ممرات منافسة، أولها طريق التنمية العراقي- التركي، وهو مشروع بتكلفة تُقدَّر بـ17 مليار دولار يربط ميناء الفاو الكبير جنوبي العراق بالحدود التركية عبر شبكة متكاملة من الطرق والسكك الحديدية، وتتوقع الحكومة العراقية أن يدرّ عوائد سنوية تبلغ أربعة مليارات دولار، وأن يخلق مليون فرصة عمل عند اكتماله.
ثانيها الممر الاقتصادي بين الهند وأوروبا عبر الشرق الأوسط، المعروف بـ”طريق التوابل”، الذي أُطلق على هامش قمة مجموعة العشرين عام 2023، ويربط الهند بأوروبا عبر الإمارات والسعودية وإسرائيل والأردن، وتتراوح تكلفته بين ثمانية و20 مليار دولار، مع ميزة أن 70% منه خطوط بحرية لا تحتاج بنية تحتية برية ضخمة.
ثالثها مشروع السكة الحديدية الإماراتية- الإسرائيلية، والتي تُطوّر شركة “اتحاد ريل” الإماراتية معها ربطًا بمرافئ حيفا في إطار اتفاقيات “إبراهيم”، مما يُشكّل بديلًا غربيًا التوجه عن الممر الشمالي.
وأشار عبد الكريم إلى أن ما يمنح سوريا ميزة تنافسية محتملة على هذه الممرات، يدور حول ثلاثة محاور:
الأول هو المسافة والتكلفة، فالمسار السوري هو الأقصر فعليًا بين تركيا وشبه الجزيرة العربية، مقارنة بالمسار العراقي الذي يدور جغرافيًا نحو الشرق قبل أن يعود غربًا، ولهذا تداعيات مباشرة على كلفة الشحن والزمن اللوجستي.
الثاني هو تعدد المواني، إذ تتيح مواني طرطوس واللاذقية وبانياس خيارات تصدير متعددة نحو أوروبا والبحر المتوسط، دون الحاجة إلى قناة السويس أو ممرات الخليج، وهو ما بات له قيمة استراتيجية استثنائية في ضوء مخاطر مضيق هرمز الراهنة.
الثالث هو الحياد السياسي النسبي، فبينما يرتبط “طريق التوابل” بملف التطبيع الإسرائيلي الإقليمي المعلّق، وطريق التنمية بالحسابات التركية- العراقية المعقدة، يبدو الممر السوري حتى الآن خارج هذه الاشتراطات السياسية الثقيلة، وهو ما يمنحه قابلية أوسع للاستقطاب الإقليمي.
وختم حديثه بالقول، إن سوريا تمتلك اليوم أربعة من الشروط السبعة اللازمة لتحوّلها إلى مركز لوجستي فعّال، وهي: الموقع الجغرافي، والزخم الاستثماري الإقليمي، وانفتاح النافذة التشريعية، وعودة الربط المالي الدولي، لكنها لا تزال تفتقر إلى: اكتمال تأهيل البنية التحتية، والاستقرار الأمني الشامل، والتكامل السياسي الداخلي.
Related


