بحثًا عن طوق نجاة.. حوار القطاع الخاص يواصل أعماله بدمشق
عنب بلدي -

في قصر المؤتمرات بدمشق، اجتمع اليوم الثلاثاء، 2 من حزيران، وزراء المالية والنقل والزراعة السوريون مع رجال أعمال وممثلين عن منظمات دولية، ضمن فعاليات اليوم الثاني من أعمال المؤتمر الوطني الأول لحوار القطاع الخاص السوري، في محاولة لرسم ملامح مرحلة اقتصادية جديدة في سوريا بعد أكثر من أربعة عشر عامًا من الحرب والدمار.

وينظم المؤتمر وزارة الاقتصاد والصناعة بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والحكومة اليابانية، لإجراء محادثات حول دور القطاع الخاص في إعادة تحريك الاقتصاد السوري، وإعادة بناء البنية التحتية والمؤسسات الإنتاجية التي تعرضت لأضرار واسعة خلال سنوات النزاع.

وتأتي المناقشات في وقت تشير فيه تقديرات الأمم المتحدة والبنك الدولي إلى أن سوريا تواجه واحدة من أكبر عمليات إعادة الإعمار في العالم، فوفقًا لتقييم البنك الدولي الصادر عام 2025، بلغت الأضرار المباشرة التي لحقت بالأصول المادية والبنية التحتية والمباني السكنية وغير السكنية نحو 108 مليارات دولار.

بينما تقدر كلفة إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، مع تضرر ما يقارب ثلث رأس المال المادي الذي كان قائمًا قبل عام 2011.

برنية: القطاع الخاص شريك في قيادة النمو

قال وزير المالية السوري محمد يسر برنية، في كلمة له، إن الحكومة تنظر إلى القطاع الخاص بوصفه “الشريك الرئيسي” في قيادة النمو الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة، مؤكدًا أن تجربة السنوات الماضية، أظهرت قدرة الشركات السورية على الحفاظ على حد أدنى من النشاط الإنتاجي والخدمي رغم الظروف الاستثنائية.

وحسب تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، يعيش نحو 90 % من السوريين تحت خط الفقر، ويقول البرنامج في تقرير صادر عنه بتاريخ 20 شباط 2025، اليوم الثلاثاء، 2 من حزيران، إن تسعة من كل عشرة أشخاص في سوريا يعيشون في فقر، وإن واحدًا من كل أربعة عاطل عن العمل، ولكن اقتصاد البلاد يمكن أن يستعيد مستواه قبل الصراع في غضون عقد من الزمان في ظل نمو قوي.

وأشار وزير المالية إلى إطلاق استراتيجية التحول 2026-2030، التي تهدف إلى تحويل وزارة المالية لمؤسسة أكثر انفتاحًا على القطاع الخاص، مع التركيز على الاستقرار المالي وتحسين بيئة الأعمال.

وأضاف أن الحكومة بدأت برنامجًا للإصلاح الضريبي، يستهدف الانتقال من نموذج الجباية التقليدية إلى إدارة ضريبية أكثر شفافية وكفاءة.

ولفت إلى حزمة من الإجراءات التي اتخذت خلال الأشهر الماضية لدعم المنشآت المتضررة، تضمنت إعفاءات ضريبية وتسهيلات للمكلفين في المناطق الأكثر تضررًا، إلى جانب مراسيم أعفت دافعي الضرائب من الغرامات والفوائد والجزاءات المالية المتراكمة، بهدف تشجيع عودة رؤوس الأموال إلى الدورة الاقتصادية وتحفيز الاستثمار.

وشدد الوزير برنية على أن عودة التعاون مع مؤسسات مالية دولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والبنك الإسلامي للتنمية، تمثل مؤشرًا على استعادة قدر من الثقة الدولية بالاقتصاد السوري، في وقت تسعى فيه سوريا إلى جذب التمويل والخبرات اللازمة لمرحلة إعادة الإعمار.

وكانت الرئاسة السورية أصدرت في 2025 المرسوم رقم 275، الذي يمنح إعفاءات واسعة من الفوائد والغرامات الضريبية عن السنوات السابقة لعام 2024، وذلك بهدف تسوية المتأخرات المالية.

وشمل المرسوم آنذاك، المكلفين بالعديد من الضرائب والرسوم المالية المباشرة، وأبرزها:

  • ضريبة دخل الأرباح الحقيقية.
  • رسم الإنفاق الاستهلاكي.
  • رسم الطابع المالي وما يضاف إليه.
  • غرامات مكافحة التهرب الضريبي والذمم الشخصية.
النقل تعرض السكك الحديدية على القطاع الخاص

وفي جلسة مخصصة لقطاع النقل، عرض وزير النقل السوري يعرب بدر، صورة عن حجم التحديات التي تواجه البنية التحتية للنقل في البلاد، وأوضح أن أكثر من نصف شبكة السكك الحديدية السورية ما يزال خارج الخدمة نتيجة الأضرار التي لحقت بها خلال الحرب.

وقبل اندلاع النزاع كانت سوريا تمتلك شبكة سكك حديدية يزيد طولها على 2700 كيلومتر، تربط الموانئ الساحلية بالمراكز الصناعية والزراعية والمدن الرئيسية، إلا أن أجزاء واسعة من هذه الشبكة تعرضت للتدمير أو التوقف الكامل عن العمل، ما جعل إعادة تأهيلها أحد أبرز ملفات التعافي الاقتصادي.

ودعا بدر القطاع الخاص إلى المساهمة في إعادة تشغيل الخطوط المتوقفة، مشيرًا إلى أن الوزارة تعمل كذلك على إعداد تقييم شامل لشبكة الطرق السورية بالتعاون مع البنك الإسلامي للتنمية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ضمن خطة أوسع لصياغة سياسة وطنية للنقل البري المستدام.

ولا تقتصر تحديات إعادة الإعمار على النقل وحده، فحسب تقرير صادر عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولي، في آب 2025، تعرض نحو 50% من البنية التحتية السورية للتدمير أو التعطل الجزئي خلال سنوات الحرب، بما يشمل شبكات الكهرباء والمياه والطرق والخدمات الأساسية، كما فقد قطاع الطاقة أكثر من 80% من قدراته الإنتاجية مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.

شركة قابضة للاستثمارات الزراعية برئاسة وزير الزراعة

أما في القطاع الزراعي، الذي لطالما شكل ركيزة أساسية للاقتصاد السوري، فقد أكد وزير الزراعة باسل حافظ السويدان أن سوريا ما تزال تمتلك فرصًا كبيرة لجذب الاستثمارات الزراعية رغم التحديات الراهنة.

وقال إن الحكومة تعمل على مراجعة القوانين الناظمة للاستثمار الزراعي وتبسيط الإجراءات الإدارية بهدف جذب رؤوس الأموال المحلية والخارجية، معلنًا التوجه لإطلاق الشركة السورية القابضة للاستثمارات الزراعية، التي ستتولى إدارة عدد من المنشآت الإنتاجية وتطوير الشراكات مع المستثمرين والمنتجين.

وكان وزير الزراعة السوري كشف خلال لقائه مع ممثل منظمة ‏الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة “فاو” بالإنابة توماسو ‌‏بيري، في أيار الماضي، أنه يتم العمل على إعداد شركة ‏قابضة برئاسته، تضم أراضي زراعية ومشاريع إنتاجية، بهدف ‌‏تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وربط القطاع ‏الخاص بالوزارة عبر هذه الشركة‎.، وفقًا لما أوردته الوكالة السورية للأنباء (سانا) آنذاك.

وتشير منظمة الأغذية والزراعة في الأمم المتحدة (الفاو)، في أحدث تقاريرها إلى أن 14.5 ملايين شخص
في سوريا، يعانون من مستوى شديد من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وأن سوريا ما تزال واحدة من أكبر حالات الطوارئ الإنسانية وأكثرها تعقيدًا على مستوى العالم، ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية وزيادة أسعار الأغذية، تتبنى الأسر السورية الضعيفة آليات تكيف سلبية مثل بيع الأصول الإنتاجية وتقليل كمية ونوعية الوجبات للبقاء على قيد الحياة.

الشعار: الدولة لن تبيع أصول الشعب للقطاع الخاص

وفي كلمته أمس بافتتاح جلسات مؤتمر الحوار مع القطاع الخاص، تحدث وزير الاقتصاد والصناعة، محمد نضال الشعار، عن أهمية تبني الحكومة مفهوم “الاقتصاد الحر الموجه” وتشجيع الاستثمارات والإنتاج والمنافسة وضمان عدالة الفرص، وذلك بالشراكة “الذكية” بين الدولة والقطاع الخاص، بحسب تعبيره.

وقال إن الحكومة لا تسعى إلى استنساخ تجارب اقتصادية خارجية، بل إلى تطوير نموذج سوري خاص يستفيد من التجارب الدولية الناجحة ويستند في الوقت نفسه إلى المزايا النسبية التي تمتلكها البلاد، وفي مقدمتها موقعها الجغرافي والموارد البشرية والخبرات السورية المنتشرة داخل البلاد وخارجها.

ونفى الوزير الشعار وجود أي نية أو هدف لدى الدولة لبيع الأصول المملوكة للشعب للقطاع الخاص (الأصول كالعقارات التابعة للجهات العامة) وقال إن “الأصول الوطنية أمانة يجب الحفاظ عليها وتطويرها وتحسين كفاءتها واستقطاب الاستثمارات إليها مع الحفاظ على حقوق الدولة”

ويكمن الحل في التعامل مع هذه الأصول، بحسب الشعار، في الشراكة مع القطاع الخاص وليس “الخصخصة” من خلال إبرام العقود الاستثمارية أو الامتيازات دون التخلي عن ملكية الدولة للأصول، مبينًا أن القيمة الحقيقية للأصول لا تكمن في “سعرها” بل في القدرة على زيادة إنتاجيتها ومردودها.

الاقتصاد السوري رهن العرض والطلب

فيما يتعلق بأسعار السلع الاستهلاكية وحماية المستهلك، يرى وزير الاقتصاد أن “اقتصاد السوق لا يقوم على التسعير الإداري بل على العرض والطلب”.

وقال الوزير الشعار، إن تبني اقتصاد السوق لا يعني غياب الدولة عن المشهد الاقتصادي، علمًا أن التجارب التنموية الناجحة قامت على توازن بين حرية المبادرة الاقتصادية والتدخل الحكومي المنظم.

وكشف عن وجود توجه حكومي لتطوير مدن صناعية حديثة ومناطق لوجستية متكاملة وحاضنات للتكنولوجيا والابتكار، بما يتيح تحويل سوريا إلى مركز للتصنيع وإعادة التجميع والخدمات اللوجستية المرتبطة بالتجارة الإقليمية.

وأكد أن الحكومة تعمل بالتوازي على تحديث البيئة القانونية والتنظيمية للاستثمار، وتعزيز مبادئ الحوكمة والمؤسساتية، وتحسين الشفافية، وتطوير القطاع المصرفي وأنظمة الدفع، إلى جانب جهود تستهدف الحفاظ على الاستقرار النقدي ومكافحة التضخم.

Related



إقرأ المزيد