متضررو “التأميم البعثي” يشعلون الاحتجاج في قصر المؤتمرات
عنب بلدي -

قاطع الجلسة الختامية للمؤتمر الوطني للحوار بين الحكومة والقطاع الخاص السوري، المنعقدة في قصر المؤتمرات، صراخ من أحد المواطنين الحاضرين على الوزراء السوريين الخمسة المجتمعين على المنصة قبل تلاوة البيان الختامي للمؤتمر.

المهندس صفوان قياسة مواطن سوري من حماة، متضرر من قرارات التأميم التي أقرها مسؤولو حزب البعث (المنحل) على الملكيات الخاصة منذ أكثر من 60 عامًا، صاح بالوزراء: “أنتم تجتمعون على المنصة وليس بينكم أحد من القطاع الخاص”، فقاطعه مدير الجلسة عمر حلاج عدة مرات وطلب منه الجلوس، فقال له قياسة “ها أنتم تتحدثون منذ ثلاثة أيام ولم تسمحوا لي بالحديث خمس دقائق”.

وغادر قياسة مدرج قصر المؤتمرات، مساء الأربعاء 3 من حزيران، غاضبًا وهو يصرخ معربًا عن استيائه من عدم السماح له بالحديث، ولكن وزير المالية السوري محمد يسر برنية، ترك المؤتمر والوزراء المجتمعين (وزراء الاقتصاد والصحة والاتصالات والنقل) ولحق به، وبعد مناداته عدة مرات، استطاع إيقافه على مدخل قصر المؤتمرات.

سوريا لأبنائها قبل المستثمرين الخارجيين

قياسة قال لوزير المالية السوري: “المؤتمر مخصص للحوار مع القطاع الخاص السوري، ولكن على أرض الواقع نحن نرى أن اهتمامكم منصب على المستثمرين في الخارج، وتمنحون الفرصة لمن هم في الخارج أكثر مما تمنحونها لمن هم في الداخل”.

وأكد أن سوريا لن يبنيها إلا أبناؤها في الداخل، لا المستثمرون الخارجيون ولا غيرهم، لأن هؤلاء المستثمرين لديهم “أجندات وسياسات معروفة مسبقًا”، حسب تعبيره، وقال للوزير برنية: “السمعة الاقتصادية الحسنة للمنشآت الصناعية السورية، من صنعها؟ صنعها آباؤنا في الخمسينات والستينات، أنا من متضرري التأميم الذي حصل في سوريا، كيف سأستثمر الآن في سوريا ولم أسترجع حقي، لن استثمر لا أنا ولا غيري”.

وأشار قياسة إلى أن المستثمرين يأتون إلى سوريا من الخارج، بينما أبناء سوريا “حقهم ضائع”، وأضاف: “وأنتم لا تعيدون لهم حقوقهم، نحن من أعطينا سوريا السمعة الحسنة لـ 50 عامًا، فهل ستلغون قانون التأميم أم لا؟”.

برنية: سوريا لأبنائها قياسة: نلاحظ غير ذلك

وزير المالية السوري طلب من قياسة أن يهدأ قليلًا، وقال له: “سوريا لأبنائها” فرد عليه قياسة “نحن نلاحظ غير ذلك”، ولكن وزير المالية أكد له أن إنقاذ سوريا هو بيد السوريين، وقال: “نحن لم نفكر بإقامة هذا المؤتمر للحوار مع القطاع الخاص السوري إلا تأكيدًا لهذه الحقيقة، والدولة منذ التحرير بدأت بمعالجة قضايا المصادرات”.

وقال برنية: “تم رفع الحجز الاحتياطي عن الأموال المنقولة وغير المنقولة لـ70 ألف مواطن سوري، وأعدنا 20 ألف عقار من مباني ومعامل وشقق سكنية لأصحابها، ونعمل حاليًا على ملف إعادة تأهيل المنشآت المتضررة”.

وأقر الوزير برنية بأن ملف التأميم “معقد وصعب”، ولكن الحكومة لا تكتفي بذلك، ولديها ملفات معقدة أكثر، وأضاف: “هناك لجنة حكومية تعنى بالمصادرات، وطلبت في اللجنة أن يعالج موضوع التأميم، وسيتم فعل ذلك، فالدولة حريصة على تحقيق العدالة والإصلاح، ونحن أتينا للإصلاح في سوريا”.

قياسة أشار إلى أنه كان خارج سوريا منذ أكثر من 50 عامًا، وعندما حدث التحرير وسقط نظام الأسد عاد فورًا إلى سوريا، وقال :”والدي كان لديه محالج للقطن ومشاريع، وتم مصادرتها منذ نحو سبعين عامًا، ولم نأتِ إلا لخدمة سوريا واسترجاع حقوقنا”.

وأكد له وزير المالية السوري أنه سوريا بحاجة أبنائها المحبين، و”نحتاج إلى من لا يقارننا بألمانيا وأمريكا ودبي، وأؤكد لك أن الدولة لن تقصر في إحقاق الحق ورفع الظلم عن الناس، وسيأتي يوم نفتح فيه ملف التأميم، لأن مصادرة الملكيات أمر مخالف للقوانين والشرائع”.

قياسة: أنتم تطرحون مشاريعنا المؤممة للاستثمار

صفوان قياسة كشف خلال حديثه مع الوزير السوري :”أنتم تطرحون مشاريع مؤممة للاستثمار، فكيف يحصل ذلك وهذه المشاريع لها مالكين، محلج القطن العائد لوالدي، أصبح مقرًا لشعبة تجنيد!!”، فأكد برنية له أن “الملف معقد”، ورد عليه قياسة “إذا كان هناك نية للحل يمكن حله”.

وانتهى الحديث بين قياسة وبرنية بالمصافحة والقبلات وسط تصفيق من الحاضرين، واعتبر بعض من كان حاضرًا أن تصرف الوزير برنية يثير الإعجاب، حيث غادر قاعة المؤتمر دون اكتراث بالبيان الختامي، وترك الوزراء والمشاركين المجتمعين وأسرع للحاق بقياسة حتى استطاع إيقافه وطمأنته.

آلاف المتضررين من التأميم.. قياسة ليس الوحيد

حالة صفوان قياسة لم تكن الوحيدة في المؤتمر، كمثال على الظلم الواقع على ضحايا التأميم في سوريا، حيث كان المتضررون قد نظموا أنفسهم منذ بداية المؤتمر، وشكلوا لجنة تحت اسم “لجنة متضرري التأميم في سوريا”، وأصدروا بيانًا جرى توزيعه طيلة الأيام الثلاثة للمؤتمر على المشاركين.

وجاء في نص البيان، الذي وزعه رئيس اللجنة، عمر الحبال، أن آلاف الصناعيين المؤسسين في داخل وخارج سوريا، وخاصة قطاع النسيج، ينتظرون صدور مراسيم تنصفهم وتعيد أملاكهم المصادرة ليعودوا فاعلين في الدولة والمجتمع، ويطمحون إلى إعادة الثقة المفقودة بين الدولة والمواطن، ولن تعود تلك الثقة مالم تعاد الحقوق الثابتة لأصحابها.

وأعرب المتضررون في البيان الذي سلموا نسخة منه إلى وزير الاقتصاد والصناعة محمد نضال الشعار، والقائم بأعمال سفارة اليابان في سوريا تسوجي اكيهيرو، والممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الألماني بالنيابة روحي أفغاني، عن أسفهم لتجاهل مطالب “أصحاب الحقوق المؤممة” في هذا الحوار الوطني مع القطاع الخاص.

المتضررون من التأميم: أعيدوا حقوقنا المسلوبة

قالت اللجنة التي تمثل المتضررين في بيانها: “نحن نمثل آلاف الصناعيين الأصلاء المتضررين من مصادرة شركاتنا ومصانعنا بعنوان التأميم، الذين قادوا نهضة سوريا الصناعية منذ خمسينات القرن الماضي وحققوا ثورة صناعية حقيقية على مستوى آسيا وأفريقيا، وها قد عدنا لبناء نهضتها الصناعية من جديد بالحوار والتعاون مع الحكومة السورية”.

وأشارت اللجنة إلى أن موجات التأميم الجائر في سوريا تمت بين عامي 1964 و1965، وهذا التأميم عطل أكثر من 80% من الشركات والمصانع في بداية سيطرة الدولة على وسائل الإنتاج، وما تبقى من مصانع عاملة كلها على الإطلاق كانت خاسرة، والشعب يدفع من ضرائبه ليسدد تلك الخسائر على مدى أكثر من 60 عامًا، وما زالت خاسرة.

وأضافت اللجنة: “كل المصانع والشركات المؤسسة دمرت مبانيها ومعداتها وباتت غالبيتها العظمى مجرد أراضي أو مباني مدمرة، والقليل منها يستخدم لأغراض لاعلاقة لها بالصناعة بعد نقل أو تكسير معداتها التي أصبحت خردة، وبقي بضعة مصانع موسمية ما زالت قيد العمل، وهي خاسرة والغالبية العظمى من منتجاتها لا تطابق المواصفات العالمية”.

وأكدت لجنة المتضررين أن مراسيم التأميم “معدومة شرعًا وقانونًا ودستوريًا، ولا يحق لأحد منحها لأي جهة طالما لم يتم التفاوض مع أصحابها الحقيقيين الذين ينتظرون إعادة حقوقهم، التي لا جدال عليها، وسلبت منهم مع أموالهم وعقاراتهم ومعداتهم وحساباتهم البنكية عبر مراسيم حكم عبثي استبدادي، دمر وهجر الصناعة الوطنية والصناعيين ورؤوس الأموال الصناعية”.

و”لبناء اللغة مع القطاع الخاص الصناعي، لا بد من إعادة الحقوق المصادرة والمسلوبة لأصحابها”، وفقًا للمتضررين الذين اختتموا بيانهم بالقول: “نحن آلاف الصناعيين وأبناؤهم وأحفادهم، نمد أيدينا لعقد جلسات حوار مع كل الجهات المعنية والقائمين على هذا المؤتمر الحواري للوصول إلى تفاهمات تعيد الحقوق لأصحابها، لتدخل السوق الاقتصادي لتدوير عجلة الاقتصاد من تشغيل كثيف للعمالة وتنمية للصادرات”.

ما قانون التأميم

أصدره جمال عبد الناصر في 1958، بصفته رئيسا للجمهورية العربية المتحدة (سوريا ومصر)، قانون الإصلاح الزراعي في سوريا.

ثم قاد أكرم الحوراني، نائب عبد الناصر و(أحد مؤسسي حزب البعث المنحل)، حملة تشهير ضد ملّاك الأراضي في سوريا، ومنعوا من تملّك أكثر من 80 هكتارًا من الأراضي المزروعة، في وقت شكلت فيه الزراعة 50% من الناتج المحلي الإجمالي لسوريا، ومصدر رزق أساسي لـ75% من سكانها.

وتبع القانون الذي أثار استياء واسعًا لدى ملاك الأراضي والإقطاعيين وسياسيين سوريين، صدور قانون التأميم في 1961، الذي طال المصارف والمصانع الخاصة، ووصل عدد المؤسسات المصادرة لـ23 مؤسسة بقيمة إجمالية 200 مليون ليرة سورية (90 مليون دولار حينها)، فيما بلغت قيمة البنوك 27 مليون دولار.

Related



إقرأ المزيد