عنب بلدي - 6/4/2026 5:23:20 PM - GMT (+2 )
حازم داكل
قبل سنوات، رفع السوريون في كفرنبل لافتة صغيرة بحجمها، كبيرة بمعناها: “لسنا طائفيين ولسنا إقصائيين… لأنها ساحات الحرية وتحت سقف الوطن مرحب بالجميع”. لم تكن مجرد عبارة بسيطة وسط عشرات اللافتات التي خرجت من تلك البلدة. كانت تلخيصًا لفكرة أراد السوريون الدفاع عنها في وجه نظام بنى جزءًا كبيرًا من سلطته على تقسيم الناس وتصنيفهم ومعاقبتهم بناءً على هوياتهم وانتماءاتهم لا على أفعالهم.
لهذا السبب تحديدًا، شعرت بكثير من القلق وأنا أتابع ما رافق حملة “لست شجرة” خلال الأيام الماضية.
لا أتحدث هنا عن الألم. الألم مفهوم. ولا عن الغضب. الغضب مفهوم أيضًا. ولا عن حق الضحايا وأهاليهم في المطالبة بالحقيقة والعدالة والمحاسبة. هذا حق لا نقاش فيه. جزء كبير من الخطاب الذي رافق الحملة لم يكن موجهًا ضد مجرمين محددين أو متورطين معروفين أو مسؤولين يجب أن يمثلوا أمام القضاء. بل كان موجهًا ضد العلويين بوصفهم جماعة كاملة. وهنا تبدأ المشكلة.
من حق أي سوري أن يطالب بمحاسبة القتلة. من حقه أن يرفض الإفلات من العقاب. ومن حقه أن يبحث عن الحقيقة مهما كانت مؤلمة او محرجة. لكن لا أحد يملك الحق في تحويل ملايين البشر إلى متهمين فقط لأنهم ينتمون إلى طائفة أو منطقة أو خلفية اجتماعية معينة.
ما يقلقني أكثر أن هذا الخطاب لا يظهر من فراغ. نحن نعيش منذ أشهر تصاعدًا واضحًا في منسوب التحريض داخل الفضاء العام السوري. شخصيات تبني حضورها على التخوين، ومنصات تحقق انتشارها من خلال شيطنة المختلف، وأصوات ترتفع كلما كانت أكثر حدة وأكثر قدرة على إثارة الغضب والانقسام.
وكأن الطريق الأسرع إلى الشهرة أو النفوذ أو القرب من دوائر القرار لم يعد يمر عبر الكفاءة أو المعرفة أو القدرة على تقديم حلول، بل عبر التحريض والمزاودة والصراخ الأعلى.
والأخطر أن بعض هؤلاء لا تتم محاسبتهم. بل يتحولون أحيانًا إلى وجوه عامة ومتحدثين باسم المرحلة الجديدة. نراهم في اللقاءات الرسمية، وعلى الشاشات، وفي الصفوف الأولى للمناسبات العامة. وعندما يحدث ذلك، لا يعود التحريض مجرد سلوك فردي، بل يتحول تدريجيًا إلى ثقافة يجري التساهل معها وربما مكافأتها أيضًا.
حملة “لست شجرة” ليست المشكلة بحد ذاتها. هي مجرد عرض لمرض أعمق.
ما يقلق في الحقيقة ليس الوسم نفسه، بل ما يكشفه من مزاج عام يتشكل أمامنا. التحريض ما زال موجودًا، وأحيانًا يبدو كأنه يُكافأ أكثر مما يُحاسب. والعدالة تحولت في كثير من الأحيان إلى قضية موسمية؛ ترتفع مع الترند ثم تختفي معه. أما الحقيقة، وهي الشيء الذي يفترض أن نبني عليه أي مصالحة أو تعايش مستقبلي، فتبدو أحيانًا آخر ما نفكر فيه.
هذه القضايا ليست منفصلة عن بعضها البعض. فعندما ينتشر التحريض دون محاسبة، يترسخ شعور بالإفلات من العقاب. وعندما يشعر الناس أن العدالة انتقائية أو مؤجلة أو خاضعة للتوازنات، تبدأ ثقتهم بالدولة ومؤسساتها بالتآكل.
والمشكلة أن الناس لا تعود إلى الطائفة لأنها تحب الطائفية بالضرورة. الناس تعود إلى الطائفة عندما تفقد ثقتها بالدولة. تعود إلى العشيرة عندما تشك بأن القانون لن يحميها. وتبحث عن النفوذ أو السلاح عندما تشعر أن العدالة لم تعد متاحة للجميع.
وهكذا تبدأ الدول بالتراجع. لا بقرار واحد، ولا بانقلاب كبير، بل بانسحاب بطيء للثقة من المجال العام.
الخطر الأكبر برأيي ليس وجود المحرضين وحدهم، بل أن يفقد السوريون ثقتهم بإمكانية الحصول على حقوقهم عبر القانون. عندما يشعر المواطن أن الحقيقة يمكن أن تُدفن إذا كانت محرجة، وأن بعض الأشخاص فوق المساءلة، وأن العدالة لا تُطبق على الجميع بالمعايير نفسها، يبدأ منطق آخر بالظهور: منطق الثأر.
والثأر لا يبدأ دائمًا بالسلاح. أحيانًا يبدأ بكلمة. بمنشور. بإهانة جماعية. بخطاب كراهية. برغبة دفينة في الانتقام. أو بفكرة بسيطة تقول إن جماعة كاملة يجب أن تدفع ثمن ما فعله بعض أفرادها.
ولذلك فإن أخطر ما في حملة “لست شجرة” ليس فقط ما قيل فيها، بل الرسالة التي قد تكرسها: أن الانتماء الطائفي يمكن أن يصبح قرينة اتهام، وأن المسؤولية الجماعية يمكن أن تحل محل المسؤولية الفردية.
هذه ليست عدالة، بل نقيض العدالة.
سوريا اليوم ليست بلدًا مستقرًا يمكنه تحمل هذا النوع من الخطاب. نحن خرجنا للتو من حرب طويلة، وما زالت ذاكرة الضحايا مفتوحة، وما زال السلاح منتشرًا، وما زالت الثقة بين السوريين هشة ومجروحة. في مثل هذا الواقع، لا تبقى الكلمات مجرد كلمات. الكلمة قد تصبح تحريضًا، والتحريض قد يتحول إلى مناخ عام، وهذا المناخ قد يتحول إلى عنف في أي لحظة.
إذا كنا فعلًا نريد بناء سوريا جديدة، فعلينا أن نرفض هذا المنطق مهما كان الطرف المستهدف به. لأن المعيار الأخلاقي لا يُختبر عندما ندافع عن من يشبهوننا، بل عندما ندافع عن المبدأ نفسه حتى مع من نختلف معهم أو نحمل تجاههم مشاعر الغضب والألم.
المطلوب اليوم ليس حماية العلويين فقط، ولا حماية أي جماعة أخرى بعينها. المطلوب حماية فكرة المواطنة نفسها. حماية فكرة أن الإنسان يُحاسب على ما فعل، لا على ما وُلد عليه. وأن الدولة يجب أن ترى مواطنيها كأفراد متساوين أمام القانون، لا كطوائف متقابلة تتبادل الاتهامات والثأر.
والمطلوب أيضًا أن تحاسب الدولة من يشيطن ويخون ويدعو إلى الإقصاء والتحريض، لا أن تتسامح معه أو تمنحه شرعية إضافية.
أكثر ما أخشاه اليوم ليس المحرّضين أنفسهم. فالمحرّض موجود في كل المجتمعات. ما أخشاه هو أن نعتاد وجوده. أن نتوقف عن الاعتراض عليه. أن يصبح كلامه جزءًا طبيعيًا من المشهد اليومي. عندها فقط تبدأ الكارثة الحقيقية.
فالدول لا تنهار عندما ينتشر السلاح فقط، بل عندما يصبح خطاب الكراهية مقبولًا، وعندما يتحول الانتقام إلى بديل عن القانون.
Related
إقرأ المزيد


